غزارة الأمطار في شهر رمضان وما بعده، رغم موجات الجفاف المتتالية وقلة الأمطار في السنوات والأشهر الأخيرة، يمكن أن تكون بشارة على أن صمود الرجال والنساء المجاهدين في الجو والفضاء، في ميدان المواجهة الصلبة والناعمة، وفي الشوارع والجبال والصحراء، قد جلب عناية الله لأرضهم وشعبهم.

التحليل القرآني والروائي

القرآن الكريم يسمي المطر رحمة إلهية (أي من مصاديقها): ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [¹]. ومن الواضح أن رحمة الله تشمل أنواع النعم الدنيوية والأخروية، ولا تقتصر على المطر فقط.

من جهة أخرى، قال الله تعالى إن المجاهدين يجب أن يكونوا على رجاء أن تشملهم رحمته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [²].

وفي سورة العاديات، أقسم القرآن بعظمة الجهاد: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [³]. فالمجاهدون يغيرون على العدو إغارة شديدة، يثيرون بها الغبار في كل جانب، ويرتفع صوت خيلهم وهي تعدو. وهي إشارة إلى سرعة المجاهدين وهجومهم على العدو.

أما في الروايات، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة 27 من نهج البلاغة التي استنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا، قال:

“أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالإسهاب وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف” [⁴].

وفي الكافي، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

“ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك. قال: أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد” [⁵].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض” [⁶].

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): “إن الله عز وجل فرض الجهاد وعظمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلحت دنيا ولا دين إلا به” [⁷].

وعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):

“للجنة باب يقال له: باب المجاهدين، يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف، والملائكة ترحب بهم. ثم قال: فمن ترك الجهاد ألبسه الله عز وجل ذلاً وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إن الله عز وجل أغنى أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها” [⁸].

جهاد التبيين وجهاد المال واللسان

إلى جانب الجهاد العسكري الصعب لقوات الإسلام في الجيش والحرس الثوري، فإن جهاد التبيين في الجلسات العائلية والودية، وفي منصات التواصل الاجتماعي، والحضور في الشوارع، والمساعدة المالية واللسانية والوقتية للمواكب والمجاهدين، كلها من المصاديق المهمة لهذا الجهاد. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “عليكم بالجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم” [⁹].

كما قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): “من ترك الجهاد ألبسه الله الذلة والفقر في المعيشة ومحق الإيمان” [⁸]. وهذا يدل على أن نزول أنواع الرحمة الدنيوية والأخروية على المجاهدين يكون نتيجة امتثالهم لأمر الله بالجهاد. فالجهاد يجلب العزة الدنيوية وسعة الرزق ورفعة الإيمان الأخروي، وقد بدأت بوادر هذه الآثار الثلاثة تظهر الآن، وسيذوق الشعب الإيراني المجاهد طعمها في المستقبل.

الرد على شبهة مهمة

قد يقال: أليست أوروبا الخضراء (أوروبا) ليست من أهل الجهاد والمقاومة، فلماذا تشملها رحمة الله؟ الجواب واضح في القرآن: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [¹⁰].

وفقاً لهذه الآية، فإن الله لا يمنع الكفار من النعم المادية الدنيوية العابرة، لأنهم أيضاً من خلق الله، والله كريم رحيم، فيمنحهم من الدنيا لئلا يعترضوا على رحمته وهم محرومون من اللانهائية الأخروية.

الأبدية في مقابل الدنيا

هل فكرتم في الأبدية والحياة الخالدة ومقارنتها بالحياة المحدودة للدنيا؟ الأبدية لا تعني مئة سنة أو ألف سنة أو مليون سنة، بل هي أبعد وأعلى من كل ذلك. فالأبدية اللانهائية لا تقارن بعام أو عامين أو عشرة أعوام من الحياة الدنيا. ولهذا، يتمنى المؤمنون في الآخرة لو عادوا إلى الدنيا ليتحملوا أضعاف المشاكل ليصفوا أرواحهم من دنس الدنيا، وينالوا من الرحمة الأخروية والمقامات الجنة أكثر [¹¹].

مثل الطفل الذي يفرض عليه والده بعض القيود في طفولته ومراهقته، ليدخر له ما يحتاجه في شبابه من مسكن وزواج. فمن الطبيعي أن يشكر الابن أباه عندما يرى هذه النعم في شبابه، وقد يقول: ليتكم ادخرتم الباقي أيضاً! ولو أن جهله في الطفولة أصر على سلوك أضر بجسده وروحه، وظهرت آثاره في شبابه، ورأى أصدقاءه سالمين من تلك الآلام، فإنه سيندم بشدة ويحاسب والديه: لماذا لم تمنعونه بالتوبيخ أو حتى الضرب والحبس؟ كي لا أكون الآن محروماً من تلك النعم التي يتمتع بها أصدقائي؟!

رواية عن عذر الله للمؤمنين الفقراء

في هذا السياق، وردت رواية عجيبة في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام قال :

“إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه : أين الفقراء؟ فيقوم عنق من الناس كثير فيقول : عبادي! فيقولون : لبيك ربنا ، فيقول : إني لم افقركم لهوان بكم على ولكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم ، تصفحوا وجوه الناسن فمن صنع اليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة [¹²].

وروى الشيخ الكليني بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

“إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي، فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا، قال: فيرفع فيقول ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني.” [¹³].


المصادر:

¹ سورة الروم، الآية 50.

² سورة البقرة، الآية 218.

³ سورة العاديات، الآيات 1-3.

⁴ نهج البلاغة، الخطبة 27.

⁵ الكافي، ج2، ص25، باب الجهاد، ح1.

⁶ الكافي، ج5، ص3، باب فضل الجهاد، ح1.

⁷ الكافي، ج5، ص4، باب فضل الجهاد، ح4.

⁸ الكافي، ج5، ص2، باب فضل الجهاد، ح1.

⁹ بحار الأنوار، ج42، ص249.

¹⁰ سورة الزخرف، الآية 33.

¹¹ إرشاد القلوب إلى الصواب، ج26، ص203.

¹² الكافي، ج2، ص261، باب فضل الفقراء والمساكين، ح1.

¹³ الكافي، ج2، ص262، باب فضل الفقراء والمساكين، ح2.

ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل