في العصر الحاضر، حيث تستهدف “الحرب المعرفية” للأعداء العمود الفقري للإرادة الوطنية، أي “الأمل”، باتت إعادة قراءة مفهوم الأمل من منظور العلوم المستجدة، ومطابقته مع الجذور التاريخية للعلم والجهل، ضرورة لا مناص منها. فالأمل ليس سراباً ذهنياً، بل هو المحرك الأساسي للسير في طريق بناء الحضارة. هذا المقال، من خلال تحليل مفهوم الأمل في العلوم المعرفية وعلم النفس، مع نظرة على تاريخ السفسطة والمغالطة في تاريخ الفكر، يسعى إلى توضيح أن الوعي الصادق يمكن أن يشكل سداً منيعاً أمام اليأس المفروض.

العلاقة بين “نظرية المعرفة” و”علم النفس الاجتماعي” هي من أهم الموضوعات في تحليل الظواهر الثورية. لقد أكدت الثورة الإسلامية، باعتبارها حركة قائمة على البصيرة، دائماً على الربط بين الوعي والحيوية الاجتماعية. لكن السؤال هو: كيف يتحول الأمل من مجرد حالة ذهنية إلى استراتيجية عملية؟

الأمل بين النظرية المعرفية وعلم النفس

يُعرِّف علماء العلوم المعرفية الأمل بأنه عملية معرفية، أداة لتحديد الأهداف وطرق الوصول إليها. ويقسم علماء النفس نوعين من التفكير للاتصاف بالأمل:

  • الأول: “تفكير المسار” وهو إيجاد الطرق للوصول إلى الهدف.
  • الثاني: “تفكير الفاعلية” وهو الإرادة لاستخدام هذه الطرق.

هذا المسار الفكري يحول الأمل، على عكس التفاؤل السلبي أو مجرد التفكير الإيجابي، إلى نهج فعال، حيث يصبح الأمل مزيجاً من التخطيط الهادف مع الدافع للعمل. وبهذا المعنى، الأمل في نظرية المعرفة هو ما يدفع الإنسان إلى الأمام في خضم عدم اليقين، ويمنحه الثقة بالنفس والشعور بالتوجه حتى في أوقات الشدة.

في نظرة علماء النفس، الأمل يجعل الإنسان مرناً، وكلما زاد مستوى الأمل لدى الإنسان، زاد ثباته في اختيار الهدف وتمييزه. لذلك، غالباً ما يكون الأشخاص المتفائلون ثابتين، والأشخاص الثابتون يتمتعون بمهارة عالية في التحكم بالوسواس والتوتر والمحن. لأن الأمل هو نوع من الوهم الإيجابي. فالتوقعات الإيجابية يمكن أن تعزز مواجهة الأزمات، وتساعد على التعافي السريع من الصدمات النفسية في الأحداث المؤلمة. باختصار، الحفاظ على التوقعات المتفائلة والإيجابية ليس مجرد شعور جيد، بل يمكن أن يقوي صحتنا النفسية وحتى الجسدية.

الصراع التاريخي بين العلم والجهل

الواقعية في الأمل هي نتاج وعي الإنسان ومعرفته، ونقيضه، أي اليأس والإحباط، هو أيضاً نتيجة لأنواع من الجهل عند الإنسان. لذلك، فإن اليأس والأمل ينشأان من مسألتي المعرفة والجهل، وهما موجودان منذ بداية الخلق الإنساني وبداية تاريخ الفكر.

في اليونان القديمة، كان السفسطائيون يسمون أنفسهم بأهل العلم ليتباهوا أمام الناس، لكنهم كانوا يمارسون التضليل باسم المعرفة. هناك قصة مشهورة: كان الأستاذ السفسطائي يعلم تلميذه فن المناظرة والاستدلال. اشترط التلميذ أن يدفع له المبلغ بعد أن يتعلم. بعد فترة، قال الأستاذ للتلميذ: لقد تعلمت فن الاستدلال، وعليك أن تدفع باقي المال. لكن التلميذ أجاب: لم أتقن فن الاستدلال بعد. فاستدل الأستاذ: إذا استطعت أن أثبت أنني علمتك فن السفسطة، فأنت ملزم بدفع المال. وإذا لم أستطع الإثبات وتمكنت أنت من الاستدلال وغالبتني، فهذا يدل على أنك تعلمت. ففي كلتا الحالتين، انتهى التعليم وعليك أن تدفع. لكن التلميذ استدل: إذا أثبت أنني لم أتعلم فن الاستدلال، فسيظهر عجزي في الاستدلال، وعليك أن تعيد تعليمي. وإذا لم أستطع إثبات أنك علمتني، فسيظهر أنني لم أتعلم بعد، ويجب أن يستمر التعليم. ففي كلتا الحالتين، يجب أن يستمر التعليم. وهكذا، كان السفسطائي، بالكذب والاحتيال، يخلق لدى الناس حالة مشوشة باسم العلم، لم تكن مبعث أمل.

في زمن فيثاغورس، كان هناك دين اسمه “أوروبيدوس” يضم تعاليم خرافية. استمر التيار السفسطائي، في امتداد هذا الدين الخرافي، لسنوات في إغراق المجتمع اليوناني القديم بهذا الشكل من العمل الجاهل، لدرجة أن جهل دين أوروبيدوس جعل نوع الجهل في اليونان القديمة يعاني من انطوائية مفرطة. وبالطبع، حدث هذا الابتلاء نفسه في القرون الوسطى لأتباع المسيحية أيضاً، حيث كان رجال الكنيسة ينشرون مجموعة من اللاعلوم كطريق علمي بعلامة التقديس. فكانوا يعلمون الناس أدبيات مرتبطة بظواهر الألفاظ، ويختارون جزءاً من الإلهيات غير المبنية على الدليل ويملونها على الناس، حتى لا يصل أحد إلى السؤال الأساسي. وبالتالي، كانت نتيجة عملهم أنهم لقنوا الجهل العام بصبغة التقديس.

تحدي العلم والجهل في العالم الإسلامي

في العالم الإسلامي، ليس تحدّي العلم والجهل محلياً، بل هو نتيجة سوء فهم علمي لعدة تيارات سلفية. جذر هذه المشكلة يكمن في تعاليم ابن تيمية التي وسعت حدود الجهل بنشر التكفير والتنفير. وظهرت أخيراً مع الجماعات السلفية والتكفيرية المتطرفة مثل القاعدة وداعش، التي تحاول، بفكرها المحدود، أن تجعل أتباعها متفائلين وتنشرهم، مع أن منتجهم ليس علماً، وبالتالي ليس مبعث أمل.

الثورة الإسلامية والأمل المعرفي

قبل الثورة، كان المجتمع الإيراني في عصر بهلوي يعاني من “مدنية جاهلية”، تسودها لغة “لا أستطيع” و”لا يمكن”. لكن الثورة الإسلامية، بقيادة الإمام الخميني (رحمه الله) وتلاميذه، وخاصة الإمام الشهيد الخامنئي (رضوان الله عليه)، استطاعت أن ترسخ ثقافة الأمل القائم على العلم والوعي.

يقول الشهيد مطهري في كتاب “نظام حقوق المرأة في الإسلام”: “إذا شرعتم وقلتم أن حقوق الإنسان بهذا الشكل أن جميع الناس متساوون، لكن بعض الناس لديهم درجات اجتماعية أعلى، فلا يمكن القول إنهم متساوون.” كما يتحدث في كتاب “الإسلام ومقتضيات الزمن” عن جاذبية الفقاهة في العلم والجهل. يرى أن الأحكام تكتسب جاذبية من العلم والجهل، وتنشأ مسائل مختلفة. لذلك، يجب فهم مقتضيات الزمن في الفقاهة. فالفقه الحيوي لا ينفصل عن العلم، والجهل هو الذي ينتج الجمود والتحجر.

هذا العلم الذي يكون استنباطه وتفسيره وتصنيفه والدفاع عن مسائله بالنسبة لنص الإسلام، هو الذي يخلق الأمل الحقيقي. فقد تحدث علماء الثورة الإسلامية، من الشهيد مطهري إلى الإمام الشهيد الخامنئي وآية الله جوادي الآملي، عن أهمية المعرفة والوعي في أمل الناس لتقدم المجتمع.

الأمل والوعي في مواجهة شمر اليوم

تحاول الثورة الإسلامية، في مواجهة مشاكل مجتمع اليوم، تجاوز اليأس والإحباط من مواجهة شمر الذي استشهد قبل قرون، وتأمل المجتمع في الحرب مع شمر بهيئة ولباس اليوم بأدوات أخرى في ميدان آخر. فإن نفس يزيد الكذاب والمزور موجود في مجتمع اليوم أيضاً، لأن أمريكا وإسرائيل في محور اليهود العبريين-العرب، في ظلمهم للمستضعفين من غزة واليمن إلى العراق وإيران، يستحضرون نفس يزيد وأحفاده الملعونين.

تحاول الثورة الإسلامية، بالجهاد التبييني، توعية الناس بفساد الحكم السابق، لتأملهم في محاربة الفساد الحاكم الذي يؤدي إلى قتل الناس ونهب موارد الأمم. فالجمود الفكري ناتج عن الجهل، والتحجر نتيجة الجمود. وبرأي الشهيد مطهري، فإن الجهل الثاني في المجتمع الديني يصبح مقدساً، ويصبح مصدراً للقدسية المفرطة، كما في قصة الخوارج الذين رغم جباههم الموسومة بالسجود، كفّروا علياً (ع).

لذا، تعتبر الثورة الإسلامية أن الجهد والسعي للعلم والوعي هو بناء للوصول إلى الأمل الاجتماعي. فالعلم والوعي هما معيار لدرجة جهد الإنسان، وكل نوع من المطالب ينشأ من نفس العلم والوعي. فالتوسع الاجتماعي للعلم والوعي هو الأساس الرئيسي للمطالبة العامة.

خلاصة: الأمل استراتيجية، لا مجرد شعور

الأمل في المنظور الإسلامي هو نتاج العلم بالهدف والوعي بطريقة الوصول إليه. يكتب الأستاذ مطهري في كتاب “معرفة القرآن”: “يقول القرآن أن أهل الإيمان وأهل السعادة، كلما التقوا، يوصي بعضهم بعضاً بالصبر والتحمل. أي بالإضافة إلى أنهم يوصي بعضهم بعضاً دائماً بأصل الحق، فهم يهتمون بمشاكل الآخرين أيضاً.”

هذا هو الأمل الذي كان ولا يزال الاستراتيجية الدائمة للثورة الإسلامية، فإذا كان الإنسان متفائلاً بالمستقبل بهذه الطريقة، ويسعى بهذه الطريقة ويتحرك، فسيكون سعيداً. وأي محاولة لنزع الأمل من المجتمع هي في صميم الحرب المعرفية التي يشنها الأعداء. والرد عليها يكون بالعلم، والوعي، والإيمان بأن النصر حليف الصابرين.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل