في علم نفس الأزمات، تأتي لحظة تنهار فيها طبائع الشخصية المستعارة، وينكشف ما يخفيه الإنسان وراء غبار الحدث. والحرب أقسى هذه اللحظات وأكثرها وضوحاً. فعندما يتعرض المجتمع لتهديد كبير، تسقط كثير من الأقنعة، وتتجلى الحدود الأخلاقية للناس أكثر من أي وقت مضى. وفي مثل هذه المحطات، ينقسم المجتمع غالباً إلى جبهتين واضحتين: أولئك الذين يقفون إلى جانب “الحق” بوعي وتضحية، وأولئك الذين يصطفون بوعي في جبهة “الباطل”.

لكن بين هاتين الجبهتين الواضحتين، يوجد دائماً طيف متذبذب ورمادي؛ مجموعة لا تملك شجاعة الوقوف إلى جانب الحق، ولا صراحة الانضمام إلى الباطل. يصف القرآن الكريم هذه المجموعة بتعبير دقيق وصادم: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: 141]؛ أي الذين يتربصون بكم وينتظرون. هذا المقال هو محاولة لتحليل هذا النمط البشري؛ التيار الذي يشار إليه أحياناً في الأدبيات السياسية اليوم بـ”التوسط”، لكنه في منطق القرآن يعود إلى “التذبذب” و”النفاق الخفي” و”طلب العافية”.

١. المتفرجون الانتهازيون واللغة المزدوجة

يكشف القرآن الكريم في الآية 141 من سورة النساء عن الجانب النفسي لهذه المجموعة. فكلمة “تَرَبُّص” في هذه الآية لا تعني مجرد الانتظار، بل انتظار حسابي انتهازي، حيث يحدد الإنسان موقفه ليس بناءً على الحقيقة، بل على أساس النتيجة المحتملة للميدان. هؤلاء لا يلتزمون بأي جبهة؛ إنهم يحاولون أن يأخذوا لأنفسهم حصة من أي نتيجة، ولهذا لديهم لغة مزدوجة وموقف متغير:
إذا كان النصر من نصيب جبهة الحق، يسارعون إلى الانضمام إلى صف المؤمنين، ويقولون بلغة المطالبة: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: 141]؛ ألم نكن معكم؟
في هذه الرواية الجديدة، يحاولون تضخيم دورهم في النصر؛ وكأن صماتهم وتحفظاتهم وانحيازاتهم السابقة كانت كلها جزءاً من “تدبير” لهم.
لكن الوجه الآخر لهذا السلوك أكثر ظلمة. فإذا حظي العدو في مرحلة ما بتفوق، فإن هؤلاء أنفسهم يميلون إليه فوراً، ويحاولون إثبات ولائهم لتلك الجبهة: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141]؛ ألم نكن مسيطرين عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟
بهذه الطريقة، يحاولون أن يضمنوا لأنفسهم حصة حتى في انتصار العدو. وهذا التقلب بين القطبين ليس نتيجة خطأ بسيط في التحليل، بل هو نوع من الاستراتيجية الانتهازية التي تضحي بالحقيقة من أجل الحفاظ على المصلحة.

٢. دقة البيان القرآني: مقابلة بين “فتح” و”نصيب”

في هذه الآية نفسها، هناك لطيفة بالغة الدلالة تكشف عن دقة البيان القرآني. يصف الله انتصار المؤمنين بكلمة “فتح”: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 141]. أما عندما يتحدث عن نجاح العدو، فيستخدم تعبيراً مختلفاً: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 141].
فـ”الفتح” في لغة القرآن يعني الانفراج الحقيقي والنصر المؤسس؛ حدث يفتح آفاقاً جديدة ويغير مسار التاريخ. أما “النصيب” فهو مجرد حصة محدودة وعابرة. وهكذا يذكرنا القرآن بأن نجاح جبهة الباطل -حتى لو بدا مذهلاً- هو في النهاية حصة مؤقتة غير مستقرة، وليس نصراً مصيرياً.
مشكلة “المتوسطين” تكمن في هذه النقطة تحديداً: هم يفتقرون إلى هذه النظرة التوحيدية العميقة، ولا يميزون بين “الفتح المستدام” و”النصيب العابر”. لذلك، قد يتذبذبون أمام تألق القوى الباطلة بشكل مؤقت، ويغيرون اتجاههم.

٣. قاعدة إلهية: مسألة النصر والهزيمة

بعد رسم هذه الصورة المتذبذبة، يذكر القرآن ليطمئن المؤمنين أصلاً أساسياً: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
هذه الآية التي تُعتبر في الفقه الإسلامي أساساً لـ”قاعدة نفي السبيل”، تعبر عن مبدأ عام في المنطق الإلهي: السيادة المستدامة والنهائية لجبهة الباطل على المجتمع المؤمن غير مقبولة في النظام الإلهي.
ولكن قد يبرز سؤال أولي: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا شهد التاريخ هزائم للمجتمعات الإسلامية؟
الجواب يكمن في تحليل القرآن للظروف. إن وعد النصر الإلهي ليس مطلقاً بلا قيود؛ بل هو مقترن بتحقيق شروط الإيمان والعمل. كلما ابتعد المجتمع عن عناصر القوة فيه -من العلم والمعرفة إلى التضامن الاجتماعي، والجهاد الفكري، والاستعداد الدفاعي- فمن الطبيعي أن يسلم الميدان للعدو. في مثل هذه الحالة، الهزيمة ليست نقضاً للوعد الإلهي، بل نتيجة الابتعاد عن متطلبات ذلك الوعد.

٤. كيمياء التكلفة واختبار “فتنة الناس”

جذر مهم آخر للتذبذب هو الخوف من التكلفة. يكشف القرآن في آية من سورة العنكبوت عن هذا الباطن الداخلي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10].
بعض الناس يقبلون الإيمان طالما جلب لهم الأمن والاحترام الاجتماعي. لكن عندما يتطلب الدفاع عن الحقيقة مواجهة ضغوط اجتماعية، أو هجوماً إعلامياً، أو استهزاء الآخرين -وهو ما يسميه القرآن “فتنة الناس”– يعتبرون هذه الضغوط عذاباً لا يطاق، وينسحبون من الميدان. المشكلة عندهم ليست في فهم الحقيقة، بل في العجز عن دفع ثمنها. إنهم يريدون الإيمان، لكن دون ثمنه؛ ويرضون بالحق، لكن دون مشقته.

٥. مصير سكان المنطقة الرمادية

عادة ما يبرر سكان المنطقة الرمادية سلوكهم بأسماء لامعة: “العقلانية”، “الحذر”، “البصيرة”، أو “الحياد”. إنهم يتوهمون أنه يمكنهم الوقوف في منطقة بين الحق والباطل، وفي الوقت نفسه النجاة من عواقب كلا الجبهتين. لكن القرآن يسد هذا المهرب الذهني. في نهاية آية النساء نفسها يقول: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: 141].
في تعقيدات السياسة والتاريخ قد تبقى كثير من النوايا خفية، لكن في محكمة الله لا تبقى نية مستورة. فالقرآن يحدد حتى المكانة النهائية للمنافقين بـ ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]؛ أي أسفل دركات النار. لأن العدو المعلن، مهما كان خطيراً، يمكن التعرف عليه؛ أما المنتفع الرمادي، فإنه يستنزف إرادة جبهة الحق من الداخل.

النتيجة: الاختيار بين الشرف والمصلحة

الأزمات هي اختبار لمعيار البشر والأمم. في مثل هذا الاختبار، أولئك الذين يقفون على الهامش، وينظرون بعيون محاسبة إلى الميدان، ليلحقوا بعد المعركة بصف المنتصرين، ربما يبنون لأنفسهم هامش أمان على المدى القصير، لكنهم في ميزان الضمير التاريخي وفي الميزان الإلهي، هم الخاسرون الحقيقيون.
تعاليم القرآن واضحة: السعادة ليست في “الانتظار حتى النصر”، بل في “الوقوف إلى جانب الحقيقة”، حتى لو كان هذا الوقوف مكلفاً. طالبو العافية يرون العالم من خلال مصالحهم المؤقتة، أما المدافعون عن الحق فينظرون إليه في أفق التكليف والفتح النهائي. الفخر والعزة لمن اختاروا مكانهم في جبهة الحق قبل أن تتضح نتيجة الميدان؛ لا لمن يرتدون بعد انقشاع غبار الحرب ثياب الفاتحين مدعين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل