للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الرجوع أولاً إلى أسباب صلح الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مع معاوية. فقد كان الإمام علي (عليه السلام) بعد أن عاد الكوفيون من النهروان[1]، رغم رغبتهم في ذلك وأمره لهم، ودخلوا الكوفة دون أن يكونوا مستعدين للقتال مرة أخرى مع معاوية، قد جهّز جيشاً آخر للقتال مع جبهة الشام بعد جهود ومتابعات كبيرة. لكن استشهاده حال دون إتمام هذا العمل.
وبعد مبايعة الناس للإمام الحسن (عليه السلام)، انضم نفس هذا الجيش إليه لمواجهة الشام، لكن وللأسف، وقعت أحداث جعلت استمرار المسيرة غير ممكن بالنسبة للإمام الحسن، وفي النهاية أُسندت أمور المجتمع إلى معاوية. ومن بين أسباب إسناد الحكم إلى معاوية وعدم استمرار الحكم العلوي، يمكن الإشارة إلى الأمور التالية التي سيختص هذا المقال ببحثها.
أسباب عدم استمرار الحكم العلوي في الكوفة
١. عدم الانصياع لأمر الإمام الحسن (عليه السلام) وعدم اتخاذه محوراً للقيادة
كان من شروط قبول الإمام الحسن (عليه السلام) بيعة الكوفيين رغم رغبتهم أن يطيعوه ويسيروا معه في الحرب والسلام. كان الكوفيون يقولون: “نبايعك بشرط أن تقاتل معاوية”. لكن الإمام لم يكن ليقبل مثل هذه البيعة، لأن هذا الشرط يعني في الحقيقة تقليص صلاحيات الإمام وتنزيل منزلته إلى مجرد قائد عسكري، لا خليفة للمسلمين.
وقد أظهرت الأحداث اللاحقة أيضاً أن المشكلة الأساسية لدى الكوفيين كانت في الطاعة المحضة لإمامهم. فكثير من أولئك الذين بايعوه بمحض إرادتهم ووعدوه بالتعاون، امتنعوا عن الانضمام إليه [2]، وكانوا في الحقيقة يسعون لفرض آرائهم على الإمام.
كان وضع الكوفة بحيث عندما قال الإمام في اجتماع خطاباً لهم: “اصبروا فإن الله مع الصابرين؛ لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. تحركوا جميعاً نحو النخيلة” [3]، لم ينبس أحد بكلمة. ولم يتحرك أحد حتى تحدث عدي بن حاتم وقيس بن سعد ومعقل بن قيس وغيرهم، فتجمع نحو اثني عشر ألفاً في النخيلة [4]. وقد انضم هؤلاء أيضاً إلى المعسكر تحت ضغط الدعاية واتباع رؤساء قبائلهم.
٢. الانخداع بالإشاعات وعدم التحقق من صحتها
عندما كان الإمام (عليه السلام) في ساباط المدائن، أرسل معاوية المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر للتفاوض معه حول الصلح. وبعد أن يئس هذان من موافقة الإمام على الصلح، خرجا من الخيمة وهمسا قائلين، بطريقة تسمعها أصحاب الإمام، من أجل خداعهم وإحداث شقاق في جيش الإمام: “لقد حقن الله دماء الناس ببركة ابن رسول الله، وقبل الصلح”.
انخدع كثير من جيش الإمام بالإشاعة دون تحقيق أو سؤال الإمام نفسه، وهاجموا خيمته ونهبوها [5]. وفي هذه الأثناء، هاجم أحد الخوارج أيضاً وأصاب الإمام بجرح [6].
ويكتب اليعقوبي في تاريخه أن معاوية كان يرسل أناساً إلى معسكر الإمام ليقولوا إن قيس بن سعد قد صالح، وفي الوقت نفسه يرسل آخرين إلى معسكر قيس ليشيعوا أن الإمام قد قبل الصلح [7]؛ وهكذا أحدث شرخاً كبيراً في صفوف جيش الإمام.
٣. الطمع لدى بعض قادة جيش الإمام
من الأسباب التي يمكن ذكرها لعدم استمرار الحكم العلوي بعد استشهاده، تخلي بعض قادة الإمام الحسن عن خط المواجهة طمعاً في المطامع الدنيوية والدراهم والدنانير التي عرضها معاوية عليهم.
فعلى سبيل المثال، عبيد الله بن عباس، قائد مقدمة جيش الإمام، التحق بجبهة الشام مع نحو ثمانية آلاف شخص مقابل عرض معاوية بمليون درهم، تاركين الإمام وحيداً [8].
٤. خيانة الخاصة وأشراف وأكابر الكوفة
في هذا الجو المليء بالشائعات، انخدع خاصة الكوفة وأصحاب النفوذ بسذاجة بالإشاعات المتداولة، بدلاً من التحقق منها والرجوع إلى الإمام الحسن (عليه السلام) نفسه. فكتبوا في النهاية رسائل منفردة يخبرون فيها معاوية بانضمامهم إليه [9]، وهو أمر مؤسف للغاية.
٥. عدم الصبر والتحمل والبحث عن الراحة
لقد تعرض جيش الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) للضربة بالضبط من نفس النقطة التي تعرض لها جيش أمير المؤمنين في معركة صفين. فلو صبروا وقاوموا لكانوا انتصروا على جيش معاوية، وتم استئصال جرثومة الفساد.
نفس هذا الجيش المتعب، الذي جهز مرة أخرى لقتال معاوية في أواخر عمر الإمام علي (عليه السلام) بجهود وجهاد مستمر، بايع ابنه، لكنهم تهاونوا مرة أخرى، وتم جمعهم بصعوبة كبيرة بجهود الإمام وغيره من الصحابة. كلمات الإمام في النخيلة، التي دعاهم فيها إلى الصبر والاستقامة لبلوغ الهدف، لم تجد جواباً [10]، وكانوا يبحثون عن حياة سهلة وسلام بدون مشقة.
عندما سألهم الإمام بعد أن أصيب بجرح: “هل تريدون قتال معاوية أم تريدون البقاء والحياة؟”، أجابوه بصوت عالٍ: “البقية البقية” [11]. وهكذا حُرم مجتمع الكوفة من حلاوة الحكم العلوي والحسني العادل، وسلّموا زمام أمورهم إلى من كان يترقب اللحظة لقتلهم، ولم يكن للدين الإسلامي عنده أي قيمة.
النتيجة
كان معظم الكوفيين يبحثون عن حياة سهلة هانئة دون دفع ثمنها، وكانوا يظنون أن هذه الحياة ستتحقق في ظل الصلح مع معاوية والثقة بوعوده الكاذبة. لكن المستقبل أظهر أن ثمن المقاومة والصبر في وجه جنود الشيطان كان أقل بكثير من الثمن الذي فرض عليهم في ظل بحثهم عن الراحة وخيانة إمام المجتمع.
لم يكن الكوفيون بعيدين عن نصر عظيم وتاريخي؛ لكن عصيانهم لأمر قائد المجتمع، وعدم امتلاكهم الفهم والتحليل الصحيح للأحداث التي جرت أثناء الحرب، وتصديقهم للإشاعات دون تحقيق وتمحيص، كلها قادتهم إلى البحث عن الراحة وخيانة إمامهم، وجعلتهم في النهاية يستبدلون النصر بالهزيمة بسهولة، وتحملوا ثمناً باهظاً فيما بعد.
الهوامش
[1] النهروان: موضع قرب الكوفة، وقعت فيه معركة بين الإمام علي (ع) والخوارج سنة 38 هـ، وانتهت بهزيمة الخوارج. وقد كان عودة الكوفيين من هذه المعركة رغم أمر الإمام بالاستمرار مؤشراً على بداية ضعف الالتزام بالقيادة.
[2] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 44، ص 44.
[3] أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق: كاظم المظفر، النجف: مطبعة الحيدرية، 1405 هـ، ص 69.
[4] أحمد بن محمد اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، بيروت: دار صادر، 1373 هـ، ج 2، ص 181.
[5] أحمد بن محمد اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 215.
[6] أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 72.
[7] أحمد بن محمد اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 215.
[8] أحمد بن يحيى البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر المحمودي، بيروت: [د.ن]، 1397 هـ، ج 3، ص 38.
[9] أحمد بن يحيى البلاذري، أنساب الأشراف، ج 3، ص 38-39.
[10] أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 69.
[11] أبو الحسن علي بن أبي الكرم ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، 1385 هـ، ج 3، ص 406.
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل