يصادف اليوم الثامن من شوال ذكرى تخريب قبور أئمة البقيع (ع) وسائر كبار الإسلام في مقبرة البقيع على يد الوهابيين عام 1344 هـ (1925م). هذه الواقعة لم تكن مجرد كارثة تاريخية، بل كانت محاولة لطمس الهوية التاريخية والروحية للمسلمين من خلال محو تراثهم الديني والثقافي.
تقع مقبرة البقيع في المدينة المنورة، وتُعتبر أقدم مقبرة إسلامية وأحد أهم المقابر الإسلامية. فمنذ صدر الإسلام، كانت هذه البقعة مدفناً للعديد من الشخصيات البارزة، من بينهم الأئمة الأربعة لدى الشيعة (الإمام الحسن المجتبى، والإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق عليهم السلام)، ونساء النبي (ص) وبناته، بالإضافة إلى عدد من صحابته الكرام.
تاريخ تخريب القبور
يعود تاريخ تخريب هذه القبور إلى مرحلتين رئيسيتين. ففي المرة الأولى عام 1220 هـ (1806م)، ومع هجوم الوهابيين على الحجاز، تم تدمير مباني وقبور البقيع. وفي فترة الحكم العثماني، أجريت ترميمات في المكان، وشُيدت قباب ومراقد على أضرحة الأئمة وكبار البقيع. لكن مع صعود آل سعود مرة أخرى في المرحلة الثانية، خلت هذه البقعة المقدسة نهائياً من أي بناء أو معلم.
الخلفيات والعوامل
عام 1344 هـ (1925م)، قامت القوات الوهابية، بفتوى من الشيخ عبد الله بن بليهد قاضي نجد آنذاك، بهدم قبور وآثار البقيع الدينية. وقد استندوا في ذلك إلى فهمهم الخاص لمفاهيم “التوحيد” و”نفي البدعة”، الذي يعتبر أي بناء أو معلم على القبور مصداقاً للشرك.
إلى جانب الدوافع العقائدية، أشارت بعض التحليلات إلى الأبعاد السياسية لهذه الخطوة. وتشير الدراسات إلى أن هدم البقيع تجاوز كونه إجراء دينياً ليصبح خطوة سياسية تهدف إلى ترسيخ سلطة النجديين في الحجاز وإعلان الانتصار على المعارضين، ولا سيما الشيعة.
تم هدم البقيع في الثامن من شوال 1344 هـ (21 نيسان 1925م) بقسوة وشمولية كبيرة. وتشير التقارير إلى أن حتى أبسط أحجار القبور قد أزيلت، وشبهت هذه الخطوة بزلزال مدمر. يصف الرحالة الإنجليزي درون راذر الذي زار البقيع بعد الواقعة المشهد قائلاً: “لم يكن في المقبرة بأكملها سوى تلال صغيرة غير واضحة من التراب والحجارة، وقطع خشب، وقضبان حديدية، وكُتل حجرية، وركام من الأسمنت المكسور والطوب المتناثر في كل مكان.”
خلال هذه الواقعة، تم هدم قبور أئمة البقيع (ع)، وقبر إبراهيم ابن النبي (ص)، وقبر مالك بن أنس، وقبور العديد من صحابة النبي (ص) وأقاربه. وفي العام نفسه، لحق بنفس المصير مقبرة القعقاع (جنة المعلى) في مكة المكرمة، حيث دفن والدة النبي (ص) وزوجاته وأجداده.
ردود الفعل الداخلية والدولية
أثار هدم البقيع موجة واسعة من الاحتجاجات في العالم الإسلامي. ففي إيران، انعكست هذه الواقعة بشكل كبير، حيث شكل مجلس الشورى الوطني آنذاك لجنة خاصة لدراسة أبعادها، وأوفد مجموعة من النواب إلى الحجاز لمتابعة الأمر.
عندما بلغ الخبر آية الله الحائري، مؤسس الحوزة العلمية في قم، عطل درسه، وأغلق سوق قم احتجاجاً على هذه الواقعة. كما أصدر كبار العلماء أمثال آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني وآية الله البروجردي بيانات شديدة اللهجة استنكرت فيها هذا الإجراء.
وفي خارج إيران، أعرب مسلمون في العراق وباكستان والهند وأفغانستان وتركيا وحتى مسلمون في الاتحاد السوفييتي السابق عن غضبهم من هذا الإجراء من خلال تنظيم مسيرات وإرسال رسائل احتجاج. وفي مؤتمر كراتشي الإسلامي، التقى علماء بارزون من أمثال السيد محمد حسين كاشف الغطاء والسيد محمد تقي القمي مع ممثلين عن السعودية وأكدوا على ضرورة إعادة بناء القبور.
المتبقيات واستمرار المطالبات
رغم المتابعات الواسعة والإدانات الدولية، لم تتخذ الحكومة السعودية أي إجراء لإعادة بناء قبور البقيع. وتشير التقارير إلى أن موضع قبور الأئمة (ع) لم يعد يُعرف إلا بعلامات من الحجارة البسيطة.
يمثل هدم قبور البقيع، كأحد أقسى الأحداث في تاريخ الإسلام، تذكيراً دائماً بضرورة الحفاظ على التراث الإسلامي المشترك وصون حرمة الشخصيات الدينية الكبرى. هذه الواقعة التي حدثت بناءً على فهم متطرف للمفاهيم الدينية، لم تؤد إلى طمس الهوية التاريخية للمسلمين فحسب، بل خلقت شقاقاً عميقاً في العالم الإسلامي لا تزال آثاره باقية حتى اليوم. يرى الباحثون والمتخصصون في مجال التاريخ الإسلامي أن إعادة بناء وتأهيل قبور البقيع هو خطوة تتجاوز كونها مجرد مطلب ديني، بل ستكون خطوة مهمة نحو ترميم الذاكرة التاريخية وتعزيز الوحدة في العالم الإسلامي.
المصادر:
· ويكي شيعية
· الموقع الإخباري لآية الله مكارم الشيرازي وآية الله نوري الهمداني
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





