في الدراسات الاجتماعية وفلسفة التاريخ، لم يبلغ أي تمدن أو أمة مستقلة مرحلة النضج والاستقرار دون المرور بمراحل من الضغوط القصوى. كما أن البذرة في الطبيعة تتحمل ظلام الأرض وضغطها لتنمو شجرة أرز منتصبة قوية، كذلك في النظام الاجتماعي، فإن تشكيل هيمنة مستقلة يتطلب عبور “مرشح الأزمات”.

اليوم، إذ تقف جبهة المقاومة في أحد أكثر صراعاتها التاريخية تعقيداً مع التحالف الغربي الصهيوني، فإن السؤال الأساسي الذي يطرحه الرأي العام هو: ما جذور هذا الصراع الاستنزافي، وأين يتجه؟ تقدم لنا الدراسة المنهجية لآيات القرآن نموذجاً استراتيجياً سداسياً لفهم وإدارة هذه المعركة الحضارية بمهارة ودقة.

١. العقلانية السياسية وعلاج متلازمة “التفاؤل القاتل”

الخطوة الأولى في إدارة أي أزمة هي الفهم الدقيق لطبيعة الساحة وأطرافها. في المنطق الإلهي، ينقسم النظام الثنائي المسيطر على العالم إلى جبهتي “ولاية الله” و”ولاية الطاغوت”، ولا وجود لمنطقة وسطى بينهما.

يؤسس القرآن الكريم لمبادئ العقلانية السياسية بتحذير صريح: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].

هذه الآية هي ترياق لمتلازمة “التفاؤل القاتل”، ذلك المرض المعرفي الخطير الذي يدفع بعض فئات المجتمع أو نخبه، رغم مشاهدة تاريخ حافل بنقض العهود، واغتيال العلماء، والحصار الجائر، والجرائم الحربية (كما يجري اليوم في إيران)، إلى الانخداع بدبلوماسية الابتسامة والقفازات المخملية للعدو. إن اتخاذ موقف عملي في مواجهة الاستكبار شرط مسبق لبقاء الأمة سياسياً.

٢. تشخيص جذور الصراع؛ معركة على “الهيمنة والربوبية”

السؤال الجوهري هو: لماذا يصر نظام الهيمنة على مواجهة جبهة الحق بهذا العنف؟ يكمن الجواب في الآية 30 من سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.

صراعنا اليوم مع الغرب ليس نزاعاً على تسليح أو مصالح اقتصادية قصيرة المدى؛ بل هو صراع حضاري على كلمة “رَبّ” (إدارة وتولي شؤون العالم). إن شعار “ربنا الله” هو في جوهره بيان سياسي عالمي يعلن أننا لا نعترف بسيادة الاستكبار وإدارته للنظام العالمي. هذه هي النقطة التي تستفز فراعنة العصر الذين يدعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، وتدفعهم إلى رد فعل عنيف. حل هذا التناقض الجوهري لا يمكن أن يكون بالابتسامات والدبلوماسية وحدها، بل كما يصرح القرآن، فإن السبيل الوحيد لإجبار العدو على التراجع هو “الاستقامة الفاعلة” لجلب النصر والمدد الغيبي.

٣. فخ “الصلح المفروض” ومعادلة كلفة المقاومة

عندما يتوقف الاستكبار أمام جدار استقامة أمة، يغير استراتيجيته من المواجهة المباشرة إلى تقديم مقترحات مغرية. يُبرز العدو كلفة المواجهة ليقنع بأن خيار “المساومة والاستسلام” هو السبيل الوحيد للخلاص.

عند هذه المحطة التاريخية، يأمر القرآن: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35]. لا تضعفوا ولا تمدوا أيديكم إلى الصلح مع العدو الغادر. التجربة المريرة للدول المساومة في الشرق الأوسط تظهر بوضوح أن الصلح مع من يخفي خنجراً مسمماً وراء ظهره ليس عملاً مسالماً، بل هو انتحار استراتيجي.

في هذه المعادلة، “كلفة الاستسلام” هي فقدان الهوية والعزة وفقدان البنية التحتية للبلاد. بينما المقاومة، بالاعتماد على ثلاثة ضمانات إلهية مؤكدة (علو المؤمنين، ومعية الله، وعدم إضاعة العمل)، هي المسار الأقل كلفة والأكثر ربحاً.

٤. قراءة اجتماعية لـ “الامتحان”

بعد ترسيخ موقف المقاومة ورفض الصلح المفروض، يدخل المجتمع مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والأمنية والإعلامية. هنا، الحفاظ على المرونة الاجتماعية يتطلب فهم قانون “الامتحان”.

تؤكد الآية ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَکُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا یُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2] أن ادعاء الاستقلال والإيمان يحتاج إلى أن يمتحن في نار الأحداث. كالحديد الخام الذي لا يتحول إلى فولاذ قاطع إلا بتحمل ضربات المطرقة وحرارة الفرن، كذلك الأمة لا تبلغ قمة الاقتدار إلا بعد عبور متعرجات الفتن والاختبارات.

هذه الضغوط ليست علامة طريق مسدود، بل هي نتيجة طبيعية لخيار عظيم يهدف إلى كشف نقاط الضعف الداخلية للجسم الاجتماعي وإصلاحها.

٥. هندسة الأزمة عكسياً؛ اكتشاف “اليُسر في قلب العُسر”

من أكثر المفاهيم القرآنية تقدماً في إدارة الأزمات هو تغيير زاوية النظر إلى مفهوم “الشدة”. لا يقول الله في الآيتين 5 و 6 من سورة الشرح أن تتحملوا الشدة لتصلوا إلى اليسر في المستقبل البعيد؛ بل يؤكد: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6] (إن مع العسر يسراً وليس بعده).

هذه الآية هي بيان “الابتكار في ظل الحصار”. من منظور المجتمع المؤمن الحيوي، فإن الحصار الاقتصادي والتطويق التكنولوجي والضغوط الدولية ليست جدراناً مسدودة؛ بل هي فرص كامنة لقطع التبعية، وتحفيز العبقرية الداخلية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي. فن المقاومة هو هندسة التهديدات عكسياً، واستخراج الفرص من قلب الأزمة.

٦. المصير المؤكد والنظام العالمي الجديد

في خضم هذا الصراع الاستنزافي، ما يبقي محرك المجتمع مشتعلاً هو امتلاك “رؤية مضمونة النتائج”. يقدم القرآن هذا اليقين الاستراتيجي ليس كاحتمال، بل كوثيقة قطعية مسجلة في جميع الكتب السماوية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].

هذه الآية ترسم بوضوح نهاية التاريخ: ستخرج الأرض بكل طاقاتها من براثن المغتصبين والظالمين وقطاع الطرق الدوليين، لتعود إلى مالكيها الحقيقيين المستحقين.

الخلاصة

بفهم هذا الإطار الفكري السداسي الأبعاد، يتغير نموذج تفكير الإنسان المؤمن. في هذه الرؤية، نحن جنود جيش كتب خالق الكون نصرته النهائية. لذا، فإن مهمتنا اليوم ليست القلق على المستقبل أو الخوف من هيبة العدو الوهمية؛ بل مهمتنا الرئيسية هي “الاستقامة الفاعلة للبقاء في الجانب الصحيح من التاريخ”، وإكمال أحجية بناء الحضارة. في هذا الطريق النير، لا خوف من المستقبل ولا أسف على التضحيات المبذولة؛ لأن نهاية هذه المعركة ستكون بلا شك حلوة ومفخرة.

بقلم: السيد محمد رضا هاشمي

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل