في ظل الفضاء الإعلامي المعاصر، حيث تتدفق المعلومات وتتنوع الآراء والتفسيرات عبر وسائل الإعلام والمنصات المختلفة، تبرز أهمية التعرف بدقة وموضوعية على أداء قادة الدول وطبيعة إدارتهم لشؤون بلدانهم. ففي مثل هذا المناخ الإعلامي قد يواجه الناس تساؤلات واستفهامات حول أداء المسؤولين ومسار قيادة البلاد، ولا سيما أن مصير الأمم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقرارات قادتها وسياساتهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معرفة دقيقة وموضوعية بكيفية إدارة الدول في المراحل المختلفة من تاريخها، وفهم طبيعة القيادة التي توجه مسارها في أوقات التحولات والتحديات. وفي هذا السياق يُطرح السؤال حول كيفية قيادة آية الله السيد علي الخامنئي لإيران بعد رحيل الإمام الخميني (قدس سره)، وهو السؤال الذي تسعى هذه المعالجة إلى الإجابة عنه.
السؤال: هل استطاع قائد الثورة أن يقود إيران على النحو المطلوب؟
الجواب:
بعد رحيل الإمام الخميني (قدس سره)، تولّى قيادة الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي؛ وهي شخصية وصفها الإمام الراحل بأنها «الذراع القوية للجمهورية الإسلامية»، وعدّها من بين الشخصيات النادرة التي تشعّ نورًا وتهدي الطريق كالشمس المضيئة.
وقد تسلّم سماحته قيادة الثورة في ظروف بالغة التعقيد؛ فمن جهة كانت الحرب المفروضة قد وضعت أوزارها، لتبدأ مرحلة إعادة الإعمار بما تحمله من تحديات اقتصادية وإدارية واجتماعية. وكانت تلك المرحلة تتطلب تخطيطًا دقيقًا، وجهدًا متواصلًا، وكفاءات متخصصة، إضافة إلى الموارد المالية اللازمة لإعادة بناء ما خلفته سنوات الحرب.
ومن جهة أخرى، كان التحدي الأكبر يتمثل في ضرورة الحفاظ على قيم الثورة ومبادئها، وألا تطغى متطلبات إعادة البناء على الأسس الفكرية والأخلاقية التي قامت عليها الثورة الإسلامية.
وفي هذه المرحلة كذلك تحوّل العدوان الذي كان في السابق ذا طابع عسكري إلى عدوان ثقافي؛ وهو نمط من المواجهة يُعد في كثير من الأحيان أشد حساسية وخطورة من المواجهة العسكرية، لأن هدفه هذه المرة لم يكن الأراضي أو الحدود، بل العقائد والأفكار والثقافة في المجتمع الإسلامي، ولا سيما لدى فئة الشباب. وكان الهدف من ذلك إضعاف البنية الفكرية والثقافية للمجتمع، ومن ثم مواجهة النظام الإسلامي من الداخل.
كما زادت التحولات الدولية من حساسية تلك المرحلة؛ فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى نشوء نظام عالمي أحادي القطبية، الأمر الذي أفسح المجال أمام الولايات المتحدة لتوسيع نفوذها وهيمنتها على الساحة الدولية، وهو ما انعكس في تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية على إيران.
ويُضاف إلى هذه التحديات ابتعاد بعض العناصر الداخلية عن مبادئ الثورة الإسلامية وقيمها، فضلًا عن سلوك بعض الأطراف التي تحركت – عن قصد أو من دون قصد – في الاتجاه الذي يخدم مصالح الأعداء ويضعف الجبهة الداخلية.
وفي مثل هذه الظروف الدقيقة، قاد آية الله الخامنئي الثورة الإسلامية بشجاعة وبصيرة سياسية، وتمكن، في ظل هذه التحديات المتشابكة، من توجيه مسار الدولة والحفاظ على تماسكها. وبفضل هذه القيادة، إلى جانب دعم الشعب الإيراني، أصبحت إيران الإسلامية اليوم تُعرف بوصفها دولة مستقلة ومؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد استطاعت إيران في ظل هذه القيادة أن تقف في وجه محاولات الهيمنة الأمريكية والقوى الكبرى. وفي هذا السياق نقل عن ألكسندر هيغ، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، قوله:
«في رأيي، إن الأخطر من هذه المشكلات الدولية هو اتساع ظاهرة الأصولية الإسلامية التي نشأت في إيران، والتي باتت تهدد استقرار الأنظمة العربية المعتدلة في المنطقة. وإذا خرج هذا المسار عن السيطرة، فإنه سيعرّض مصالح القوى العظمى لأخطر التحديات.»
ومن هنا أعلنت الولايات المتحدة عداءها الصريح للثورة الإسلامية، ولم تدخر جهدًا في محاولة مواجهتها والحد من تأثيرها.
أما على صعيد السياسة الداخلية، فبحسب الدستور الإيراني فإن تحديد السياسات العامة للنظام والإشراف على حسن تنفيذها يُعدّ من الصلاحيات الأساسية للقائد. وقد قام آية الله الخامنئي خلال فترة قيادته بتحديد السياسات العامة للنظام بصورة منهجية، كما مارس الإشراف اللازم على تنفيذها.
وفي هذا الإطار طرح سماحته رؤية العشرين عامًا لتطور إيران، وهي رؤية استراتيجية تهدف إلى رسم مسار واضح لمستقبل البلاد، بما يضمن تحقيق التقدم والتنمية في مختلف المجالات.
وقد أكد القائد أن هذه الرؤية والسياسات المعلنة ينبغي أن تكون أساسًا لعملية التشريع في مجلس الشورى الإسلامي، مشيرًا إلى أنه إذا التزمت جميع مؤسسات الدولة وأجهزتها بالمهام المحددة في هذه الرؤية، فإن إيران ستبلغ خلال عشرين عامًا مستوى متقدمًا من التقدم والازدهار.
كما أولى القائد اهتمامًا خاصًا بتعزيز النمو العلمي في البلاد، وأطلق نهضة إنتاج العلم والحركة العلمية، مع إيلاء عناية خاصة بالشباب والنخب العلمية، والعمل على تعزيز روح الثقة بالنفس والاعتماد على الذات لديهم، بما يسهم في دفع مسيرة التطور والازدهار في البلاد.
كذلك أكد على ضرورة الاستجابة للاحتياجات الحقيقية للمجتمع وتحقيق العدالة، إلى جانب اعتماد سياسة تسمية الأعوام وفق أولويات البلاد، وتحديد التوجهات العامة لمسار الدولة، وهي خطوات تعكس قدرة واضحة على تشخيص متطلبات المرحلة وإدارة مسار الدولة بفعالية.
مركز الدراسات والرد على الشبهات في الحوزات العلمية
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





