من النتائج المهمة للدفاع المقدس في رمضان، تقييد الوصول إلى الإنترنت الدولي وتقليل دور الجماعات المرجعية الخارجية المعادية في إنتاج وتوزيع المحتوى الفكري والعقائدي المدمر للجيل الشاب. أدى هذا الوضع إلى تشكل فرصة جديدة تحول فيها الجمهور نحو البرامج والمنصات المحلية. وفي هذا الإطار، أتيحت إمكانية إعادة إنتاج وإعادة تفسير المفاهيم المرتبطة بالثورة والدفاع المقدس وحرب رمضان، وكذلك تعزيز دور واضعي المعايير الداخليين في تشكيل التيارات الاجتماعية.
هذه العملية أوجدت تدريجياً رأس مال اجتماعي ملحوظاً، وهيأت الأرضية للمشاركة الواسعة والتعبئة الشعبية. تجلت المعتقدات الدينية على عدة مستويات؛ منها الدور التوجيهي للقيادة الدينية ونموذج الإمامة في خلق التماسك الاجتماعي، وإعلان الدعم والبيعة من قبل مختلف الفئات، وتنظيم القوى على أساس الهياكل التقليدية كالمساجد والهيئات والشبكات المحلية. كما اكتسبت قيم كالجهاد والشهادة والدفاع، باعتبارها معايير أساسية، وظيفة توحيدية، وعززت الشعور بالانتماء الاجتماعي بشكل ملحوظ من خلال تقوية الهدف المشترك وزيادة النشاط الجماعي.
إضافة إلى ذلك، لعبت العناصر الثقافية والعاطفية كالموسيقى الحماسية والمدائح والمقاطع المصورة التحفيزية دوراً في تقوية الروح الجماعية. أسهمت هذه العوامل مجتمعة، إلى جانب أيديولوجية متماسكة وقيادة مؤثرة، في تشكل فعل اجتماعي أكثر تنظيماً، وفقدت ردود الفعل العدائية الخارجية تأثيرها السابق. ونتيجة لذلك، شهد البناء الاجتماعي زيادة في التماسك، وتوحيد الخطاب، وتلاشي الفجوات والتفاوتات الاجتماعية.
يمكن تحليل هذه العملية وتيار التضامن من منظور الفقه الاجتماعي. لذا نشير إلى ثلاثة محاور أساسية وفقهية:
المحور الأول: التعاون الاجتماعي (فقه التعاون)
يستند التعاون الاجتماعي في الفقه إلى الآية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]؛ آية تؤسس المبادئ الأساسية للتضامن في قالب عنصري “البر” و”التقوى”. وفقاً لهذا الأساس، يكون التعاون الاجتماعي مشروعاً وفاعلاً عندما يتشكل حول الخير العام والتقوى الاجتماعية، وليس على أساس المصالح الفردية أو الجماعية. في الظروف التي يواجه فيها المجتمع تهديداً خارجياً، يؤكد هذا الإطار الفقهي على ضرورة التنسيق والتكامل في مواجهة “العدوان”، ويعتبر ذلك واجباً جماعياً. في مثل هذه الحالة، يمكن فهم تشكل الهدف المشترك بين أفراد المجتمع على أنه تحقيق للتعاون حول البر والتقوى؛ لأن الحفاظ على المصلحة العامة، وفقاً لهذا المنطق، يقوم على تقليل التوترات الداخلية، وخلق التماسك، وتعزيز التضامن الاجتماعي. لذلك يجب ترك النزاعات الثانوية جانباً، وتوفير أرضية للتآزر والتكامل، وهو السلاح الذي أرهق العدو وجعله فاقد السيطرة، كما أكد على ذلك في رسالة قائد الثورة المعظم.
المحور الثاني: قاعدة حفظ النظام
يجمع الفقهاء على أن حفظ النظام من الواجبات القطعية، وأنه مقدم على أي مصلحة أخرى، فما دام حفظ النظام قائماً، فلا مجال للمصالح الأخرى. وفي المقابل، فإن الإخلال بشؤون المسلمين أمر مبغوض شرعاً.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] تصف هذه الآية البناء الاجتماعي المطلوب بأنه “صف واحد” و”بنيان مرصوص”. من منظور الفقه الاجتماعي، تمثل هذه الآية نموذجاً لحفظ النظام عملياً. فعندما يتحول المجتمع إلى “بنيان مرصوص” (تماسك عاطفي وذهني وتنظيمي)، تضعف الفجوات الاجتماعية الكثيرة، ويصبح المجتمع قادراً على العمل المشترك.
المحور الثالث: حرمة التفرقة ووجوب الوحدة
يقدم القرآن في مواضع عدة التفرقة على أنها تهديد للبقاء الاجتماعي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. تتحول هذه الآية، في ظل الظروف الحرجة والتهديدات الخارجية، إلى قاعدة أساسية في الفقه الاجتماعي، تقضي بأن أي نزاع واختلاف داخلي يؤدي إلى إضعاف واضمحلال القوة الاجتماعية. لذلك، فإن ترك الخلافات في أوقات الأزمات ليس مجرد توصية أخلاقية، بل هو حكم شرعي وقائي. ما أشرنا إليه في المقدمة حول “تلاشي الفجوات” يمكن اعتباره، في إطار الفقه الاجتماعي، مصداقاً للامتناع عن التنازع بهدف الحفاظ على القوة الجماعية وتعزيزها.
بقلم: علي جنّتي، باحث في فقه الاجتماع
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





