وفقاً لتوجيهات الإمامين (الخميني والخامنئي)، فإن الشعب هو حارس “الجمهورية الإسلامية” والمقيم للحق، وعليه أن يحميها بكل قوة وحزم.
المبادئ الثابتة لنظام الجمهورية الإسلامية
وقد أشار قائد الثورة الشهيد في أحد لقاءاته مع أعضاء مجلس خبراء القيادة إلى المبادئ الثابتة لنظام الجمهورية الإسلامية، وهي مبادئ تستحق الاهتمام والتأمل بمناسبة الثاني عشر من فروردين (يوم الجمهورية الإسلامية). وفي هذا السياق، أكد سماحته على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي: إقامة العدل، ومكافحة الفساد، ورفع مستوى المعرفة والوعي السياسي والعمل الإسلامي في المجتمع.
الجمهورية والولاية: دمج مفهومين أساسيين
وفي موضع آخر، أوضح قائد الثورة الشهيد مفهوم الجمهورية في النظام الإسلامي، وبخاصة فكرة الحكم الشعبي، مشيراً إلى أن دمج مفهومي “الجمهورية” و”ولاية الفقيه” كركيزتين لهيكل الحكم في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان دائماً محورياً وأساسياً. فإذا تأملنا في توجيهاته، ندرك أن الهدف من هذا الدمج هو تصميم وتنفيذ نموذج حكم يجمع بين الشرعية الشعبية والحفاظ على التوجه الديني والقيمي للمجتمع بل وتعزيزه.
رسالة الإمام الخميني في الثاني عشر من فروردين
جاء في رسالة الإمام الخميني (ره) البالغة الدلالة إلى الأمة الإيرانية بتاريخ الثاني عشر من فروردين عام 1979، بعد إجراء استفتاء الجمهورية الإسلامية: “هنيئاً لكم هذا الحكم الذي لا وجود فيه لاختلافات عرقية أو لونية، ولا فرق بين التركي والفارسي واللوري والكردي والبلوشي. الكل إخوة متساوون؛ الكرامة فقط في ظل التقوى، والتفوق بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة. هنيئاً لكم هذا اليوم الذي تنال فيه جميع فئات الشعب حقوقها، ولا فرق بين الرجل والمرأة والأقليات الدينية وغيرهم في تطبيق العدالة.”
بطبيعة الحال، حين يصف مؤسس الثورة وقائدها الكبير الحكم الذي انتخبه الشعب بهذه العبارات، وهو معتمد على “نعم” الشعب للجمهورية الإسلامية، فإنه لا يعتبر الأمر قد انتهى، بل يتحدث هنا عن قدرة فريدة، لكن تحقيقها الفعلي لا يزال في يد أولئك “الناس” الذين انتخبوا ليقولوا نعم للجمهورية الإسلامية.
الشعب حارس الجمهورية والحق
اللافت أن هذه الرسالة تؤكد بألسنة مختلفة ومن زوايا متعددة على أن الشعب هو حارس “الجمهورية الإسلامية” وحارس “الحق”، وعليه أن يحميها بكل قوة وحزم. هذا الكلام يعني أن الثورة مستمرة في هذه الرؤية، لأن هذه النهضة لم تكن بهدف إنشاء حكومة إسلامية فحسب، بل بالنظر إلى ثمار “الحكومة الإسلامية” التي تمكنت من توحيد الشعب المسلم حول محور واحد، وبتحمّل دور ومسؤولية ثورية “جماعية” تمكنت من تحقيق النصر.
الجمهورية في الإطار المفاهيمي
من هذه التفاصيل، يتضح أن الجمهورية في هذا الإطار المعنوي والمفاهيمي تشير إلى الجانب الشعبي للنظام، أي اعتماد المؤسسات التنفيذية والتشريعية على الإرادة العامة وحق الشعب في تقرير مصيره. يتحقق هذا من خلال آليات مثل الانتخابات والمشاركة السياسية ومساءلة المؤسسات للشعب وإمكانية تداول النخب السياسية. لذلك، يلعب الشعب دوراً محورياً بصفته صاحب الحق الأصيل في تقرير المصير في انتخاب كبار المسؤولين في النظام، بما في ذلك رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي، وبشكل غير مباشر في انتخاب القيادة.
في الواقع، يعبر هذا البعد عن محورية الشعب في نظام الجمهورية الإسلامية، ويهدف إلى خلق شرعية اجتماعية، وزيادة المساءلة، وتعزيز المشاركة العامة في عملية الحكم. غير أن هذه الجمهورية ليست مطلقة، بل تُعرّف في إطار منظومة من المبادئ المعيارية والقانونية، وأهمها المبادئ الإسلامية وأحكام الدستور. بعبارة أخرى، حرية وإرادة الشعب ليست غير محدودة، بل يجب أن تُعرّف في إطار القيم الإسلامية والموازين الشرعية. لذلك يمكن القول إن الجمهورية هنا تفتقر إلى الاستقلال المطلق تجاه الدين ومبادئه الثابتة.
ولاية الفقيه: إطار عام وضمان للجمهورية
يحدد مبدأ ولاية الفقيه الإطار العام للنظام وتوجهاته، وهو الذي يعين “ولي الأمر” وحاكم المجتمع الإسلامي. يعمل ولي الفقيه كمراقب وموجه عام للنظام. فهو بتفسيره للدين ومصلحة المجتمع، يحدد الإطار العام، وتقوم المؤسسات المنتخبة من قبل الشعب بوضع القوانين وتنفيذ الأمور في هذا الإطار. في حال نشوب تعارض بين قرارات المؤسسات الانتخابية والمصالح العامة التي يحددها القائد، يكون لقرار القائد الأولوية. في الأساس، لا تتعارض ولاية الفقيه مع الجمهورية، بل هي داعم وضامن للجمهورية الأصيلة والإسلامية، إذ أن الجمهورية دون ولاية الفقيه قد تنحرف نحو العلمانية أو الحكم غير الديني، بينما تضمن ولاية الفقيه بقاء الحكم الشعبي على المسار الإلهي والقيم الثورية.
مفهوم الحكم الشعبي ومشاركة الشعب
من ناحية أخرى، يجب ملاحظة أن الشعب، من هذا المنظور، له دور ليس فقط في انتخاب المسؤولين، بل أيضاً في تحقيق الأهداف الكبرى للبلاد. ومفهوم “الحكم الشعبي” يعني اعتماد النظام على القدرات الاجتماعية والمشاركة العامة والشبكات الشعبية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.
نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي أن المشاركة الشعبية في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية تتجاوز مجرد حضور المواطنين في الانتخابات، بل تُعرّف كأحد أركان الحكم في إطار الديمقراطية الدينية. ففي هذا الإطار، تحظى مشاركة الشعب بالاهتمام ليس فقط على مستوى الآليات السياسية الرسمية، بل أيضاً في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية.
بقلم: السيد محمد مهدي موسوي
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





