من جملة السنن الإلهية التي تجلت بوضوح في مسيرة الثورة الإسلامية والدفاع المقدس، بل في عموم تاريخ الإسلام، أن النصر ليس مرهوناً ببسالة المقاتلين في الميادين فحسب، بل هو متوقف على جملة من العوامل المختلفة التي تتكامل لتؤدي إلى الفتح المبين. ومن أبرز تلك العوامل وأهمها: الدعاء والتوسل، والتضرع إلى الله عز وجل بخشوع وإنابة، لا بمجرّد كلمات تتردد على الألسنة، بل دعاء ينبعث من أعماق القلوب المنكسرة، ويصاحبها حالة من الاضطرار والانقطاع إلى الله.
وفي هذا الصدد، أشار العلامة الراحل آية الله مصباح اليزدي (قدس سره) إلى أن الصبر والتقوى ليسا مؤثرين في انتصارات المقاتلين وحدهم فحسب، بل إن صبر المجتمع بأجمعه وتقواه هو الآخر يلعب دوراً محورياً في تحقيق النصر. ذلك لأن المقاتلين ما هم إلا ممثلون عن الأمة، وأبناء لها سطّروا أسماءهم في سجل الفداء والجهاد، فتوجهوا إلى الجبهات دفاعاً عن حياض الدين والوطن. والمقاتلون والأمة خلفهم إنما يشكلون جسداً واحداً، تتداخل فيه الأعمال والآثار، وتتأثر مصائر بعضهم ببعض. فكما أن جهاد المقاتلين وإخلاصهم يترك أثره على واقع المجتمع، فإن سلوك الأمة ودعاءها وتوسلاتها هو الآخر ينعكس أثرُه على ثبات المقاتلين ونصرهم.
إن من أبرز التجارب التي عايشتها هذه الأمة في تاريخها المعاصر، والتي ينبغي صونها وتقديرها ونقلها إلى الأجيال القادمة، هي تجربة الدعاء والتوسل. وما أسرع ما تتناسى الأجيال تلك المشاهد البديعة التي كانت تتجلى في بداية الحرب، حيث كانت مجالس الدعاء تعقد بخشوع وحماسة ولهفة، يتضرع فيها الناس إلى الله ويستغيثون به لينصر جنود الإسلام.
وهي وإن كانت لا تزال موجودة إلى اليوم، إلا أن اللائق بنا أن نسأل الله سبحانه أن يزيد هذه المجالس حرارةً وحماسةً، ويملأ القلوب خشوعاً وتضرعا.
قال الله عز وجل في محكم كتابه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9]. فقد أنزل هذه الآية بخصوص الحرب، حيث رفع المؤمنون أكف الضراعة إلى الله، وأخلصوا في الدعاء، فاستجاب لهم ونصرهم. فالإخلاص في الدعاء هو مفتاح الاستجابة، وهو الذي يفتح أبواب النصر.
أما حين يعتز الإنسان بقوته وإمكاناته، ويغتر بوسائله وآلياته، فإنه يستغني بالسبب عن المسبب، فلا يعود يرى حاجة إلى الدعاء، أو قد يدعو ولكن دعاءً شكلياً يخلو من روح التضرع والانكسار. والجدير بالذكر أن الدعاء الذي يرجى معه النصر إنما هو الدعاء النابع من الأعماق، الدعاء الذي تصحبه حالة من الاضطرار والاحتياج إلى الله، والحال أن الإنسان إذا اغتر بقوته افتقد هذه الحالة، فلا ينبع منه ذلك الدعاء الخالص.
ومن هنا، يضعف الناس تدريجياً عن الدعاء والتوسل، وتفتر الجبهة الخلفية في عبادتها ومناجاتها، وهذا ما يحذر منه العارفون بالله.
فليست الغاية أن يقتصر الصبر والتقوى على المقاتلين في الميادين، بل لا بد من أن يتخلق بهما المجتمع بأكمله. فالمقاتلون إنما هم ممثلوكم وأبناؤكم، تقدموا إلى ساحات الوغى دفاعاً عن كيانكم ومقدساتكم. وكما أن أعمالهم وأخلاقهم تؤثر في مجرى الأحداث ومصير الأمة، فإن أعمالكم أنتم أيضاً وسلوككم ودعاءكم وتقواكم هي الأخرى تؤثر في مصيرهم وتثبت أقدامهم في ساحات النزال.
*من كلمات آية الله مصباح اليزدي (قده)، 21 تشرين الأول 1988 و2 تشرين الأول 2004
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل





