من القصص القرآنية التي أثارت دائماً تساؤلات الباحثين والمتدبرين، قصة الخضر مع سيدنا موسى (ع)، وبخاصة واقعة قتل الغلام التي ترد في الآية 80 من سورة الكهف. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يمكن أن يُقتل إنسان لم يرتكب جريمة بعد؟ وهل يجوز ذلك في الشريعة الإسلامية؟ يهدف هذا المقال إلى توضيح هذه الإشكالية من خلال التمييز بين “النظام التكويني” الذي يدبر به الله شؤون خلقه، و”النظام التشريعي” الذي يخضع له البشر في حياتهم الاجتماعية والقضائية.
السؤال: هل يجوز قتل شخص والحكم عليه قبل أن يرتكب الجريمة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من التمييز بين مجالين مختلفين تماماً: “النظام التكويني” (الوجود والخلق) و”النظام التشريعي” (القانون والقضاء). وفيما يلي، سنتناول أولاً تفسير الآية، ثم نناقش الإشكال الرئيسي الذي تطرحونه.
١. تفسير الآية 80 من سورة الكهف
يقول الله تعالى على لسان الخضر (ع): ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80].
استناداً إلى التفاسير المعتبرة، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية بشأن هذه الآية:
- سبب القتل: لم يكن قتل هذا الغلام بسبب جرم اقترفه، بل من أجل منع خطر عظيم في المستقبل. فقد كان العلم الإلهي ومعرفة الخضر (ع) المستمدة من “العلم اللدني” تشير إلى أن هذا الغلام سيؤدي في المستقبل إلى إضلال والديه المؤمنين وإيقاعهما في الكفر [1].
- المصلحة العليا: هنا كانت هناك مصلحة أعلى، وهي الحفاظ على إيمان والدين المؤمنين. فقد أراد الله أن يعوضهما عن هذا الولد بولد أفضل وأطهر وأكثر براً. وقد ورد في الروايات أنه أعطيا بدلاً من هذا الابن ابنة، ومن نسل تلك الابنة خرج أنبياء كثيرون [2].
- النظام التكويني: وقعت هذه الواقعة في إطار “النظام التكويني”. فكان الخضر (ع) منفذاً للإرادة التكوينية لله في الكون، لا منفذاً للقوانين الشرعية والقضائية [3]. فهذا النظام له قوانينه ومصالحه الخاصة، التي قد تختلف أحياناً عن القوانين الظاهرية للشريعة.
٢. الإجابة على الإشكال الرئيسي: “القتل قبل ثبوت الجريمة” و”علم الغيب”
إن ما أشرتم إليه بخصوص كيفية معاقبة شخص على جرم لم يرتكبه بعد، هو إشكال وجيه. والإجابة عليه تكمل التمييز الذي أشرنا إليه سابقاً:
أ) الفرق بين “القاضي” و”منفذ الإرادة الإلهية”
- النظام التشريعي (القضاء البشري والشرعي): في هذا النظام، الذي يحكم بموجبه القضاة والحكام الشرعيون، فإن المبدأ هو “أصالة البراءة” و”درء الحدود بالشبهات”. فلا يحق لأي قاض أن يحكم على شخص بجرم لم يرتكبه بعد، أو بالاستناد إلى علمه الشخصي بالغيب. فالإمام علي (ع)، مع علمه بأن ابن ملجم سيكون قاتله، امتنع عن قتله قبل أن يرتكب الجريمة، وقال: “أتريدون أن تقتلوني بجريمة لم أرتكبها؟” [4]. وهذا مثال واضح على سيادة النظام التشريعي في الحياة الاجتماعية والقضائية.
- النظام التكويني (الأفعال الإلهية): في هذا النظام، يتصرف الله كمدبر ومسير للكون، أحياناً بناءً على علمه المطلق، ولمصالح لا يعلمها العباد، فيقوم بأفعال معينة. فقتل ذلك الغلام على يد الخضر (ع) هو من هذا القبيل. لم يكن هذا إجراءً قضائياً، بل كان “تدبيراً تكوينياً” للحفاظ على إيمان والدين مؤمنين، ولإيجاد نسل طاهر [5].
ب) هل علم الغيب كافٍ؟
- بالنسبة لله وأوليائه الخاصين (في النظام التكويني): نعم، علم الغيب الإلهي الذي يُمنح لأولياء الله المختارين مثل الخضر (ع)، يكون كافياً للعمل به في “النظام التكويني”. فهم، بإلهام إلهي ومعرفتهم بعواقب الأمور، مأمورون بتنفيذ أمر إلهي ينبع من الحكمة والرحمة، حتى لو بدا ظاهره عنيفاً.
- بالنسبة للقضاة والناس (في النظام التشريعي): لا، علم الغيب الشخصي لا يكفي أبداً للقضاء وتنفيذ العقوبات في المجتمع، ولا يعتبر معتبراً. فالنظام القضائي في الإسلام يقوم على الأدلة والشواهد الظاهرية، لا على العلم القلبي للقاضي. فلو كان القضاء يُجرى بعلم الغيب، لاستطاع كثير من الأنبياء والأئمة (ع) معاقبة المجرمين قبل أن يرتكبوا جريمتهم، لكنهم لم يفعلوا ذلك، لأن السنة الإلهية في إجراء الحياة تقوم على حرية الإرادة والاختبار.
النتيجة النهائية
بناءً على ما تقدم، لا يوجد تناقض بين الآية 80 من سورة الكهف ومسألة “القتل قبل ثبوت الجريمة”، وذلك للأسباب التالية:
- لم تكن مهمة الخضر (ع) قضائية، بل كانت تنفيذ أمر تكويني. فهو لم يقتل ذلك الغلام وفق قوانين الشريعة لجرم اقترفه، بل فعل ذلك بأمر من الله لمنع فساد عظيم في المستقبل [6].
- في النظام القضائي الإسلامي (النظام التشريعي)، المبدأ هو البراءة، وعلم الغيب ليس معتبراً. وسيرة الإمام علي (ع) في تعامله مع ابن ملجم هي خير دليل على ذلك [7].
- الله سبحانه وتعالى، بعلمه المطلق، ووفقاً للنظام الأحسن، يدير شؤون الكون. وأحياناً يشمل هذا التدبير أفعالاً قد لا يستطيع العقل البشري الجزئي إدراك حكمتها بالكامل، لكنها جميعاً تقوم على الحكمة والرحمة والمصلحة [8].
وبعبارة بسيطة، القصاص والعقاب في محاكم البشر موضوع، والتدبير الإلهي في الكون موضوع آخر مختلف تماماً. إن قصة الخضر وموسى (ع) تعلمنا التمييز بين هذين المجالين.
الهوامش:
[1] راجع: تفسير الميزان، ج 13، ص 417؛ تفسير الأمثل، ج 11، ص 82.
[2] بحار الأنوار، ج 13، ص 296.
[3] راجع: تفسير الميزان، ج 13، ص 418.
[4] نهج البلاغة، الخطبة 127.
[5] تفسير الأمثل، ج 11، ص 82-83.
[6] المصدر نفسه.
[7] نهج البلاغة، الخطبة 127.
[8] راجع: تفسير الميزان، ج 13، ص 419.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





