يبدو أن الدعاء السابع والعشرين من الصحيفة السجادية، وإن كان ظاهره موجهاً للمرابطين على الحدود، إلا أن باطنه يكشف عن “عقيدة دفاعية متقدمة”. وفي هذه الأيام التي لا تزال فيها العمليات الإرهابية الغادرة تهدد أمن البلاد، وقد تركت جراحها الغائرة على قلوب الناس، وتتصدر فيها العمليات الإرهابية “الصهيونية-الأمريكية” قوائم التحليلات الأمنية، فإن إعادة قراءة هذا الدعاء تصبح درساً قيّماً ومرشداً عملياً لصناع القرار وحماة الثغور.
كثيرون يعرفون الصحيفة السجادية بأجوائها المعنوية المليئة بالمناجاة والدموع والابتهال، كتاب الخلوة والخشوع. لكن إذا نظرنا إليها بعين “الدراسات الاستراتيجية”، سنجد أن بعض أدعيتها ترسم خارطة طريق للأمن الوطني، متجاوزة بذلك حدود العبادة الفردية.
لقد عاش الإمام السجاد (عليه السلام) في عصر القمع وتشديد الخناق، ومع ذلك كانت نظرته للأمن شاملة، متعددة الأبعاد، وقريبة من الحداثة بامتياز. فالدعاء، رغم كونه قديمًا من حيث الزمن، لكنه يبدو وكأنه كُتب ليضيء الطريق أمام “غرف العمليات” و”المجلس الأعلى للأمن الوطني”، في وقت يهاجم فيه العدو أمننا بكل قوته، مزيجاً من الإرهاب، والحرب السيبرانية، والعمليات النفسية.
الدفاع في مستويين: الصلب والناعم
المرابط على الحدود ليس هو وحده المطلوب للدفاع. فالحدود اليوم تغيرت ملامحها: بين المدن والقرى، في السماء والدفاع الجوي، في الشبكات الافتراضية والبنى التحتية السيبرانية، وأيضًا في عقول الناس لمواجهة الشائعات والحرب النفسية.
يميز الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الدعاء بين مستويين للدفاع: المستوى الصلب والمستوى الناعم.
1.في المستوى الصلب: يدعو الله أن يكثر من حراس الحدود، وأن تُشحذ أسلحتهم، وتكفل إمكاناتهم، وتحصن حدودهم. وهذه المطالب في علم الدفاع تعني: رسم أفق للردع، بناء قدرة قتالية، جاهزية لوجستية، تدريب وتجهيز، وتنظيم دفاعي متكامل. وبدون هذه المقومات، يصبح الحديث عن الأمن مجرد أمنية، لا سياسة محكمة.
إن العبارة الموجزة “وَ اشْحَذْ أَسْلِحَتَهُمْ” تُجسد منطق الواقعية الدولية: في مواجهة عدو كالكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي، الذي لا يفهم إلا لغة القوة، لا يمكن الحديث عن الأمن بأيدٍ خالية. و”شحذ السلاح” اليوم يعني امتلاك أحدث العتاد الدفاعي، الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيرة، أي تطوير دائم للقدرات العسكرية.
2.أما في المستوى الناعم: فيدعو الإمام حراس الحدود بالإيمان، والتقوى، والصبر، والوعي، والوحدة، والألفة، حيث يقول في الدعاء: “اللّهُمَّ اجعل قلوبهم مُطمئنةً بك، وقلوبهم معلقةً بذكرك، وارزقهم القوة على طاعتك، وامنحهم الإخلاص فيما أمرتهم”.فالأمن لا يقوم فقط على الأسلحة والعتاد، بل يرتبط بالروح المعنوية، بالهوية، وبالإحساس بالمعنى والعدالة والثقة الداخلية. فالحارس بلا دافع، والجندي بلا ثقة، والقوة التي لا تستند إلى ظهر، تظل مجرد قوة ورقية، سرعان ما تنهار وتتلاشى في الميدان.
هذا هو المستوى الذي يغفل عنه كثير من الأجهزة الأمنية والسياسية، فتنال الضربة منه. كما يوضح قائد الثورة المعظم، يقول: حتى أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان يفتتح ميادين الحروب الصعبة، لم يظفر في الحرب الناعمة بنصر حاسم لجيش الإسلام.
المعلومات.. العين البصيرة للأمن
من أبرز مقاطع الدعاء، طلب الإمام من الله سبحانه أن يُعلّم المجاهدين ما يجهلون: “وَعَرِّفْهُمْ مَا یَجْهَلُونَ”، أي تزويدهم بالمعرفة والوعي بما يحتاجونه لأداء واجبهم بحكمة وكفاءة. الدرس هنا واضح: أهمية السيطرة الاستخباراتية والتثقيف العسكري والمعنوي للمرابطين، فالحروب تشتعل قبل إطلاق الرصاص في الخفايا والغوامض. الأمن بدون إحاطة استخباراتية يظل ناقصًا، والدعاء يذكرنا بأن الأمن الوطني يتطلب “عيونًا ساهرة” ومعرفة ما يجهلونه من مؤامرات العدو وتكتيكات الاختراق الحديثة.
وفي الوقت نفسه، يطلب الإمام أن يُعمى بصر العدو وتختلط عليه خططه: “وَ أَعْمِ عُیُونَهُمْ وَ شَتِّتْ أَمْرَهُمْ”، وهو ما يشير إلى أهمية إرباك العدو ومنعه من قراءة تحركاتنا، وإضعاف قدرته على التخطيط والهجوم. حتى وإن كان العدو أضعف عسكريًا، فإن معرفته بتحركاتنا تمنحه فرصة للتدخل النفسي داخل المجتمع، وإعادة هندسة عقول الناس عبر الإعلام. لذلك، الأمن اليوم ليس مجرد صواريخ وطائرات مسيرة، بل بيانات، تحليل، نفوذ، ورواية محكمة.
بهذه الطريقة، يصبح الأمن الوطني منظومة متكاملة تشمل تثقيف المجاهدين، اليقظة الاستخباراتية، وإرباك العدو في الوقت نفسه، لتكون القوة الحقيقية نابعة من المعرفة والاستعداد والروح المعنوية، لا من القوة المادية وحدها.
إرباك حسابات العدو
وأدق ما في هذا المبدأ الدفاعي هو الحرب النفسية. الإمام عليه السلام يدعو لإبعاد “ذكر الدنيا الخادعة” من قلوب الحراس، وفي المقابل بث الرعب في قلوب العدو: “وَ فَلِّلْ حَدَّهُمْ”.
في الأحداث الإرهابية الأخيرة، لم يكن هدف العدو القتل فقط، بل بث الخوف وإضعاف الروح الوطنية. من هنا تصبح استراتيجية الدعاء في مهاجمة عقل العدو: حين يرى أن عمليات الاغتيال لا تثير الرعب، بل تزيد تماسك الشعب وعزم الأجهزة، يفقد سلاحه النفسي حدته.
أمن قائم على الشعب
ينظر الإمام السجاد (عليه السلام) إلى الأمن الوطني على أنه مشروع وطني شامل، لا يقتصر على الحكومة أو القوات النظامية فقط. ومن أبرز شواهده في دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) للمجاهدين وأهاليهم ومن يساندهم في الجبهة الخلفية، وهو الجزء الذي يقول فيه:
“اللّهُمَّ اجعل المجاهدين في الثغور والشهداء والجرحى وعوائلهم ومن يدبر أمورهم في الخلفية من نصيب فضلِك ورحمتك”
فالأمن الحقيقي يتطلب مشاركة الجميع: في الأيام التي يتصدى فيها رجال الأمن على الحدود والمدن لعمليات العدو، يكون واجبنا نحن في الداخل حفظ الوحدة، وتجنب الشائعات، ودعم المجاهدين نفسيًا ومعنويًا. فـ”الرأسمال الاجتماعي” – أي الثقة والتلاحم بين المجتمع وحاميه – هو أعظم ترسانة يمكن للأمة امتلاكها، وأحد أهم أعمدة الأمن الوطني المستدام.
الإيمان.. ركيزة القوة
ما الذي يميز المجاهد اليوم عن المرتزقة أو جنود الكيان الصهيوني؟ الأدوات قد تتساوى، لكن الدافع والإيمان يصنع الفارق. دعاء المرابطين يرسخ روح التضحية والاستشهاد والنظر إلى الخلود.
في تحليل الأحداث الأخيرة، ما دفع الأفراد للتضحية بأنفسهم هو هذه الروح المعنوية. هذه “القوة الناعمة” تعجز أجهزة الغرب عن فهمها. فحتى وإن كان الحديد والصلب ضروريان، فإن الإيمان هو الذي يثبت اليد على الزناد.
وختاماً
إن التهديدات والعمليات الإرهابية المتكررة تشكل جرس إنذار دائم: الأمن ليس صدفة، بل نتاج يُصان ويُعاد تطويره باستمرار. والدعاء السابع والعشرون يوضح أن هندسة الأمن الوطني تقوم على أربعة أركان: السيطرة الاستخباراتية، القوة العسكرية، الدعم الشعبي، والإيمان.
إن أردنا حماية دماء الأبرياء وحدودنا من كيد الأعداء، علينا أن نكون حاضرين في محراب العبادة وميدان المعركة معاً. يجب أن تكون أسلحتنا ماضية، وقلوبنا مطمئنة، وأعيننا يقظة، وظهورنا متكئة على بعضنا البعض، وإيماننا راسخ. هذه هي طريقة حراسة حريم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائر جبهات المقاومة.
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل





