في هذا المقطع من كلماته، يشير سماحة آية الله السيد مجتبى حسيني الخامنئي، قائد الثورة المعظم، إلى معنى العبارة القرآنية “أَوْزِعْنِي” التي تعني الإلهام والتوفيق العملي للشكر. فشكر النعم ليس مجرد سداد دين، بل هو وسيلة لجلب المزيد من العنايات الإلهية.
يقول سماحته: “رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ”. “أَوْزِعْنِي” أي “أَلْهِمْنِي”، وهذا الإلهام هو إلهام عملي، أي “وَفِّقْنِي”. “أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ” أي أن أشكر تلك النعمة التي منحتني إياها. “وعلى والديَّ” أي أن أشكر النعمة التي أنعمت بها على والديَّ.
إن هذا الشكر ليس مجرد سداد دين، بل إن الشكر بحد ذاته يجلب عنايات لا حصر لها. فمن يتذكر نعم الله المختلفة كل يوم واحدة تلو الأخرى ويشكره عليها، وخاصة إذا كانت هذه الحالة قلبية، أي أن يشعر الإنسان حقاً بالامتنان في تلك اللحظة، ثم ينطق اللسان بذلك أو لا، فإن لهذا آثاراً عظيمة جداً، وهو من أسمى الأذكار.
من أعلى الأعمال في نظري هذا. عندما ورد “وعلى والديَّ” ، فظاهره أن يشكر كل ما أعطاه الله لوالديه، وهذا أحد مراحل الامتنان. وفي رأيي القاصر، عندما نتأمل نعمنا، وأولها أننا وُجدنا في هذا الزمان والمكان، فهذا له حساب عظيم. أي أن الله اعتبرنا وأوجدنا، وأعطانا نعمة الوجود، ثم وضع لنا برنامجاً، وهذا أمر مهم جداً.
مثلاً، لو علمت أن أحد ملوك القاجار -مع أنك قد لا ترتاح لهم- قد كتب اسمك على ورقة نصها: “إذا بقيت على قيد الحياة، فسأرسل هذا الشخص ليدرس في جامعة أكسفورد”، مع أنه مات قبل 200 سنة، فإن شعوراً بالفخر الخاص سيعتريك. ما أعظم هذا الشعور! فما بالك بأعلى إنسان في العالم، الذي يضع هذا البرنامج لك وهو في غنى عنه تماماً. فليتأمل الإنسان هذا، وليتمعن فيه فقط، سيفهم. وهذا بحد ذاته شكر.
من جملة هذه النعم، شكر وجود الإمام (ع)، وشكر وجود المعصوم (ع)، وشكر القرآن نفسه، وكوننا من أهل التولي، أي مجرد أن نتعامل معهم، حتى لو لم ننقلب ونتحول، فهذا بحد ذاته شكر عظيم جداً.
بعض الناس يفتخرون بأنهم ساروا مرة في طريق ترابي وعر، أو أن فلاناً رأى فلاناً من بعيد، ثم يقول الجيل التالي: “نعم، فلان رآه يمر من هناك”. هل فهمتم؟ مجرد تعاملنا مع هذا الزمان، وهذا المكان، وهذا القرآن الكريم، وهذا المعصوم (ع) -إذا تأمل الإنسان جيداً- يجب أن يشكر الله عليها. لكن ذلك يحتاج إلى عناية خاصة، أكثر من هذه الأمور.
والنعم التي أنعم الله بها عليهم، خاصة أن نسبة الإمام (ع) إلينا هي نسبة الأب؛ وهذه الجانب الأبوي الذي قالوه، هو جانب العطف والرحمة التي يبدونها تجاهنا، حيث يراعون كل دقائق مصالحنا، أكثر مما نريد، بل أكثر مما يصل إليه عقلنا.
لذا، إذا عرفنا هذا القدر فقط، أي مع من نتعامل، فإن شكر أصل وجودنا، أي أن نشكر ما أعطي له، يجب أن نشكره أيضاً.
لهذا، فإن “وعلى والديَّ” – انظروا إليها – لا تختص بالوالدين فقط، بل هي أعلى من ذلك. هنا، مثلاً، نعلم أن رسول الله (ص) فرح بولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فرحاً شديداً. إذا كنا حقاً متابعين، فيجب أن نفرح بقدر ما نستطيع، ونشكر حقاً: “أعطيتم نبينا مثل هذه العطية”، وهكذا دواليك.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل




