واشنطن و "تل أبيب".. حجب خسائر الحرب لن يدوم!

تقدم الولايات المتحدة وحليفتها “إسرائيل” نموذجاً غير مسبوق في حجب المعلومات المتعلقة بمجريات الحرب، بذريعة عدم تمكين إيران من تقييم نتائج ضرباتها ضد القواعد العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

منذ عقود، دأبت الولايات المتحدة الأميركية على استخدام شعارات مثل الديمقراطية وحرية التعبير كمنطلق في انتقادها وهجومها على الدول والحكومات المناوئة لها، إلى درجة أنها باتت تصف حجب الحكومات الوطنية لأي معلومات بأنه إحدى أدوات القمع التي تُمارس بحق الشعوب.

وقد تماهى العديد من الحركات والأحزاب والشخصيات السياسية حول العالم مع هذا الطرح، بحيث أصبح حجب أي معلومة، بغض النظر عن حساسيتها، مدعاة للشكوك، ومنطلقاً لنسج روايات تتوافق مع الموقف السياسي من هذه الحكومة أو تلك.

واليوم، تقدم الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها “إسرائيل” نموذجاً غير مسبوق في حجب المعلومات المتعلقة بمجريات الحرب، وتقييد تدفقها إلى الرأي العام، بذريعة عدم تمكين إيران من تقييم نتائج ضرباتها ضد القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

غير أن هذه الذريعة تبدو غير كافية لتفسير حجم التعتيم، إذ إن الغاية الأساسية من حجب المعلومات هنا تبدو أقرب إلى محاولة تقليص انكشاف الحقائق أمام الجمهورين المحلي والدولي.

وهي حقائق لم تعد مؤشراتها خافية على عدد من المراقبين والخبراء العسكريين والسياسيين، الذين يشيرون إلى أن الضربات الإيرانية قد تكون ألحقت أضراراً ملموسة ببعض المنشآت والقواعد والقطع العسكرية الأميركية والإسرائيلية، وإن بدرجات متفاوتة.

وليست هذه الممارسة جديدة، إذ درجت واشنطن وتل أبيب في مختلف حروبهما على فرض قيود صارمة على تغطية وسائل الإعلام لمجريات العمليات العسكرية، ولا سيما في ما يتعلق بالخسائر المباشرة، سواء البشرية أم المادية. وعليه، فإن ما يجري حالياً من تكتم أميركي-إسرائيلي لا يُعد حدثاً طارئاً، بل امتداداً لسياسة قائمة منذ سنوات، تتعارض في جوهرها مع الخطاب المعلن حول حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، وهو الخطاب ذاته الذي يُستخدم في انتقاد دول أخرى.

قوانين باستثناءات واسعة

يمثل حق الحصول على المعلومات أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية، وإن اختلفت تسمياته وتطبيقاته من دولة إلى أخرى.

ففي الولايات المتحدة الأميركية، ينظم هذا الحق قانون حرية المعلومات الصادر عام 1966، والذي يُلزم المؤسسات الحكومية بإتاحة سجلاتها للمواطنين.

غير أن هذا القانون يتضمن تسعة استثناءات رئيسية تشمل مجالات مثل الأمن القومي والسياسة الخارجية، الأسرار التجارية والمعلومات المالية، المراسلات الحكومية الداخلية المرتبطة بصنع القرار، الخصوصية الشخصية، سجلات إنفاذ القانون، إضافة إلى معلومات المؤسسات المالية والبيانات الجيولوجية الحساسة. ويُبرر المشرّع الأميركي هذه الاستثناءات بضرورة تحقيق توازن عملي بين حق المعرفة وحماية المصالح الحكومية والخاصة.

أما في “إسرائيل”، فينظم هذا الحق قانون حرية المعلومات الصادر عام 1998، والذي ينص على حق كل مواطن أو مقيم في الحصول على معلومات من السلطات العامة، باعتبار أن المعلومات الحكومية “ملك للجمهور”، مع إلزام الجهات الرسمية بالرد خلال مدد زمنية محددة.

إلا أن هذا القانون، بدوره، يضع قيوداً واسعة على جملة من المعلومات المرتبطة بما يُعرف بـأمن الدولة، الخصوصية، الأسرار التجارية، وحماية أطراف ثالثة، كما يمنح الجهات المختصة هامشاً تقديرياً واسعاً في قبول أو رفض طلبات الحصول على المعلومات.

وبذلك، تبدو الاستثناءات الواردة في القوانين الأميركية والإسرائيلية محددة نظرياً، لكنها في التطبيق العملي تتسم بقدر كبير من الاتساع والمرونة، إذ تعتمد إلى حد كبير على تقدير السلطة وتصنيفها لطبيعة المعلومات. وفي هذا السياق، يتحول مفهوم الأمن القومي إلى مظلة واسعة يمكن من خلالها حجب طيف كبير من المعلومات، سواء كانت عسكرية أم سياسية أم اقتصادية أم حتى بيئية.

وهو ما يقترب، في نتائجه العملية، من السياسات التي تُنتقد عادة في أنظمة توصف بالسلطوية أو الشمولية، الأمر الذي يعزز الانطباع بوجود ازدواجية في المعايير، حيث يُطالب الآخرون بمستويات عالية من الشفافية، في حين تحتفظ لنفسها بهوامش واسعة للحجب والتقييد.

كما أن القوانين الغربية عموماً، والأميركية على وجه الخصوص، لا تكتفي بمنح السلطات حق التقدير، بل تتيح أيضاً إمكانية التأجيل وفرض رسوم على طلبات المعلومات، ما يجعل الوصول إليها أكثر تعقيداً من الناحية العملية، رغم الاعتراف القانوني بهذا الحق.

مفعول مؤقت ومحدود

ولا يقتصر الأمر على وجود استثناءات قانونية، بل يمتد إلى التطبيق الصارم لهذه التشريعات، بحيث يصبح تسريب صورة واحدة من داخل قاعدة أميركية متضررة، أو نشر مقطع يُظهر آثار قصف في موقع إسرائيلي، حدثاً استثنائياً يتصدر نشرات الأخبار ويتحول إلى مادة رئيسية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، إذا بدت سياسة حجب المعلومات ناجحة على المدى القصير، فإن فعاليتها تتراجع على المدى المتوسط. فمع انتهاء العمليات العسكرية، تجد الحكومات نفسها مضطرة للكشف، ولو جزئياً، عن حجم الخسائر، سواء من خلال الحاجة إلى زيادة مخصصات الموازنات لإعادة الإعمار والإصلاح، أم نتيجة الضغوط السياسية والإعلامية الداخلية، كما حدث في تجارب سابقة، حيث تكشفت لاحقاً أضرار لم يكن معلناً عنها خلال فترات الحرب.

ثم إن إخفاء المعلومات قد يحد من وصول الحقيقة إلى الرأي العام، لكنه لا يستطيع إخفاءها بالكامل عن الفئات المتضررة مباشرة. فالأفراد الموجودون في مواقع الاستهداف، سواء كانوا جنوداً أم عاملين في منشآت حيوية أم سكان مناطق قريبة، يدركون بحكم الواقع حجم الأضرار التي لحقت بهم، وهو ما يجعل الرواية الرسمية عرضة للتشكيك كلما اتسعت الفجوة بينها وبين التجربة الميدانية.

وفي هذا السياق، فإن مشاهد القلق أو التوتر التي تظهر أحياناً في وسائل الإعلام، أو التقارير غير الرسمية المتداولة، تعكس جانباً من التأثيرات الفعلية للضربات العسكرية، حتى وإن لم تُترجم إلى أرقام دقيقة معلنة. كما أن أي إجراءات غير اعتيادية، مثل إعادة انتشار بعض القوات أو تغيير أنماط الإقامة، تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة المخاطر الفعلية.

وبناءً على ذلك، فإن نجاح الحكومتين الأميركية والإسرائيلية في تقليص تدفق المعلومات خلال الحرب الحالية لا يعني بالضرورة القدرة على ترسيخ قناعة دائمة لدى الرأي العام بنتائجها، إذ تبقى الحقائق عرضة للانكشاف التدريجي، سواء عبر المعطيات الميدانية أم عبر التطورات اللاحقة التي تفرضها الوقائع السياسية والاقتصادية.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل