في المنظور القرآني، يُعدّ التاريخ مسرحاً ديناميكياً حيّاً؛ مسرحاً تجري فيه «السنن الإلهية» باستمرار، وتكتسب فيه الأحداث، صغيرها وكبيرها، دلالاتها في إطار هذه القوانين الثابتة. إنّ القرآن ليس مجرد كتاب للروايات؛ بل هو كتاب لعرض هذه السنن. ومن هنا، فكلما واجه مجتمعٌ ما حادثةً كبرى — سواء كانت طبيعية أم بشرية — يربط ذهن المؤمن تلقائياً بينها وبين النماذج العريقة التي كشفها الله للبشر في مختلف العصور.

ومن أبرز هذه النماذج قصة جيش أبرهة في سورة الفيل. هذه القصة ليست مجرد سرد لهزيمة قوة عسكرية، بل هي تذكير بقانون لا يتغير: كلما وقفت إرادة متغطرسة في مواجهة حرم الحق، فإن السنة الإلهية لا تسمح لها بالاستمرار. في هذه الآيات يلفت الله انتباه الإنسان من ظواهر الأمور وآلياتها المادية إلى حقيقة أعمق؛ وهي أن كل قوة، مهما عظمت، تظل هشة أمام الإرادة الإلهية. لا يذكر القرآن التفاصيل الفنية؛ بل يقول: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ…»؛ أي انظر وتأمل وتعلّم أن وراء الأحداث الظاهرية حكمةً ومشيئةً جارية.

وفي الذاكرة التاريخية للمسلمين توجد نماذج أخرى فسرها الناس في هذا الإطار نفسه. ومن النماذج المعاصرة «حادثة طبس»؛ عاصفة مفاجئة وسلسلة من الأحداث غير المتوقعة التي أطاحت بخطة معقدة في لحظة واحدة. وسواء اعتبرنا هذا الحدث مجرد ظاهرة طبيعية أم تجلّياً للعون الإلهي، فإن ما رسخ في أذهان الكثيرين هو الشعور بارتباطه بالآية الكريمة: «وما يعلم جنود ربك إلا هو». هذه النظرة الدينية ترتقي بالحادثة من مستوى الواقعة المجردة وتضعها في مكانة يُستشعر فيها أثرٌ من الحضور الإلهي.

وعندما يواجه الإنسان المؤمن حادثة تتجاوز حدود التحليلات المعتادة، فإنه لا يبحث فقط عن أسبابها الفيزيائية أو العسكرية؛ بل يبحث عن المعنى الكامن في صميمها. إنه لا يرى التاريخ كسلسلة عمياء من الصدف، بل يعتبره ساحة تلتقي فيها إرادة الإنسان بالسنة الإلهية. ولهذا السبب فهو يقيس أحداث اليوم بروايات الأمس؛ ليس من أجل إطلاق أحكام سياسية، بل للعثور على النقطة التي تتجلى فيها السنن الإلهية بكل ما تحمله من رحمة وحكمة.

ويعلّم القرآن المؤمنين أن النصر الإلهي لا يحدث دائماً بطريقة خارقة للعادة. فأحياناً يتجلى هذا النصر في شكل عملية طبيعية؛ رياح أو أمطار أو عواصف، أو أي ظاهرة تبدو في ظاهرها مجرد «صدفة». وأحياناً يؤثر في القلوب ويخلق رابطة بين البشر لم تكن ممكنة من قبل: «وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ». وأحياناً يتجلى في شكل أخطاء حسابية أو انهيارٍ للإرادات المستندة إلى الغرور. وأحياناً أخرى يكون في السكينة التي تنزل على قلوب المؤمنين وتمنحهم القوة لتجاوز الأزمات: «هُوَ الَّذي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنينَ لِيَزْدادُوا إيماناً مَعَ إيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً».

ولهذا السبب، عندما يواجه أي مجتمعٍ ذي وعي ديني اليوم حدثاً مذهلاً، فإنه يراه امتداداً لهذه السنن. هذا الارتباط ليس مجرد تشبيه تاريخي؛ بل هو نوع من القراءة الروحية التي تربط تاريخ الأمس بتجربة اليوم. بهذه النظرة يقول المؤمن إن السنن الإلهية تتميز بـ«الاستمرارية»؛ فما حدث في عهد أبرهة ليس حكراً على الماضي، وما شوهد في طبس لم يكن مجرد لحظة منفردة. هذه النماذج تتكرر في مراحل زمنية مختلفة، وتتجلى في كل عصر بوجه جديد.

واليوم أيضاً، كلما وقعت حادثة كبرى مثل تدمير طائرات النقل العملاقة والمروحيات الأمريكية المتطورة، وانقلبت الخطط الدقيقة التي أعدها الأمريكيون للغزو البري لإيران رأساً على عقب في لحظة واحدة، فإن المؤمن لا ينظر إليها على أنها مجرد «خبر»؛ بل يعتبرها لحظة للتأمل: التأمل في حقيقة أن العالم أكبر مما تتسع له حساباتنا، والتأمل في أن هناك حكمة تجري خلف كواليس الأحداث، والتأمل في أن السنن الإلهية لا تقتصر على الماضي البعيد، بل تستمر في المشهد المعاصر وتعلن عن حضورها في قلب الأحداث.

وهذا التأمل بالذات هو ما يبعث الطمأنينة في قلب المؤمن؛ لأنه يعلم أن ما وعد به القرآن لا يزال صادقاً: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا». هذه المعية الإلهية هي نقطة الارتكاز التي تمكن الإنسان من رؤية آيات الله وسط تلاطم الأحداث ومواصلة طريقه بثقة؛ ذلك لأن السنن الإلهية لا تبدأ في الماضي ولا تنتهي اليوم، بل هي جارية باستمرار ومرشدة على الدوام.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل