يعالج الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري في أحد أعماله قضية جوهرية، هي التمييز بين السلام الحقيقي والسلام المذل، في ضوء سيرة أولياء الإسلام الذين كانوا في طليعة المواجهة، وهو ما نتوقف عنده في هذا المقال:

إذا كان الدين ديناً شاملاً، فلا بدّ أن يكون قد وضع تصوراً ليوم يتعرض فيه أتباعه للاعتداء، أو حتى حين يتعرض غيرهم للظلم؛ فماذا يكون الموقف حينئذٍ؟

من هنا، كان لا بد من تشريع قانون الحرب والجهاد.

نعم، يُقال إن السلام أمر حسن، ونحن أيضاً نؤمن بأن السلام خير، ولكن ماذا عن الاستسلام والذل؟ هل يُعدّان خيراً أيضاً؟!

إذا تواجهت قوتان مسالمتان، وكلتاهما تريد ما يُعرف اليوم بـ«التعايش السلمي»، بحيث لا تعتدي إحداهما على الأخرى، بل تعيشان معاً على أساس من الاحترام المتبادل والحقوق المتبادلة، فهذا هو السلام الحقيقي، وهو أمر مطلوب.

أما إذا كان أحد الطرفين معتدياً، بينما يستسلم الطرف الآخر بدعوى كراهية الحرب، فيتحمّل القهر والذل، فإن هذا لا يُسمّى سلاماً، بل خضوعاً مهيناً.

وهذا المعنى نجده واضحاً في سيرة الأنبياء والأولياء؛ إذ لم يكونوا يدعون إلى الاستسلام، بل كانوا يواجهون العدوان، ويتقدمون بأنفسهم في ميادين المواجهة.

فالنبي محمد (ص)، لو لم يكن هو أول من يتقدّم فيما يأمر به، لما أمكن أن يتبعه الآخرون. فقد كان، حين يدعو إلى الجهاد في سبيل الله، يتقدّم بنفسه إلى ساحة القتال، ويقدّم أعزّ أحبائه.

ولهذا تعلّق به الناس، وامتلأت قلوبهم حباً له، لأنهم رأوا صدق موقفه؛ فقد كان يبعث أحبّ الناس إليه إلى ساحة المعركة، ويكون هو في مقدّمة الصفوف، يتعرّض للإصابة، وتُكسر أسنانه، ويُشجّ رأسه، فيرون الحقيقة متجسدة في شخصه.

فمن كان أعزّ إلى النبي (ص) من علي (ع)؟ ومن كان أعزّ إليه من حمزة سيد الشهداء؟

في غزوة بدر، من الذين أرسلهم أولاً إلى الميدان؟

لقد أرسل علياً (ع)، وهو ابن عمه وصهره، وكان بمنزلة الابن له، إذ نشأ في بيته منذ صغره. كما أرسل عمه حمزة، الذي كان يحظى بمكانة عظيمة عنده، وأرسل ابن عمه أبا عبيدة بن الحارث، وكان من أعزّ الناس إليه.

المصدر: الجهاد، ص 39–40، الملحمة الحسينية، ج 1، ص 240

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل