حذّر باحث في التيارات الدينية الجديدة من تصاعد ظاهرة التنبؤ بالتنجيم (الأستروولوجيا) تحت غطاء أيديولوجي، معتبراً أنها تمسّ الدين والوعي العام عبر تسطيح الخطاب الديني، وتكريس مرجعيات فكرية زائفة، واستقطاب الجمهور خصوصاً في أوقات الأزمات. وبحسب تقرير وكالة “حوزة” للأنباء، فقد برزت هذه الظاهرة مع توسّع الفضاء الافتراضي، حيث يُعاد تقديم التنجيم بصيغ حديثة توظّف خطاباً ثورياً ووطنياً لكسب الثقة، ويدّعي مروّجوها تقديم تنبؤات “يقينية” بشأن مستقبل البلاد. وغالباً ما ينتقل بعضهم من تحليل الأسواق المالية إلى ادعاءات غيبية متناقضة، مع اعتمادهم على مزيج من بثّ الأمل وإثارة الخوف كأداة للتأثير على الجمهور.
وهذا ما يستدعي قراءة متأنية لتفاصيل هذه الظاهرة كما يبيّنها النص الكامل أدناه:
١. السؤال الأول: ما وجه التمايز بين هذه الظواهر والمتنبئين التقليديين؟
يكمن الفرق الجوهري بين منجّمي اليوم والمنجمين التقليديين في الغطاء الأيديولوجي والأدوات الخطابية التي يستخدمونها.
ففي الماضي، كان المنجمون يعيشون على هامش المجتمع، وكانت أنشطتهم تتم بصورة خفية ومحدودة التأثير.
أما اليوم، فقد دخل هؤلاء إلى ساحة الفعل الاجتماعي مستفيدين من تطور البنية التحتية للاتصالات والفضاء الافتراضي، ومعتمدين على خطاب ثوري ووطني وأدبيات داعمة للشعب. ويشكّل هذا الغطاء، في ظاهره، درعاً دفاعياً قوياً أمام النقد، إلا أنه في حقيقته درع هش يفتقر إلى أي سند عقلي أو ديني. فعندما يتحدث شخص بواجهة دينية وثورية إلى جمهور متدين، تنخفض قابلية النقد لدى العامة بشكل ملحوظ. كما أن سرعة الانتشار والتكرار المستمر لمحتواهم، مقترنة بضعف الوعي العقلي وظروف الأزمات، تؤدي إلى تضاعف تأثيرهم بشكل متسارع.
٢. السؤال الثاني: ما المخاطر الثقافية الناتجة عن هذا التلفيق (التنجيم + الغطاء الثوري)؟
يمكن تقييم مخاطر هذا التيار الباطني شبه العلمي على ثلاثة مستويات أساسية:
أولاً: تسطيح الدين وتحويله إلى أداة.
يقوم مروّجو التنجيم، تحت غطاء ديني، بتحويل المصادر الدينية كالقرآن والروايات إلى أدوات لتبرير أنشطتهم وإضفاء الشرعية عليها، مما يؤدي إلى إضعاف مصداقية المفاهيم الدينية.
كما أن الاعتقاد بإمكانية تحديد المصير الوطني أو تغييره بناءً على مواقع الأجرام السماوية، يستبدل الإيمان بالجبر الكوني محلّ التوكل الواعي والإرادة الجماعية المؤمنة القائمة على السنن الإلهية.
واستمرار هذا المسار يؤدي إلى إضعاف العقلانية الدينية وتعزيز نزعة إيمانية عاطفية وخرافية.
ثانياً: تأسيس مرجعية فكرية زائفة
عندما يطرح شخص ذو أسس معرفية ضعيفة ادعاءات تنبؤية قائمة على التنجيم، ويستقطب آلاف المتابعين، فإنه يتحول إلى مرجعية فكرية وإعلامية زائفة.
وهي مرجعية تقوم على الوهم والخرافة والمعارف التلفيقية شبه العلمية، مما يدفع الناس في القضايا المصيرية إلى الاعتماد على توقعات غامضة بدلاً من الرجوع إلى المصادر العلمية والفكرية والدينية الموثوقة.
كما أن الحديث عن الأمل والنصر المستقبلي لا يكتسب قيمته إلا إذا استند إلى السنن الإلهية مثل الاستقامة والإخلاص والمقاومة والبصيرة، لا إلى خرائط فلكية وخرافات.
٣. السؤال الثالث: لماذا تجذب هذه التنبؤات الناس في الظروف الحرجة؟
يُعدّ أحد أهم الأسباب النفسية هو حاجة الإنسان العميقة إلى الشعور بالسيطرة والحصول على إجابات في مواجهة عدم اليقين.
ففي ظل الأزمات، يسعى الإنسان إلى التخلص من الاضطراب النفسي، حتى لو كان ذلك عبر قبول إجابات زائفة.
وهنا يمنح المنجّمون جمهورهم وهماً بالسيطرة دون أي دليل أو أساس، ويشتد هذا الميل في الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، خاصة لدى من يعانون ضعفاً في البنية المعرفية.
٤. السؤال الرابع: ما خطورة دخول شخصيات ذات وجاهة دينية أو سياسية إلى هذا المجال؟
يُعد هذا الشكل من أخطر أشكال الانحراف المعرفي؛ إذ إن الشخص الذي يوظف مكانته الدينية أو السياسية للدخول في مجال التنبؤ القائم على التنجيم — وهو مجال يفتقر إلى أي أساس علمي أو ديني أو تجريبي — إنما يساهم في تضليل متابعيه.
فتتحول مكانته الشرعية إلى وسيلة لإضفاء المصداقية على خطاب خرافي.
ولذلك، ينبغي على المجتمع ألا يسمح بتحويل المكانة الاجتماعية أو المصداقية العلمية إلى أداة لترويج الخرافات والتحليلات الغامضة وشبه العلمية.
في الختام، لا بد من التأكيد على أن مواجهة هذا التيار المنحرف تتطلب تعزيز البنية المعرفية للمجتمع، بحيث يُفهم الأمل الحقيقي ووعد النصر في إطار العبودية والعقلانية والعمل والإخلاص والإيمان بالسنن الإلهية، لا في الحسابات الكونية وقراءات الأبراج.
كما أن توظيف الخطاب الديني والثوري لإحياء الممارسات الخفية والغيبية، وإضعاف العقلانية، وتأسيس مرجعيات فكرية زائفة من قبل منجّمي الفضاء الافتراضي، يُعد من أبرز أضرار تنامي هذه التيارات.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





