خلال حرب رمضان، تكرر لدى كثير من المؤمنين سؤالٌ مفاده: لماذا لم تصدر المرجعية الدينية العليا في النجف فتوى صريحة بالجهاد، رغم شدة العدوان واتساع نطاق الرأي العام في العالم الإسلامي؟ إذا تم تناول هذا السؤال فقط على مستوى التوقعات السياسية أو العاطفية، فقد يقود ذلك إلى استنتاجات مبسّطة حول “صمت” المرجعية. ولكن ضمن التقليد الفقهي في النجف، فإن الصمت الفقهي لا يعني بالضرورة السلبية؛ بل قد يكون في بعض الأحيان نوعاً من الفعل المدروس القائم على اعتبارات فقهية واجتماعية وسياسية معقدة.

الاعتبار الأول والأكثر أساسية هو الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية: وهو اعتبار يُعد في منطق الفقه السياسي الإسلامي من أهم المصالح الكبرى. فخلال هذه الحرب، كانت بعض البنى التحتية والقواعد العسكرية التابعة للقوات الصهيونية المعتدية موجودة في أراضي بعض الدول الإسلامية؛ دول ذات أغلبية سنية، تستضيف هذه القواعد لأسباب سياسية وأمنية. في مثل هذه الظروف، كان من الممكن أن يُقدَّم إصدار فتوى صريحة بالجهاد من قبل المرجعية الشيعية في الميدان الإعلامي والسياسي في المنطقة على أنه صراع مذهبي بين الشيعة والسنة. إن مثل هذا التقديم لا يشوّه طبيعة الصراع فحسب، بل ينسجم تماماً مع الاستراتيجية التي تتبعها الجبهة الصهيونية وداعموها الدوليون في السنوات الأخيرة: تحويل كل أزمة سياسية في الشرق الأوسط إلى شقاق طائفي داخل العالم الإسلامي. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار امتناع المرجعية في النجف عن إصدار فتوى صريحة بالجهاد محاولة واعية لتفادي الوقوع في هذا الاستقطاب الخطير؛ أي محاولة لمنع اختزال الصراع، الذي هو في جوهره مواجهة مع الكفر والصهيونية، إلى صراع مذهبي.

الاعتبار الثاني يعود إلى إحدى القواعد الأساسية في الفقه الإسلامي: قاعدة “حفظ الدماء”. في الفقه، تُعد حماية حياة المسلمين من المقاصد القطعية للشريعة، وفي حالات التزاحم قد تتقدم أحياناً على العديد من المصالح الأخرى. كما يُظهر الواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي أن المجتمعات الشيعية في العديد من دول المنطقة تشكل أقليات، وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية – من سوريا وباكستان إلى أفغانستان وبعض الدول العربية – أنه كلما اشتدت الأجواء الطائفية كانت هذه الأقليات أولى الفئات التي تتعرض للعنف الأعمى وتحريض التيارات المتطرفة. في هذا السياق، كان من الممكن أن يوفّر إصدار فتوى صريحة بالجهاد ذريعة دعائية للتيارات التكفيرية لتقديمه كدليل على صراع مذهبي، وبالتالي إشعال موجة من العنف الطائفي في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي. ومن هذا المنظور، ينبغي فهم تحفظ المرجعية في النجف في إطار ترجيح مصلحة فقهية كبرى: منع انتشار إراقة الدماء بين المسلمين وحماية حياة المجتمعات الأكثر عرضة للخطر.

الاعتبار الثالث يرتبط بالمنطق الفقهي لمراعاة “مآلات الأفعال”: وهو مبدأ أولاه الفقهاء اهتماماً كبيراً عند تقييم آثار أي حكم أو إجراء. في هذا الإطار، لا تقتصر المسألة على نية الفعل أو هدفه، بل تشمل أيضاً العلاقة بين “الفعل” و”النتيجة”. فقد يُتخذ إجراء ما بنية تقوية جبهة الحق، لكنه يؤدي في الواقع إلى نتيجة عكسية ومناقضة؛ وهي الحالة التي تُعبَّر عنها في الأدبيات الفقهية والكلامية بعبارة “ما قُصِدَ لم يقع وما وقع لم يُقصد”. في الأجواء الإعلامية والسياسية المعقدة للمنطقة، كان من الممكن أن يواجه إصدار فتوى الجهاد من قبل المرجعية في النجف هذا الاحتمال بالذات: فتوى تُصدر بنية دعم المقاومة والدفاع عن المظلومين، لكنها قد تُقدَّم في ميدان التفسير السياسي على أنها تعبئة مذهبية ضد العالم السني، أو أنها تنسجم مع سياسات دولة معينة. وفي هذه الحالة، فإن النتيجة العملية لا تكون تعزيز جبهة الحق، بل إضعافها وتقوية الجبهة الصهيونية.

وأخيراً: لا بد من الانتباه إلى نقطة بديهية في الفقه الإسلامي: إن الدفاع أمام العدوان من ضروريات الشريعة، ولا يحتاج إلى إصدار فتوى تأسيسية. في المنطق الفقهي، هناك أحكام بديهية لا تحتاج إلى إعلان، لأن أصلها ثابت لا موضع للنقاش فيه. والدفاع عن الأراضي الإسلامية وحماية المظلومين أمام العدوان هو من هذا القبيل؛ أي تكليف يشهد عليه العقل والشرع معاً. وما يحتاج أحياناً إلى فتوى ليس أصل الدفاع، بل إعلان الجهاد في إطار ونطاق محددين. وقد أكدت المرجعية في النجف، دون الدخول في هذه المرحلة، في مواقفها وبياناتها إدانة العدوان وضرورة الصمود أمام الظلم، وبالتالي أحالت إلى تلك البداهة الفقهية.

ومن هذا المنظور، ينبغي فهم نهج المرجعية في النجف خلال حرب رمضان في إطار تقليد من العقلانية الفقهية، الذي يسعى دائماً إلى تحقيق التوازن بين الحكم الشرعي ومصلحة الأمة ومآلات الأفعال الواقعية. في هذا التقليد، لا يتجلى الفعل الديني دائماً في صورة إصدار فتوى؛ ففي بعض الأحيان، يكون الامتناع عن إصدار فتوى جزءاً من التدبير الفقهي نفسه. فالصمت الذي يبدو في الظاهر، قد يكون في الحقيقة تعبيراً عن حساب دقيق لعواقب كلمة واحدة على المستويات الدينية والاجتماعية والسياسية.

بقلم: علي محمد سرلك، باحث ديني وعضو هيئة علمية في الجامعة

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل