قال الخبير الديني الإيراني، الشيخ محمد أميري، إن «الأسرة السليمة، من منظور القرآن، تقوم على المحبة والاحترام والتعاون وتحمل المسؤولية، وعلى كل فرد فيها أن يسهم في استقرارها من خلال الأخلاق وحسن التدبير وروح التسامح».

وأكد أن القرآن الكريم يقدّم الأسرة بوصفها أساس المجتمع وبنيته الأولى، إذ يضع، في آيات متعددة، علاقة الوالدين بالأبناء، وعلاقة الزوجين، وصلات القربى، في صميم منظومة السلام والمحبة والمسؤولية الاجتماعية. وتكمن أهمية الأسرة في كونها البيئة الأولى لتنشئة الإنسان وتشكيل أخلاقه وسلوكياته الاجتماعية.

وأضاف أن القرآن لا ينظر إلى الأسرة كمجرد إطار للعيش المشترك، بل كمدرسة تُغرس فيها القيم الإنسانية، وتُكتسب من خلالها المهارات الاجتماعية، ويتعلم فيها الفرد تحمل المسؤولية. فإذا صلحت الأسرة، انعكس ذلك استقرارًا وأخلاقًا في المجتمع.

وأوضح أن القرآن يؤكد على احترام الأبناء لوالديهم، كما يحمّل الوالدين مسؤولية توجيه أبنائهم برفق ورحمة وتربية سليمة. وفي سورة لقمان، دعوة واضحة إلى برّ الوالدين، مقابل توجيه الأبناء على أساس القيم الأخلاقية والدينية، بعيدًا عن الإكراه.

وبيّن أن القرآن يصوّر العلاقة الزوجية باعتبارها مصدر سكينة ومودة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، مؤكدًا أن هذه الآية ترسّخ أن الحياة الزوجية الناجحة لا تقوم فقط على تلبية الاحتياجات، بل على المحبة والتفاهم والاحترام والتعاون.

وأشار إلى أن تربية الأبناء في القرآن مسؤولية عظيمة وحساسة، تقتضي من الوالدين الجمع بين التعليم الأخلاقي والديني والاجتماعي، وبين تنمية روح الاستقلال والاختيار الواعي لدى الأبناء. كما تؤكد النصوص على أن التوجيه ينبغي أن يكون قائمًا على اللطف والصبر والاحترام، لا على العنف أو الإكراه.

وأضاف أن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي يتعرّف فيها الإنسان إلى القيم الأخلاقية والاجتماعية، مبينًا أن ما يُغرس فيها من محبة وصدق وتعاون ومسؤولية، ينعكس تدريجيًا في سلوك الأفراد داخل المجتمع. فالفرد الذي ينشأ في أسرة سليمة يكتسب مهارات التواصل والتعاطف وتحمل المسؤولية، ويكون أكثر قدرة على الإسهام الإيجابي في محيطه، مما يجعل الأسرة حجر الأساس في بناء مجتمع أخلاقي ومستقر.

وتابع أن القرآن يوجّه إلى معالجة الخلافات داخل الأسرة بالصبر والتسامح والحوار، محذرًا من أن العنف والعدوان لا يقتصر ضررهما على الأفراد، بل يقوّضان البيئة الأسرية بأكملها. كما يؤكد على مبدأ التشاور والإنصاف ومراعاة حقوق جميع أفراد الأسرة، مشيرًا إلى أن الأسرة التي تدير خلافاتها بروح الاحترام والتفاهم، توفّر بيئة آمنة ومستقرة، وتقدّم نموذجًا سلوكيًا سليمًا لأبنائها.

وأكد أن الأسر في عالم اليوم تواجه تحديات وضغوطًا اجتماعية وثقافية وإعلامية متزايدة، موضحًا أن القرآن يرشد إلى مواجهتها عبر تعزيز القيم الأخلاقية، والاهتمام بتربية الأبناء، وترسيخ الحوار المستمر، وتعميق أواصر المحبة. كما أن الالتزام بالتعاليم القرآنية، وتهيئة بيئة أسرية آمنة وصحية، والحفاظ على القيم، تمثل من أهم السبل لمواجهة هذه التحديات.

وأشار إلى أن الجيل القادم هو انعكاس مباشر للأسرة، وأن القرآن يولي عناية خاصة بتربية الأبناء بوصفها رأس مال المجتمع الحقيقي. فإذا نشأ الأبناء في بيئة قائمة على المحبة والاحترام والتربية الأخلاقية والدينية، فإن ذلك يفضي إلى مجتمع مسؤول ومستقر.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن القرآن يقدّم الأسرة بوصفها بيئة لنمو الإنسان والمجتمع معًا، وأن جوهر هذا التصور يتمثل في أن الأسرة السليمة تقوم على المحبة والاحترام والتعاون والمسؤولية، وأن استقرارها مسؤولية مشتركة بين جميع أفرادها، تقوم على الأخلاق والحكمة والتسامح.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل