من القيادة إلى المنظومة: كيف تستمر الثورة الإسلامية بعد رحيل القادة؟

ليست الثورة الإسلامية مجرد قيادة، بل هي منظومة فكرية ومؤسسية متكاملة. تقوم هذه الثورة، بوصفها مشروعًا فكريًا ومؤسسيًا، على منظومة من المبادئ والبنى التي تضمن استمراريتها بمعزل عن الأشخاص. ويناقش هذا النص فكرة مركزية مفادها أن قوة هذا المشروع لا تنبع من الأفراد بقدر ما تنبع من تماسك المدرسة الفكرية، وفاعلية الإطار القانوني، وحضور الأمة بوصفها عنصرًا فاعلًا في الاستمرار. ومن هذا المنظور، لا يُفهم رحيل القادة بوصفه لحظة انقطاع أو تراجع، بل باعتباره اختبارًا لصلابة البنية الداخلية وقدرتها على مواصلة المسار.

وفي هذا السياق، يطرح النص سؤالًا محوريًا: هل يؤدي رحيل القائد إلى التخلي عن المبادئ والعودة إلى الوراء؟

الجواب:

هذا السؤال ليس مجرد استفهام عاطفي أو سياسي؛ بل هو السؤال نفسه الذي طرحه الله تعالى على الأمة الإسلامية في القرآن الكريم.

في أحلك لحظات التاريخ الإسلامي، وتحديداً في السنة الثالثة للهجرة، في ميدان غزوة أُحُد، عندما انتشرت شائعة استشهاد النبي الأكرم (ص) بين المسلمين، تجلى الجواب على هذا السؤال.

كانت غزوة أُحُد من أقسى الأيام على المسلمين. عندما خالف فريق من الرماة أوامر النبي (ص)، انقلبت موازين المعركة، وبدت بوادر الهزيمة. فجأة، ارتفع صوت في الميدان: “محمد قُتل!” هذه الشائعة القاتلة أحدثت زلزلة في القلوب، فمنهم من كفّ عن القتال، ومنهم من ولّى هارباً، ومنهم من بقي حائراً مذهولاً.

لقد توهموا أن كل شيء مرتبط بوجود النبي (ص)، وأنه برحيله لا سبيل إلا الغرق في الظلام. وكأن برحيل شخص ينتهي كل شيء. في تلك اللحظة الحرجة، نزل القرآن ليقطع هذا التفكير من أذهان المؤمنين إلى الأبد:

﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِب عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ^(1)

هذه الآية الكريمة، التي استشهد بها القائد الشهيد للثورة الإسلامية في آخر لقاء له مع خبراء الأمة^(2)، تضيء لنا اليوم طريقنا كالسراج في الليل الدامس، وتكون مرشداً لنا.

أولاً: طبيعة الثورة الإسلامية شاملة وقائمة على المدرسة الفكرية

أهم رسالة في هذا القول للقائد الشهيد هي التأكيد على أن الثورة الإسلامية “نظام” متكامل. فالنظام، على عكس الحكومة أو الحكم الفردي، يمتلك مبادئ وأسساً وأهدافاً ومساراً محدداً لا يرتبط بالحياة المادية للأفراد. فباستشهاد القائد بهذه الآية الكريمة وتذكير الأمة بموقف الذين ظنوا أن كل شيء ينتهي بموت النبي (ص)، نبّه إلى أن الإسلام والنظام المنبثق عنه ليسا مرهونين بشخص معين.

ثانياً: دور الشخصيات في النظام الإسلامي هو تأدية المهمة لا التوقف عندها

يؤكد القائد الشهيد بوضوح على دور الشخصيات، فلا ينفي تأثيرهم، بل يقر بأن لهم أدواراً مهمة يجب أن يؤدوها، ومهام عظيمة يضطلعون بها. هذه النظرة المتوازنة، مع تقديرها لمقام القيادة والأثر العميق لوجود الشخصيات المؤثرة، تصون النظام من آفة “الشخصانية” والتبعية المطلقة للفرد. ففي هذا الإطار، كل شخصية مكلفة بأداء رسالتها في مرحلة من التاريخ، وبعد أن تؤدي ما عليها، يستمر المسير بواسطة المؤمنين والاعتماد على المدرسة الفكرية والقانون.

ثالثاً: القدرة العالية للنظام الإسلامي على الاستمرارية وإدارة التحولات

إن إشارة القائد الشهيد إلى تغيير القيادات واستمرار النظام بعده، تعبر عن القدرة العالية لهذا النظام على إدارة مراحل الانتقال وتجاوز الأزمات. فالنظام الإسلامي يقوم على الشعب وإيمانهم الراسخ، وله آليات قانونية واضحة ومؤسسات دستورية راسخة لاستمراره. هذا الهيكل الذكي، الذي تطور بهداية الإمام الخميني (ره) ثم القائد الشهيد، يضمن استمرار الثورة حتى في أحلك الظروف وأدقها.

من هذا الفهم القرآني، يمكن استخلاص عدة رسائل واضحة:

الرسالة الأولى: لا تراجع إلى الوراء، ولا توقف

فالمؤمنون الحقيقيون، وفقاً للآية الكريمة، هم الذين لا يرجعون إلى الوراء برحيل القادة، بل يواصلون الطريق بثبات وصمود. إنهم يثبتون أن ارتباطهم بالمبادئ أقوى من ارتباطهم بالأشخاص.

الرسالة الثانية: استمرار المسير بالاعتماد على الإيمان والقانون

فالإيمان العميق والقانون الواضح هما الضامنان الحقيقيان للنظام الإسلامي بهيكله المتين. وهذا النظام له طريق واضح للمستقبل، يسير عليه بثقة. فالمسار سيستمر دائماً بالاعتماد على الدستور، ومجلس خبراء القيادة، وتضامن الشعب وأخوتهم.

الرسالة الثالثة: الطريق الخالد

تتجلّى عظمة شخصية القائد الشهيد ليس في توقف الثورة باسمه، بل في توجيهها وقيادتها نحو المسار الصحيح إلى الأبد. لقد جعل من نفسه جسراً لا محطة، وقائداً لا صنماً. وواجب المؤمنين الآن هو التمسك بذلك المسار وحمايته والذود عنه. هذا القول للقائد الشهيد خلّد الدرس الأهم للأيام التي تليه: الثورة الإسلامية ليست مرتبطة بشخص؛ هذا النظام هو امتداد لمسار الأنبياء، وسيواصل طريقه معتمداً على إيمان الأمة وهيكله المتين.

إن الفهم العميق لهذه الحقيقة والالتزام العملي بها هو أكبر تكريم لذكرى ومسار ذلك القائد الفقيه الشهيد. ففي النظام الفكري للشيعة، لا يسقط الراية أبداً، ولا يبقى الثغر بلا حارس.

ومضة من نور: انتخاب القائد الثالث

مجلس خبراء القيادة، بانتخابه آية الله السيد مجتبى الخامنئي قائداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، جسّد مرة أخرى متانة النظام الداخلي أمام العالم، وأثبت للجميع أن هذه الثورة ليست مرهونة بأحد. هذا الانتخاب الجدير الحكيم، الذي أراح قلوب الأمة الإيرانية المضطربة ومحبي الثورة في أرجاء العالم، أصبح مثالاً حياً ونموذجاً ملموساً على هذا الوعد الإلهي: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ ^(3)

فليعلم القاصي والداني أن دماء الشهداء لم تذهب هدراً، وأن راية الحق ستبقى خفّاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


الهوامش:

^(1) سورة آل عمران (3)، الآية 144

^(2) آخر لقاء للقائد الشهيد مع مجلس خبراء القيادة

^(3) سورة المائدة (5)، الآية 3

المصدر: مركز الدراسات والرد على الشبهات (الحوزات العلمية)

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

سورة النمل، آية 47، صفحة 381
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
ماذا تقصد الآية ب " طائركم عند الله "
سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟
هل توجد أدلة عقلية على الشفاعة ؟
السؤال: ما المقصود بـ ( وَطَوارِقِ الْحَدَثانِ ) في دعاء يوم الاحد ؟
السؤال: هل ستكون عائلتي بجانبي في الجنة؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل