بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه “السيد بلال وهبي”
“اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”.
حين يُذكر الإمام الحسين (ع)، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو مشهد كربلاء بما يحمله من آلام وتضحيات وبطولات ومواقف صادقة نبيلة، وقيم أخلاقية سامية، غير أن الحسين (ع) ليس مجرد بطل تاريخي انتهت حياته بشهادة غير مسبوقة، ولا مجرد رمز عاطفي لطائفة من المسلمين المؤمنين، بل هو وفق ما نعتقد إمام منصوب من الله تعالى، جعله الله حجة على خلقه، وامتدادًا لرسالة جده المصطفى محمد (ص).
ومن هنا تبرز قضية جوهرية تحتاج إلى تأمل عميق: إذا كان الحسين(ع) إمامًا منصوبًا من الله، فهل يمكن حصره في دائرة طائفة أو جماعة أو قومية؟ وهل يمكن أن تكون نهضته ملكًا لفئة دون أخرى؟ أم أن موقعه الإلهي يجعل حضوره أوسع من كل الحدود المذهبية والثقافية والسياسية؟
مِمّا لا شكّ فيه أن الحديث عن الحسين (ع) بوصفه “إمام الناس” لا يعني إلغاء خصوصية الانتماء العقائدي، بل يعني أن ما منحه الله له من مقام الهداية والحجية، يجعله عنواناً إنسانياً عاماً، كما كانت رسالة الأنبياء (ع) لا سيما جده المصطفى (ص) موجّهة إلى الإنسان بما هو إنسان، فإنهم رحمة للعالمين.
الإمامة من منظور القرآن الكريم مشروع إلهي لهداية الناس، وقيادتهم في مسارهم التكاملي الإنساني، مِمّا يحتِّم أن يتصف الإمام بصفات ومزايا نفسية وإيمانية وأخلاقية لا يعلم توفَّرها في الشخص إلا الله تعالى، ولذلك فهي اصطفاء إلهي، وجعل ربّاني، وليست منصبًا سياسيًا يختاره الناس، قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴿الحج:75﴾، وقال تعالى: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: 124﴾. فالأنبياء اصطفاهم الله، وكذلك أوصياؤهم يجعلهم الله في هذا المنصب ويصطفيهم لحمل رسالته وحفظها.
إن ذلك يعني بلا شك أن منصب الإمامة بطبيعته يتجاوز الحدود القومية والجغرافية والدينية والمذهبية، ليشمل الناس جمعًا، ولهذا قال سبحانه: “إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا” وعليه، فالحسين (ع) باعتباره إمامًا منصوبًا من الله تعالى وحجته على الخلق، لا تقتصر ولايته على جماعة خاصَّة -وإن كانت تلك الجماعة قد آمنت بإمامته- بل تشمل كل الناس.
يلزم من ذلك أمران:
الأول: إنّ علينا نحن الذين نقول بإمامته ونشايعه، أن نقدمه للناس إمامًا لهم وحجة لله عليهم، مما يفرض علينا أن نفهم مشروعه فهمًا حقيقيًا، ونقدمه للناس كما يليق بشخصه ومشروعه.
الثاني: أَلّا نتوهم أننا نمتلك الحسين (ع)، فإن من الأخطاء الكبرى التي قد يقع فيها البعض أنهم يتجاوزون مسألة الانتماء إلى الإمام إلى محاولة امتلاكه، فالمؤمنون بالحسين (ع) ينتمون إليه ولكنهم لا يملكونه، لأنه إمام الناس وحجة الله عليهم، فهو أكبر من أي جماعة وأمَّة، ولهذا نجد أنه استطاع أن يلامس ضمير الإنسانية في أماكن لم تعرف التشيع، بل ربما لم تعرف الإسلام أصلاً، فقد استلهم منه أحرار ومصلحون ومفكرون من ثقافات مختلفة، لأن القيم التي حملها ليست قيماً طائفية، وإنما قيم إنسانية متجذرة في فطرة الإنسان.
فالحسين (ع) خرج من أجل الإصلاح، والإصلاح قيمة إنسانية، ووقف في وجه الظلم وقاومه، ومقاومة الظلم قيمة إنسانية، ودافع عن كرامة الإنسان، وكرامة الإنسان قيمة إنسانية، ولهذا فإن الإنسان الحر، أيًا كان دينه أو مذهبه أو قوميته، يجد نفسه معنياً برسالة الحسين، لأن الفساد والظلم والاستبداد ليست مشكلة شيعية فقط.
والحسين (ع) لم يخرج مدافعًا عن بني هاشم، أو عن قريش، أو عن جماعة دون أخرى، بل خرج مدافعًا عن الأمة كلها، عن دينها وقيمها، عن مبادئها ومُثُلها العُليا، عن حاضرها ومستقبلها، وعندما رفع شعار “هَيْهاتَ مِنَّا الذِّلَّة” لم يكن شعاره مذهبيًا ولا قوميًا، بل أعلن مبدأً عامًا، فالذلَّة مرفوضة لكل إنسان، لأنها تناقض كرامته التي حباه الله بها.





