الاسلام الاصيل IslamAsil

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

 

“اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”
يخطئ الطغاة كثيرًا عندما يعتمدون القتل وسيلة حصرية لقتل خصومهم وأعدائهم من المؤمنين بالله واليوم الآخر، الطغاة يرون القتل إنهاءً لحياة المؤمنين، وإخلاءً لميدان الحياة منهم، لكن المؤمنين يرون القتل في سبيل الله (الشهادة) طريقًا لولادة جديدة، وحياة شاهدة، وسبيلًا مباشرًا لإحياء الأمة، وطاقة متجددة تحفظ المشروع الإلهي وتحافظ على استمراريته.
وهذا ما تجلَّى في أصدق صوَرِه في شهادة الإمام الحسين (ع). ولم يتجلَّ كأثَرٍ وحسب، بل تجلى أيضًا في إدراكه (ع) لذلك قبل شهادته، وإصراره على الشهادة لتكون هي الطاقة الهائلة التي تحفظ المشروع الإلهي الذي يقوده، وتبقي جذوته متقدة مدى القرون التالية.
فقبل شهادته (ع) بعث برسالة –شديدة الإيجاز، عميقة الدلالة- إلى بني هاشم جاء فيها: “مِنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، إِلَى بَنِي هَاشِمٍ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمُ اسْتُشْهِدَ مَعِي، وَمَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغِ الْفَتْحَ”. فهذه رسالة تجمع بين الشهادة والفتح، وهذا جمع غير مألوف.
فالمألوف في التفكير السياسي والعسكري أن الفتح يعني الانتصار والبقاء والتمكُّن، بينما تعني الشهادة الموت ومفارقة الدنيا، وإخلاء الساحة للقاتل، فكيف أصبحت الشهادة عند الحسين (ع) شرطاً للفتح؟ وكيف تحولت من حدثٍ يُنهي الحياة إلى فعلٍ يصنع الحياة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف لنا جانباً أساسياً من نظرة الإسلام إلى الموت، وفلسفته للشهادة في سبيل الله، ومعنى الانتصار الحقيقي (الفتح).
الموت من منظور الإسلام ليس فناءً ولا انعدامًا، بل قنطرة تعبر بالإنسان من نشأة أدنى إلى نشأة أعلى، أي ارتقاء وجودي، فكيف إذا كان الموت شهادة في سبيل الله، إن الموت بالشهادة يمنح الشهيد حياة أخرى غير تلك الحياة التي ينتقل إليها في نشأة البرزخ،  والحياة الحقيقية في الآخرة، فالشهيد له نوع حياة دنيوية لا نعلم نحن كنهها، ولكننا نلمس آثارها، إذ يتحول الشهيد إلى طاقة خلَّاقة مؤثِّرة في البيئة التي عاش فيها الشهيد، تصنع الناس وتخلق فيهم الانتماء العقائدي والفكري إلى المشروع الذي استشهِد من أجله الشهيد، وهذا ما بيَّنه الله تعالى بقوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿البقرة: 154﴾.

تكشف الآية أن الشهيد لا تنقطع حياته بموته، ومن آثار هذه الحياة استمرار تأثيره الرسالي في الأمة، حتى يتجاوز حدود زمانه ومكانه. فالشهادة انتقال من التأثير المحدود إلى التأثير الممتد اللامحدود.

الإنسان الحَيُّ يؤثِّر ضمن حدود زمانه ومكانه، أما الشهيد فإنه يتحول إلى فكرة، وإلى شاهد. والفكرة أبقى من الجسد، وتغدو شهادته حاضرةً في ضمير الأمة، تردعها عن التخلي عن مبادئه. فالحياة في المنظور القرآني ليست حركة بيولوجية وحسب، وإنما هي القدرة على التأثير والهداية وصناعة الواقع، ومن هذه الزاوية تصبح الشهادة شكلًا أرقى من أشكال الحياة العادية المألوفة للناس.

ولهذا كانت فاعلية الحسين (ع) بعد شهادته عظيمة لدرجة أنه (ع) لم يزل هو والذين استُشهِدوا معه يصنعون الواقع، على الرغم من مضي أربعة عشر قرنًا على شهادتهم، لقد سقطت أجسادهم في كربلاء، لكن مشروعهم الإلهي بدأ رحلته الكبرى التي لا تقف أمامها عقبة مهما عظُمَت.

إن الناس عادة يقيسون الانتصار بالموازين المادية الدنيوية، فالمنتصر عندهم هو الذي يقتل عدوه ويبقى هو، وهو الذي يسيطر على الأرض والسلطة، بينما الشهادة من منظور الحسين (ع) هي فتح، والفتح غير النصر، فقد ينتصر جيش في معركة، ولكن نصره لا يعدو كونه نصرًا تكتيكيًا، بينما الفتح يعني زوال العقبات أمام المشروع ليدوم ويبقى، لقد استشهد الحسين(ع) وصحبه ماديًا، ولكنهم انتصروا في معركتهم الحضارية، وانتصرت معهم القيم التي خرجوا من أجلها، ولهذا فإن الفتح الذي تحدّث عنه الإمام (ع) لم يكن فتحًا عسكريًا آنيًا، بل فتحًا حضاريًا ورساليًا ممتدًا عبر التاريخ.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل