تناول آية الله علي أكبر رشاد، خلال ندوة بعنوان «دراسة الأسس الفقهية والقرآنية والكلامية للثأر في الإسلام»، دراسةً مقارنةً للمصطلحات والمفاهيم العرفانية والأبعاد السياسية لقضية الثأر. وأوضح في كلمته أن مفهوم «الثأر» تطوّر من كونه تقليدًا سائدًا في الجاهلية إلى كونه «نهضة وحركة إلهية»، مؤكدًا أن الثأر للإمام الحسين (عليه السلام) لا يُعد فعلًا فرديًا، بل هو مواجهةٌ منهجيةٌ للمناهج اليزيدية عبر مختلف العصور، وفي مقدمتها – بحسب تعبيره – قوى الاستكبار في العصر الحاضر.
وأفادت وكالة إكنا أن ندوة «دراسة الأسس الفقهية والقرآنية والكلامية للثأر في الإسلام» عُقدت في مقر منظمة الدعوة الإسلامية، بحضور آية الله علي أكبر رشاد، رئيس المجلس الأعلى للحوزة العلمية في محافظة طهران، وآية الله التحريري، أستاذ الأخلاق في الحوزات العلمية بطهران، وحجة الإسلام خسرو بناه، أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية. وفيما يلي النص الكامل لكلمة آية الله علي أكبر رشاد:
إذا أردنا الحديث عن «فقه نهضة الثأر»، فعلينا أولًا أن نبحث في معنى كلمة «ثار» من الناحية اللغوية والاصطلاحية والتاريخية والثقافية، وأن نتتبع التحولات التي طرأت على فهم هذا المصطلح عبر القرون، وما اكتسبه من دلالات في الأدبيات المقدسة والنصوص الدينية والتراث الشيعي. ولتوضيح ذلك، سأعرض الموضوع في عدة محاور.
أولًا: الدراسة اللغوية، وثانيًا: التاريخ الثقافي. فكلمة «ثار» من الألفاظ العريقة والعميقة التي تحمل في طياتها إرث ثقافتين: ثقافة الجاهلية والثقافة الإسلامية. وهي ليست مجرد لفظ ذي معنى لغوي أو اصطلاحي بسيط، بل تحمل مضامين ثقافية واسعة. ومن ثم، فإنها في العصر الإسلامي، وفي النصوص المقدسة والأدبيات الدينية، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها كلمةً لغوية فحسب، وإنما باعتبارها مصطلحًا غنيًا بالدلالات والمعاني.
وفي استعراض الخلفية التاريخية والثقافية، ينبغي الإشارة إلى أن «الثأر» في عصر الجاهلية كان تقليدًا يقضي بأنه إذا قُتل أحد أفراد القبيلة وجب المطالبة بدمه. وكانت لهذا التقليد قواعد خاصة، اتسم بعضها بالظلم، إذ لم يكن الاقتصاص يقتصر على قاتل الشخص، بل كان يمتد إلى جميع رجال القبيلة التي ينتمي إليها، فتُرتكب بحقهم مختلف أعمال الانتقام. كما كانت هناك أعراف أخرى، منها أن رجال القبيلة يمتنعون عن تناول بعض الأطعمة، مثل اللحم، حتى يأخذوا بثأر القتيل. ومع ظهور الإسلام تغيّر هذا النهج، وأُقرّ مبدأ القصاص بوصفه السبيل المشروع، مع إخضاعه لضوابط وأحكام محددة.
أما النقطة الثانية فتتعلق بالجانب اللغوي؛ إذ إن مادة «ثار» مشتقة من الجذر «ثئر»، الذي يعني طلب الدم، أي السعي للمطالبة بدم المقتول. ومن ثم فإن «الثأر» يعني الانتقام من القاتل أو من أفراد القبيلة المقابلة، وكان من يقوم بذلك يُسمّى «ثائرًا»، أي طالب الثأر. وبوجه عام، فإن هذا المصطلح يُستخدم في اللغة للدلالة على مطالبة شخص بمعاقبة مرتكب جريمة ارتُكبت في حق غيره.

فيما يتعلق بالأدبيات الدينية، فإن لفظ «ثار» لم يرد في القرآن الكريم، لكنه ورد في بعض الأحاديث، ونهج البلاغة، والأدعية، والزيارات، ونصوص السلام. فعلى سبيل المثال، ورد في زيارة عاشوراء التعبير: «يا ثار الله». وقد قال بعضهم إن لفظ «الله» هنا مضافٌ إليه، وإن العبارة بمعنى «الثأر لله». وفي اللغة العربية قد يُستعمل المصدر أحيانًا بمعنى الفاعل أو المفعول، ويوجد نظير لهذا الاستعمال في اللغة الفارسية أيضًا. ولذلك قال بعضهم إن «ثار الله» تعني: «إن الله تعالى هو الطالب بالثأر»، أو «من يكون الله تعالى هو الطالب بثأره». وفي الحقيقة، لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يكون طالبًا بثأر الإمام سوى الله سبحانه وتعالى.
إن دم الإمام الحسين (ع) من العظمة والقدر بحيث لا يستطيع أحد غير الله سبحانه وتعالى أن يطالب بثأره. ولما كان الله تعالى يُجري إرادته بواسطة أوليائه، فإن الإمام المهدي (عج) هو في الحقيقة «الثائر» أو طالب ثأر الله، الذي سيظهر للأخذ بثأر سيد الشهداء (ع). وقد تُرجمت عبارة «يا ثار الله» في بعض الترجمات المبسطة بمعنى «دم الله»، إلا أنه من البديهي أن الله سبحانه وتعالى ليس جسمًا حتى يكون له دم. ويمكن تحليل هذا التعبير من زاويتين:
الأولى: الإضافة التشريفية والمجاز؛ فكما هو الحال في تعابير مثل «يد الله» و**«عين الله»**، فإن تعبير «ثار الله» أيضًا تعبير مجازي. فالمقصود أن هذا الدم بلغ من القداسة والرفعة بحيث إن ملكيته وولاية المطالبة به تعود إلى الله وحده، وكأنه دمٌ إلهي.
والثانية: مقام الفناء في الحق؛ فمن المنظور العرفاني، واستنادًا إلى الأحاديث، فإن العارفين الذين يفنون في الحقيقة الإلهية، تصبح أيديهم وأعينهم وآذانهم في مقام الفناء يد الله وعين الله وأذن الله، لأن وجودهم قد فني في الذات الإلهية. والإمام الحسين (ع) وأمير المؤمنين (ع) في أعلى مراتب الفناء في الذات والأسماء الإلهية، ولذلك فإن كل ما يصدر عنهما أو يُنسب إليهما يكتسب صبغةً إلهية. وفي هذا المقام يكون دم الإمام الحسين (ع) هو دم الله، لأنه قد فني في ذات الباري تعالى.
ومن الناحية اللغوية، يحتمل أن يكون لفظ «ثار» هنا قد استُعمل، بدلًا من المصدر، بمعنى اسم الفاعل، أي «ثائر» (طالب الثأر). وأحيانًا، وبسبب التخفيف في النطق أو التصحيف والتطور التدريجي في اللهجات، تُحذف بعض الحروف، كما في تحوّل كلمة «تتمذ» إلى «تلمذ» في بعض النصوص القديمة. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون معنى «يا ثار الله»: «يا طالب ثأر الله»؛ أي الذي يطلب الثأر بقصد العبادة والجهاد وفي سبيل تحقيق أوامر الله تعالى.
وفيما يتعلق باستعمال هذا التعبير في التاريخ، قال بعضهم إن النداء في تراكيب مثل «يا ثار عثمان» ليس موجَّهًا إلى المقتول، وإنما إلى أصحاب الحق في المطالبة بثأره (أهل الثارات). وفي هذا الموضع يكون المصدر قد استُعمل بمعنى الفاعل، أو وقع حذفٌ للمضاف. وبناءً على ذلك، فإن الثأر للإمام الحسين (ع) ليس مجرد عمل فردي، بل هو مسؤولية جميع الأحرار، وفي مقدمتهم الإمام المهدي (عج). وطبقًا للروايات، فإن دم سيد الشهداء (ع) لن يبقى بلا ثأر أبدًا. غير أن القصاص هنا يتجاوز مجرد العقوبة القانونية أو قتل القاتل؛ لأن القاتل المعنوي لا يُقتص منه بالضرورة بموته الجسدي.
وجاء في بعض الروايات أن الإمام (عج) سينتقم في عصر الرجعة، إلا أن الهدف النهائي ليس الانتقام من شخص الشمر الملعون أو من أمثاله، وإنما مواجهة التيارات اليزيدية الممتدة عبر التاريخ؛ أي يزيديي العصر الحاضر. وإن مقاتلينا اليوم، حين يخوضون المعارك، إنما يأخذون بثأر دم الإمام الحسين (ع) من أعداء العصر.
وفي هذا السياق، طرح الدكتور علي شريعتي في كتابه «الحسين وارث آدم» نظرية اعتبر فيها تعبير «ثار الله» مضمونًا عامًا وشاملًا، ومفهومًا يتجاوز الألفاظ البسيطة، ليكون في الحقيقة فكرًا، ومذهبًا، وفلسفةً للتاريخ. ورغم أن شريعتي كانت لديه بعض الإشكالات في زمانه، فإن ما طرحه آنذاك كان أفكارًا جديدة، واستطاع أن ينقذ كثيرًا من الشباب من الماركسية، وإن لم يخلُ من شبهة النزعة الاشتراكية.
ومنذ قصة هابيل وقابيل، أول قتيل وأول شهيد في التاريخ، وحتى ظهور الإمام المهدي (عج)، كان الثأر للمظلومين هو المحرك للتاريخ، وسبب الثورات، وفي قلب هذا المسار يقف سيد الشهداء (ع). وإذا أردنا تحليل هذه القضية من زاوية موضوعية، فإننا نجد أن هذه التعابير ليست مجرد ألفاظ لغوية، بل هي ألفاظ ذات دلالات متسعة؛ أي إننا نستخلص من اللفظ الواحد حمولات معنوية وثقافية متعددة، فلا يُفهم من لفظ «ثار» معناه اللغوي فحسب، بل يحمل دلالات أوسع بكثير تتجاوز المعنى اللغوي.
فعلى سبيل المثال، فإن كلمة «ثار» تعني في أصل اللغة المطالبة بالثأر، لكنها في الاستعمال اكتسبت معنى الهيجان والانتفاض، ومنها اشتُقت كلمة «الثورة». ولذلك فإن شعار «يا لثارات الحسين» يعني دعوة المجتمع إلى نهضة، وانتفاضة، وحركة، تفضي في النهاية إلى الثورة العالمية وظهور المنصور. وقد وردت هذه المفاهيم أيضًا في نهج البلاغة وفي روايات الإمام الصادق (ع)، حيث قال إن أحدًا من أهل الأرض لا يستطيع أن يأخذ بثأر سيد الشهداء إلا إذا كان ذلك من قبل الله تعالى. كما أن ألفاظ القصاص والثورة والعقوبة والانتقام جميعها تتقاطع مع لفظ «الثأر»، وإن كانت توجد بينها فروق دقيقة.

وفي بحث الأحكام، نواجه الأركان الأربعة والأحكام التكليفية الخمسة. وفي الأحكام الوضعية أيضًا تُطرح مباحث مثل الحدود والثغور، ومشروعية الحقوق. وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى أن معركتنا مع القوى العالمية، من الولايات المتحدة والغرب إلى الصهيونية، لن تنتهي ما لم يُقضَ على مذهبها ونهجها. فعلى سبيل المثال، فإن قتل شخص مثل ترامب (الذي وصفه بالغامر وسفّاك الدماء) لا يُعدّ، بحدّ ذاته، تحقيقًا للثأر؛ لأن هدفنا هو القضاء على الثقافة والمنهج اللذين يقتلان المعصوم.
وينطبق هذا الأمر أيضًا على الإمام المعصوم؛ فعندما قال أمير المؤمنين (ع): «یک ضربه شمشیر بزنید»، لم يكن المقصود مجرد الإذن بقتل شخص واحد، بل كان المعنى أن لكم هذا الحق، غير أن الهدف لم يكن القضاء على فرد بعينه، وإنما القضاء على الثقافة والمنهج اللذين يناصبان المعصوم العداء. وما دام هذا المنهج قائمًا، فإن الثأر لم يكتمل بعد. وهذه هي الرؤية الحكيمة التي ينبغي اعتمادها في تشييع عظيمٍ كـالشهيد [رضوان الله عليه]…
وحتى لو لم يُراعَ جانب الدقة الكافية في بعض الاختيارات، فإن ذلك يدل على أن الله سبحانه قد تصرف في قلوبهم. وفي الحقيقة، نحن نريد أن نبدأ داخل الوسط الشيعي بطرح قضية «الثأر»، غير أنه ينبغي أن يُعلم أن هذه البداية لا تعني النهاية. فاستشهاد الإمام الحسين (ع) كان بداية ثأرٍ تاريخي، لن ينتهي في عصرنا، ولن نشهد نحن أو الأجيال القادمة نهايته.
ونحن نترقب تلك المرحلة من التاريخ التي يظهر فيها الإمام، وتقع فيها الثورة العالمية. وأملنا أن ننال الشهادة في ركاب ذلك الإمام، وأن نكون من الذين يوفقون لإدراكه، سواء قبل ظهوره أو بعده، وأن نكون إلى جانبه. وأنا هنا مجرد ناقل، وأقول إن وجود الحجة (الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف) أمرٌ قطعي، وتوجد أدلة كثيرة تثبت ذلك.
ولا يمكن للإمام المعصوم أن يكون غير مبالٍ بأوضاع الشيعة والأمة الإسلامية؛ فهو يتصرف حتمًا في شؤون الأمة، كما أن آثاره وتصرفاته الظاهرة مشهودة. وكل هذه الأدلة تدل على أن لذلك الإمام نوابًا، وأن الذين يتولون اليوم أمر الولاية هم أولئك النواب الخاصون، أي هؤلاء الفقهاء. وعليه، فإن هدايتنا ينبغي أن تكون من خلالهم [أي ولي الأمر].
ويجب الالتفات إلى أن لمفاهيم الألفاظ أثرًا بالغًا، وأن علينا أن نولي إشاراتهم وتوجيهاتهم العناية اللازمة. غير أنه ينبغي، في هذا المسار، الاجتناب بشدة من كل إفراط أو تفريط من شأنه أن يُلحق الضرر بالتماسك، والوحدة الوطنية، ووحدة الجبهة؛ لأن مثل هذه الأعمال محرّمة. وعلينا أن نلتزم بهذه الثوابت، وأن نجعل أعيننا وآذاننا مصغية لأوامر وليّ الأمر، حتى نتمكن من السير في الطريق الصحيح. وإن شاء الله نمضي في هذا الطريق متوكلين على الله.