رسول حسين ابو السبح
لم تعد المقارنة بين الحكومة الإسلامية والديمقراطية مجرد نقاش سياسي، بل تحولت إلى معركة فكرية يتداخل فيها الدين والفلسفة والسياسة، وبينما يقدّم البعض الديمقراطية بوصفها النموذج النهائي للحكم، يصوَّر الحكم الإسلامي في كثير من الأحيان باعتباره مشروعًا لتقييد الحريات ومصادرة إرادة الإنسان، غير أن هذا التصوير يطرح سؤالًا جوهريًا، هل الإشكال في النظام الإسلامي نفسه، أم في الصورة التي رُسمت له؟
كثير من المنتقدين للحكومة الإسلامية لا يناقشونها من زاوية فلسفتها أو مبادئها، وإنما من خلال تصورات مسبقة تشكلت تحت تأثير السرديات السياسية الغربية والإعلامية الحديثة، فتتحول الشريعة إلى مرادف للتشدد، بينما تُقدَّم الديمقراطية على أنها الضامن المطلق للحرية، مع أن الديمقراطية في حقيقتها نظام بشري يقوم على اجتهادات الإنسان، ويقبل التعديل والتغيير، بل وحتى الاعتراف بخطئه عندما تتغير الموازين الاجتماعية والسياسية، كما وهناك تجارب ديمقراطية اثبتت فشلها الذريع والصريح.
أما الحكومة الإسلامية، وفق التصور الإسلامي، فتنطلق من مرجعية مختلفة تمامًا، إذ تستند إلى أحكام إلهية تتصف بأنها أسمى من الأهواء والمصالح المتغيرة، وأن غايتها تحقيق العدل وحفظ كرامة الإنسان وصيانة المجتمع، ومن هنا، فإن الاختلاف بين النظامين ليس في آليات الإدارة فحسب، بل في مصدر التشريع ذاته، هل تكون المرجعية للوحي، أم لإرادة الأغلبية واجتهاد البشر؟
يُقال إن الحكم الإسلامي يقيد الحريات، لكن من الضروري التمييز بين الحرية بوصفها مسؤولية، وبين الحرية بوصفها انفلاتًا من كل قيد، فكل نظام قانوني في العالم يضع حدودًا للسلوك الإنساني، ويمنع أفعالًا ويجيز أخرى، وعندما يضع الإسلام ضوابط أخلاقية وتشريعية، فإنه يقدمها باعتبارها جزءًا من منظومة قيمية تهدف إلى حماية الفرد والمجتمع، لا باعتبارها عقوبة على الإنسان أو حربًا على رغباته.
وفي المقابل، فإن رفض هذه الضوابط بدعوى الحرية لا يجعلها خاطئة بالضرورة، كما أن الشعور بالضيق من الالتزام لا يعد دليلًا على وجود خلل في الشريعة، بل قد يكون تعبيرًا عن اختلاف في النظرة إلى معنى الحرية وحدودها.
ومن أكثر الطروحات تداولًا اليوم، أطروحة الديمقراطيين التي تحاول وضع الوطنية في مواجهة الدين الإسلامي لخلق فجوة وجبهة جديدة تحارب فيها الحكومة الإسلامية، وكأن الانتماء إلى الإسلام يلغي حب الوطن، والحقيقة أن الإسلام لم يدعُ يومًا إلى كراهية الأوطان أو التخلي عنها، بل حفل التراث الإسلامي بنصوص ومواقف تؤكد قيمة الأرض والمجتمع والدفاع عنهما، غير أن الإسلام، في الوقت نفسه، لا يجعل حدود الدولة هي الإطار الأعلى للقيم، لأن رسالته موجهة إلى الإنسان أينما كان، وتتجاوز الحدود الجغرافية والقومية.
ولو كانت رسالة الإسلام محصورة في وطن أو قومية بعينها، لما خرجت من مكة إلى بقية العالم، ولما حملت خطابًا يصف نفسه بأنه رحمة للناس كافة، ولهذا فإن تقديم الدين على الوطن، في الرؤية الإسلامية، لا يعني إلغاء قيمة الوطن، وإنما يعني أن المرجعية العقدية والأخلاقية لا تُختزل في حدود سياسية رسمها البشر.
ولعل أبرز مثال معاصر على تجاوز الدولة الإسلامية لحدودها الجغرافية في البعد الإنساني والعقائدي هو تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تبنّت منذ قيامها مبدأ نصرة المستضعفين بوصفه التزامًا دينيًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا، فدعمها لقضايا وشعوب خارج حدودها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب مساندتها لقوى واجهت الاحتلال والإرهاب في أكثر من ساحة، يعكس فلسفة ترى أن مسؤولية الدولة الإسلامية لا تتوقف عند حدود الخريطة، بل تمتد إلى حيث يوجد ظلم أو احتلال أو استضعاف، وسواء اتُّفق مع سياساتها أو اختلف معها، فإن هذه التجربة تقدّم نموذجًا عمليًا لفكرة أن الإسلام لا يحصر رسالته داخل حدود قومية ضيقة، وإنما ينظر إلى الإنسان وقضاياه بمنظار أوسع من الجغرافيا والسيادة التقليدية
ومن اللافت أن خصوم الإسلام كثيرًا ما يصفونه بدين العنف والتطرف، بينما يغفلون أن القرآن الكريم يفتتح سوره بالبسملة التي تتضمن اسمي الله، الرحمن والرحيم، في تأكيد متكرر على أن الرحمة تمثل الأساس الذي تنطلق منه الرسالة الإسلامية، وهذا لا ينفي وجود أحكام للردع والعقوبات، لكنه يضعها ضمن منظومة تشريعية ترى أن العدل والرحمة ليسا نقيضين، بل متكاملين.
إن النقاش حول الحكومة الإسلامية لا ينبغي أن يقوم على الصور النمطية أو المخاوف المسبقة التي تزييفها السردية الغربية، بل على فهم فلسفة كل نظام ومصادره وأهدافه، فالديمقراطية تجربة بشرية قابلة للتطوير والنقد والتغيير، والحكومة الإسلامية، في التصور الديني، تقوم على مرجعية يعتبرها المؤمنون ثابتة ومتعالية على الأهواء البشرية، وبين هذين النموذجين يبقى الحوار العلمي والفكري هو السبيل الأمثل لفهم الاختلاف، بعيدًا عن التخوين أو التشويه.
فالخلاف الحقيقي ليس بين من يريد الحرية ومن يرفضها، بل بين رؤيتين مختلفتين لمعنى الحرية نفسها، ولمصدر القيم التي ينبغي أن تحكم حياة الإنسان والمجتمع.





