محمدٌ… رحمةٌ تجمع ولا تفرّق

ضيوف «عين الحياة» يقرأون السيرة النبوية في زمن الانقسام والتحديات

ليست ذكرى مولد النبي الأكرم محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ مناسبةً لاستعادة أحداث مضت فحسب، بل فرصة متجددة للعودة إلى السؤال الأهم: كيف نحمل أخلاق النبي إلى واقعنا؟ وكيف تتحول محبته من عاطفة في القلوب إلى منهج في التعامل، وموقف من الظلم، وجسر يقرّب بين الناس؟

هذا السؤال كان حاضرًا بقوة في النقاش الذي جمع ضيوف برنامج «عين الحياة»، حيث التقت أصوات وتجارب من بلدان وخلفيات متعددة عند حقيقة واحدة: أن شخصية النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لا يمكن اختزالها في جانب واحد؛ فهو نبي الرحمة، وفي الوقت نفسه صاحب الموقف أمام الظلم والعدوان، وهو القائد الذي بنى مجتمعًا، والعابد الزاهد، والإنسان الذي وسعت أخلاقه القريب والبعيد.

برنامج عين الحياة 25/8/2026
سماحة د. السيد نذير الحسني | العراق

الرحمة… مشروع إنساني لا يعرف الحدود

انطلق سماحة الدكتور السيد نذير الحسني من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، لافتًا إلى أن التعبير القرآني لم يحصر الرحمة المحمدية بمذهب أو طائفة أو قوم أو مساحة جغرافية.

فـ«العالمين» أوسع من الحدود الضيقة التي قد يرسمها البشر بينهم، والرسالة التي جاء بها النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ تتجه إلى الإنسان بما هو إنسان.

ومن هنا، تصبح الرحمة النبوية معيارًا للعلاقة مع الآخر، لا مجرد قيمة أخلاقية جميلة نتحدث عنها. إنها احترام لكرامة الإنسان، ورحمة بالضعيف، واحتضان للمنكسر، وسعي إلى جمع الناس بدل تفريقهم.

لكن الرحمة، كما أوضح النقاش، لا تعني الاستسلام أمام العدوان أو ترك المعتدي يعبث بأمن الناس وحقوقهم. فالشخصية النبوية نفسها التي وصفها القرآن بالرحمة هي التي واجهت حين كان الدفاع واجبًا.

وبذلك لا يظهر تعارض بين الرحمة والقوة؛ فالقوة حين تكون لحماية الإنسان وردّ الظلم تصبح جزءًا من الرحمة، فيما تتحول القوة المنفصلة عن الأخلاق إلى عنف لا يمت إلى الرسالة النبوية بصلة.

نبي الرحمة… ونبي الموقف

من أكثر الأفكار حضورًا في حديث الضيوف رفض الصورة التي تختزل الإسلام في السيف والصراع.

فالنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لم يؤسس علاقته بالناس على الإكراه، وإنما على الدعوة والحكمة والموعظة الحسنة، وكان خطابه حتى مع مخالفيه يحمل لغة تليق بمقام الإنسان.

وفي المقابل، لم تكن الرحمة النبوية انسحابًا من قضايا المجتمع أو صمتًا أمام العدوان. لقد جمعت شخصية الرسول بين صفات قد تبدو متباعدة للوهلة الأولى: اللين والحزم، الزهد والقيادة، العبادة وإدارة المجتمع، الرحمة والشجاعة.

وفي ختام إحدى المداخلات، وُصفت شخصية النبي بأنها شخصية فريدة «جمعت في صفاتها الأضداد»: قريب من أصحابه حتى يبدو واحدًا منهم، ومهيب في نفوسهم في الوقت نفسه؛ رحيم في مواضع الرحمة، وفي مقدمة المدافعين حين تشتد المواجهة.

وهذه الثنائية هي التي تمنح السيرة قدرتها على مخاطبة الإنسان في كل عصر؛ لأنها لا تقدم نموذجًا منقطعًا عن الواقع، بل شخصية قادرة على الجمع بين الأخلاق والمسؤولية.

برنامج عين الحياة 25/8/2026
هيلانة عطالله | شاعرة وأديبة مسيحية

حين يتحول الاختلاف إلى مساحة للقاء

ومن أكثر لحظات الحوار دلالةً، شهادة الشاعرة والأديبة هيلانا عطا الله، التي تحدثت من موقعها كامرأة مسيحية عن تجربتها الإنسانية في إيران.

قالت إنها جاءت «وقلبها مثقل بالجراح»، لكنها وجدت ما أعاد إليها شيئًا من الطمأنينة، مستحضرةً مقولة أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ: «الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».

بالنسبة إليها لم تبق هذه العبارة نصًا يُقرأ، بل قالت إنها لمست معناها في تفاصيل حياتها وتعاملها مع الناس.

وتحدثت كذلك عن إحساسها بالروحانية في مدينة قم، التي أطلقت عليها تسمية «خيمة الرحمن»، وعن التقارب الذي تشعر به في وجدانها بين رموز الطهارة في المسيحية والإسلام.

لم يكن حضور هذه التجربة في الحلقة تفصيلًا عابرًا؛ فهو يقدم نموذجًا عمليًا لمعنى أن تكون الرسالة الدينية مساحةً للتعارف والاحترام، لا أداةً لصناعة الجدران.

فحين تكون الأخلاق هي لغة التعارف الأولى، يمكن لاختلاف الدين أو المذهب أو القومية أن يتحول من سبب للتنازع إلى فرصة لاكتشاف المشترك الإنساني.

برنامج عين الحياة 25/8/2026
الشيخ حسين هينزانو | منشد من كينيا

محبة تتجاوز اللغة والجغرافيا

ومن كينيا، حمل الشيخ حسين هنزانه صورة أخرى عن امتداد المحبة النبوية خارج حدود العالم العربي.

تحدث عن الاحتفال بمولد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في كينيا منذ سنوات طويلة، وعن مشاركة مسلمين من اتجاهات ومذاهب مختلفة في هذه المناسبة، مؤكدًا أن وجود بعض الآراء الرافضة للاحتفال لم يمنع الناس من التعبير عن محبتهم بطريقتهم.

وكان لافتًا حديثه عن تعلم اللغة العربية، رغم أن السواحلية هي اللغة الأصلية في بلاده، من أجل الاقتراب من القرآن الكريم وتراث أهل البيت ـ عليهم السلام ـ.

هذه الصورة تختصر جانبًا من عالمية التجربة المحمدية: شعوب مختلفة، ولغات متعددة، وبيئات متباعدة، لكنها تلتقي عند اسم واحد وقيم واحدة.

فالمحبة التي تعبر القارات لا تحتاج دائمًا إلى لغة واحدة؛ قد تختلف الكلمات والألحان، لكن المعنى يبقى مفهومًا.

الوحدة ليست شعارًا للمناسبات

الرسالة الأكثر إلحاحًا في كلمات السيد نذير الحسني كانت الدعوة إلى تحويل ذكرى المولد إلى مناسبة حقيقية لنبذ الطائفية والفرقة.

فالاجتماع تحت «خيمة محمد» ـ كما عبّر ـ لا ينبغي أن يبقى عنوانًا احتفاليًا، وإنما يتحول إلى موقف واضح من كل خطاب يسعى إلى تمزيق المجتمعات وإشعال الخلافات بين المذاهب والطوائف.

والمعيار الذي طرحه بسيط ومباشر: أن نقترب من كل صوت يجمع الناس على الخير، ونبتعد عن كل من يجعل من الدين وسيلة لبث العداوة.

وبهذا المعنى، تصبح الوحدة جزءًا من الوفاء للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لا مجرد مشروع سياسي أو ظرف مرحلي.

فالنبي الذي جمع الناس بعد تفرّقهم، وصنع من المجتمع المتنازع أمةً ذات رسالة، لا يمكن أن يكون اتباعه الحقيقي بابًا إلى مزيد من الانقسام.

من محبة النبي إلى صناعة الإنسان

ولم تتوقف الحلقة عند البعد الفكري، بل انتقلت إلى سؤال أكثر قربًا من الحياة اليومية: ماذا نصنع بهذه المحبة؟

أحد الضيوف دعا إلى أن تكون ذكرى المولد فرصةً لتعليم الأطفال سيرة النبي، وإدخال الفرح إلى بيوتهم، وربط المناسبة بالعطاء والجود وإكرام الأسرة والفقراء.

الفكرة هنا تتجاوز شكل الاحتفال إلى مضمونه.

فالطفل الذي يعرف النبي من خلال الرحمة والكرم والصدق واحترام الإنسان سيكون أكثر قدرة على فهم معنى الاقتداء به من طفل لا يرى في المناسبة سوى طقوس عابرة.

والأسرة التي تجعل من المناسبة فرصة للتراحم والتواصل وإدخال السرور تقدم لأبنائها درسًا عمليًا في السيرة لا يحتاج إلى الكثير من الشرح.

كيف نكون محمديين اليوم؟

ربما كان هذا هو السؤال الذي جمع كل خيوط الحوار.

أن تكون محمديًا اليوم لا يعني أن تكتفي بالحديث عن النبي أو إنشاد المدائح في محبته، مع ما لذلك من قيمة روحية ووجدانية، بل أن تحاول أن تجعل أخلاقه حاضرة في الطريقة التي تنظر بها إلى الناس.

أن تكون رحيمًا من دون ضعف. قويًا من دون ظلم. مختلفًا من دون كراهية. متمسكًا بمعتقدك من دون أن تنزع عن غيرك إنسانيته.

وأن تعرف أن الدفاع عن المظلوم، وجبر خاطر المنكسر، وإكرام الضعيف، ورفض الفتنة، وحفظ كرامة الإنسان ليست ملفات متفرقة، بل أجزاء من منظومة أخلاقية واحدة.

في زمن تتسع فيه مساحات الانقسام، وتختلط فيه صورة الدين أحيانًا بخطابات الغضب والكراهية، تعيد سيرة النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ طرح المعادلة بصورة أكثر وضوحًا:

الرحمة لا تلغي الموقف، والموقف لا يبرر القسوة، والمحبة لا تكتمل ما لم تتحول إلى عمل.

ولهذا تبقى شخصية النبي قادرة على جمع المختلفين حولها؛ لأنها لا تخاطب جانبًا عابرًا من الإنسان، بل تخاطب فيه حاجته إلى الرحمة والعدل والكرامة والأمان.

«كم بقي من محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ في أخلاقنا؟»

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل