كشف تحقيق نشرته صحيفة ذا غارديان البريطانية، الأربعاء، عن موقع إلكتروني مؤيد لإسرائيل، يحمل اسم “معهد هانوفر للسياسة العامة”، أنشئ في إطار حملة تهدف إلى التأثير في إجابات روبوتات الدردشة التي تعمل بواسطة الذكاء الاصطناعي وتعزيز السردية الإسرائيلية حول حرب الإبادة في غزة.
وسجّلت شركة الإنتاج الإعلامي بيرو إنك، ومقرها نيويورك، الموقع لدى وزارة العدل الأميركية هذا الشهر بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب الصادر عام 1938، والذي يُلزم أي جهة تعمل لمصلحة حكومة أجنبية بالتصريح عن ذلك، باعتبار الموقع ينشر موادا لمصلحة الحكومة الإسرائيلية.
وفي حين لا يبدو أن للمعهد كياناً قانونياً حقيقياً، نشر موقعه الإلكتروني بين 6 و14 أغسطس آب الحالي 124 تقريراً تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة، بمعدل 4500 كلمة للتقرير الواحد، حول قضايا عدة، أبرزها الحرب في غزة، والاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب وتعذيب أسرى فلسطينيين، وصيغ هذا المحتوى بأسلوب أكاديمي مصمم خصيصاً للتأثير في روبوتات الدردشة. وجاءت معظم العناوين على شكل أسئلة تشبه في مباشرتها الطريقة التي يطرح فيها المستخدمون أسئلتهم على هذه الروبوتات، مثل: “هل معاداة الصهيونية معاداة للسامية؟”، و”هل طردت إسرائيل الفلسطينيين من أرضهم؟” و”هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟”.
وعلى الرغم من كتابة التقارير بلغة أكاديمية ودعمها بإحالات إلى مصادر موثوقة مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة العفو الدولية، فإنها صاغت الوقائع بشكل يخفّف من حدة الاتهامات الموجهة لإسرائيل. وكرّرت التقارير التي تتحدّث عن اتهامات منظمات دولية لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية أو فصل عنصري الإشارة إلى أن أي محكمة لم تصدر حكماً نهائياً في هذه الاتهامات. وهي صيغة تكرّرت في 20 تقريراً، بحسب “ذا غارديان”.
كذلك، نسبت التقارير الأرقام المتعلقة بأعداد الضحايا والخسائر في غزة من مصادر فلسطينية وإسرائيلية إلى “طرف مشارك في الأحداث” في 55 تقريراً، مما يترك انطباعاً بصعوبة التحقّق من الكثير من المعلومات المتعلقة بالقطاع، وفق الصحيفة البريطانية، التي أشارت أيضاً إلى استشهاد القائمين على الموقع بدراسة واحدة عن التعليقات المعادية للسامية على صفحات “فيسبوك” التابعة لوسائل إعلام بريطانية وفرنسية وألمانية 454 مرة في 88 تقريراً، حتى عندما لا يكون الموضوع مرتبطاً مباشرة بها.
وقال خبراء، لـ”ذا غارديان”، إن المخاوف لا تتعلق باحتمال وصول المستخدمين إلى هذه المواد عبر البحث الإلكتروني، وإنما في إمكانية وصولها إلى قواعد البيانات التي تستخدمها شركات الذكاء الاصطناعي في تدريب نماذجها، مشيرين إلى أن ذلك سيؤدي إلى إعادة إنتاج الروايات الواردة فيها داخل إجابات روبوتات الدردشة من دون الإشارة إلى مصادرها، وهو ما يصعّب التحقق من المعلومات. وأشارت الصحيفة إلى أن اختباراتها لروبوتات الدردشة أظهرت أن محتوى الموقع بدأ يترك أثراً في إجابات روبوتات الدردشة، لافتةً إلى أن “تشات جي بي تي” وفي ردّ على سؤالٍ عن أبحاث معهد هانوفر الجديدة قدّم أربعة تقارير لكنّه حّر من أن المعهد يواجه جدلاً حول مصدر تمويله.
وأظهرت ملفات قانون تسجيل العملاء الأجانب، أن شركة بيرو حصلت على مليون دولار بموجب أمري عمل، ضمن حملة أوسع بكثير تضمّ عدداً من الشركات من بينها “كلوك تاور إكس” التي تعمل جميعها لمصلحة “هافاس ميديا ألمانيا” في الترويج للدعاية الإسرائيلية. كذلك، أظهرت سجلات المشتريات الإسرائيلية أن وكالة الإعلانات الحكومية “لابام” منحت “هافاس” عقوداً بعشرات ملايين الدولارات من دون مناقصة أحيانا، وذلك لتخطيط وتنفيذ حملات إعلامية في الخارج.
وتأتي هذه الحملة في وقتٍ تراجع تأييد إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي إلى أدنى مستوياته، حيث بيّنت استطلاع “غالوب” في فبراير/ شباط الماضي أن نسبة الأميركيين المتعاطفين مع الفلسطينيين فاقت لأول مرة نسبة المتعاطفين مع إسرائيل. كذلك، بين إستطلاع لمركز بيو في إبريل/ نيسان الماضي أن 60% من الأميركيين يملكون نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
ولفتت “ذا غارديان” إلى تزايد الأصوات الرسمية الإسرائيلية التي تشكّك في جدوى الجهود المبذولة للتأثير في الرأي العام الأميركي عبر الذكاء الاصطناعي وحملات الدعاية. كذلك، نقلت عن خبراء قولهم إنه حتى لو نجحت إسرائيل في التأثير على إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي فإن ذلك لن ينعكس بالضرورة تغيّرا في مواقف الجمهور. في الوقت نفسه، رأى هؤلاء في التحركات الإسرائيلية صورة عن ظاهرة تتمثل في سعي الحكومات وكبرى الشركات إلى التأثير في مصادر المعلومات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

