اکد رئيس الهيئة الإدارية لتجمع العلماء المسلمین فی لبنان “سماحة الشيخ الدكتور حسان عبد الله”: فلنجعل من ذكرى مولد نبي الرحمة مناسبةً لتجديد عهدنا بالوحدة والعدل ونصرة المظلوم، ولنبذ الفتنة والتعصب والانقسام.
في ذكرى ولادة نبي الرحمة محمد (ص) وولادة حفيده الإمام جعفر الصادق (ع) وأسبوع الوحدة الإسلامية أقام الملتقى العلمائي من أجل فلسطين بالتعاون مع الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين حفلاً بالمناسبة، شارك فيه وفد من تجمع العلماء المسلمين، وألقى رئيس الهيئة الإدارية سماحة الشيخ الدكتور حسان عبد الله كلمة قال فيها:
إن نبيَّنا الكريمَ الذي يؤلِمُهُ ما يتعرض له المسلمون اليوم من حملة تهدف إلى القضاء على محور المقاومة وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لن نستطيعَ مواجهتها متفرِّقينَ بل لا بدَّ من الوَحدةِ سبيلاً وحيداً لتحقيق النصر على أعداء الأمة والدين.
وعلينا أن نعلَمَ أنَّ كلَّ قوى الكُفرِ اليومَ تسعى لإيقاعِ الفُرقَةِ بينَ المسلمينَ كي يضرِبَ بعضُهم رقابَ بعضٍ فَيَسْلَمَ الكفرُ وتضيعُ أمَّةُ الإسلامِ ويذهَبُ ريحُها فتُصبِحُ أمةً ضعيفةً لا يُحسَبُ لها أيُّ حساب.. وهذا ما حذَّرَنا منه الله سبحانه وتعالى عندما أمَرَنا بطاعتِهِ وطاعةِ رسولِهِ ونهانا عن التنازع حيثُ قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾..(الأنفال:46)
انطلاقاً من جميع ما تقدّم يهمنا في تجمع العلماء المسلمين أن نؤكد على النقاط التالية:
تأتي هذه الذكرى في سنة نشعر فيها بثقل الغياب، فهي ذكرى المولد النبوي الأولى التي تمرّ والإمام السيد علي الخامنئي قدس سره ليس بيننا بشخصه، بعدما أمضى حياته مدافعاً عن قضايا الأمة ومستضعفي العالم، وداعياً إلى الوحدة الإسلامية، ومواجهة الاستكبار، ونصرة فلسطين وشعبها المظلوم.
وإذا غاب الإمام الخامنئي قدس سره عنا بجسده، فإن نهجه باقٍ ومستمر، لأن المبادئ التي حملها لا ترتبط بحياة شخص، بل تستمد قوتها من الإسلام المحمدي الأصيل ومن تطلعات الشعوب إلى الحرية والكرامة والاستقلال. وسيظل مشروع الوحدة الإسلامية الذي دعا إليه أمانةً في أعناق العلماء والمفكرين والقوى الحية في أمتنا، وستبقى دعوته إلى تجاوز الخلافات المذهبية والوقوف صفاً واحداً في مواجهة المشروع الصهيوني حاضرةً في وجدان الأحرار.
إننا في تجمع العلماء المسلمين نعلن رفضنا لاتفاق الإطار، وما يتفرع عنه من مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني، لما يحمله هذا المسار من مخاطر نقل لبنان من موقع الدولة المعتدى عليها إلى مسار سياسي قد يُستغل لفرض الإملاءات والشروط الإسرائيلية عليه، أو لمقايضة حقوقه السيادية الثابتة بالتزامات تمس عناصر قوته وقدرته على الدفاع عن نفسه.
إن لبنان لا يحتاج إلى اتفاقات تمنح العدو مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها بالحرب، بل يحتاج إلى موقف وطني موحد يحفظ حقوقه وثوابته. لقد أثبت تاريخ الصراع أن المقاومة، إلى جانب الجيش والشعب، كانت العامل الأساسي في تحرير الأرض وحماية السيادة وردع العدوان.
ومن هنا نؤكد أن المقاومة حق مشروع، وأنها ستبقى السبيل الفاعل لحماية لبنان ما دام الاحتلال قائماً والعدوان مستمراً والأطماع الصهيونية تهدد أرضنا ومياهنا وثرواتنا ومستقبل أبنائنا. وفي مواجهة هذا الخطر، ندعو جميع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم واتجاهاتهم السياسية، إلى الترفع عن الانقسامات والحسابات الضيقة، وإلى الاجتماع حول مصلحة لبنان العليا. فالعدو الصهيوني لا يميز في عدوانه بين لبناني وآخر، وأطماعه لا تستهدف فئة أو طائفة بعينها، بل تستهدف لبنان بأرضه وشعبه وثرواته ودوره.
إن الوحدة الوطنية اليوم ليست ترفاً سياسياً، وإنما هي خط الدفاع الأول عن لبنان. ولذلك ندعو إلى عقد طاولة حوار وطني جامعة، تشارك فيها جميع القوى السياسية والوطنية، لبحث مستقبل التوجهات السياسية والاستراتيجية للدولة اللبنانية في مواجهة الأطماع الصهيونية، بعيداً عن الاستقواء بالخارج وعن محاولات فرض الخيارات المصيرية على اللبنانيين من دون توافق وطني حقيقي.
وينبغي أن يبحث هذا الحوار في كيفية بناء استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن لبنان، تستفيد من عناصر قوته وفي مقدمتها الجيش والشعب والمقاومة، وتحمي سيادة الدولة وقرارها الوطني، وتمنع العدو من تحويل الانقسامات الداخلية إلى مدخل لتحقيق أهدافه. وفي هذه المناسبة العظيمة، نجدد التأكيد أن فلسطين ستبقى القضية المركزية للأمة الإسلامية والعربية، مهما اشتدت محاولات تصفيتها أو تهميشها. وإن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتهجير وتجويع وتدمير لا يمكن فصله عن المشروع الصهيوني التوسعي الذي يهدد لبنان وسوريا والمنطقة بأسرها. ولن يتحقق أمن أو استقرار حقيقيان ما دام الشعب الفلسطيني محروماً من حقوقه، وما دام الاحتلال جاثماً على أرضه ومقدساته.
وفي الشأن اللبناني، ندعو الدولة اللبنانية إلى اعتماد مفاوضات غير مباشرة، عبر الأمم المتحدة والوسطاء الدوليين، تستند إلى القرار الدولي 1701، وتهدف بصورة واضحة إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات والانتهاكات، وإطلاق الأسرى، وتأمين عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم بكرامة وأمان، وبدء عملية جدية لإعادة الإعمار والتعويض على المتضررين.
إن العودة إلى القرار 1701 لا ينبغي أن تكون انتقائية أو وسيلة لفرض الالتزامات على لبنان وحده، بل يجب أن تبدأ بإلزام العدو بوقف عدوانه وانتهاكاته، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه. فلا يجوز أن يبقى الاحتلال قائماً، وأن تستمر الاعتداءات، ثم يُطلب من لبنان وحده تقديم التنازلات والضمانات.
فلنجعل من ذكرى مولد نبي الرحمة مناسبةً لتجديد عهدنا بالوحدة والعدل ونصرة المظلوم، ولنبذ الفتنة والتعصب والانقسام. ولنعمل معاً من أجل أمة قوية موحدة، ولبنان حر عزيز سيد ومستقل، وفلسطين محررة، ومنطقة تنعم شعوبها بالكرامة والأمن والسلام القائم على الحق والعدالة، لا على الاحتلال والإخضاع.
كل عام والأمة الإسلامية بخير، وكل عام ولبنان أكثر وحدةً ومنعةً وسيادة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





