*قوة تتجاوز حسابات العالم*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٤٦٥، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

📩 قراءة في مكانة قوة إيران في النظام العالمي الراهن، في افتتاحية العدد الجديد من مجلة «صوت إيران»..

✍️ أكد سماحة آية الله العظمى السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، قائد الثورة، في رسالة بمناسبة أسبوع الدفاع المقدس وذكرى استشهاد الشهيد السيد حسن نصر الله:

🖼 *«إن تلك الأيام التي يرغبون في إعادة بلادنا إليها كانت أيامًا مليئة بالتخلف والذل والهوان والتبعية، وكانت إيران فيها موضع سمعة سيئة في العالم الإسلامي؛ أما هذه الأيام التي نعيشها فهي مليئة بالتقدم والعزة والاستقلال، وبأعلى درجات الاعتبار في العالم الإسلامي، بل وفي العالم كله. واليوم هناك من يعتبرنا رابع قوة عظمى في العالم. وبالطبع، هم يقولون ذلك وفق الحسابات الدنيوية؛ لكن وفق الحسابات الإلهية، فإن البلد الذي يرى نفسه منتميًا إلى العترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والذي يرتبط معظم أبنائه بأولئك العظماء ولا يخافون في إقامة الحق، هو القوة الأولى في العالم»*.

👈 إن هذا الوصف الذي يقدمه قائد الثورة للظروف الراهنة لإيران على الصعيدين الإقليمي والعالمي هو أمر اعترف به أيضًا عدد من المفكرين الغربيين ووسائل الإعلام المختلفة حول العالم. ويرى كثيرون أن فشل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في عدوانهما على إيران في شهر إسفند/ آذار ٢٠٢٦، كان رمزًا لهذه القوة.

لكن قوة إيران لم تولد في عام 2026. فما يتحدث عنه العالم اليوم باعتباره ظهور إيران كقوة عظمى هو نتيجة مسار امتد قرابة خمسة عقود، بدأ بانتصار الثورة الإسلامية، وتشكّل تدريجيًا في مجالات سياسية ودفاعية وعلمية وتقنية وإقليمية متعددة. ولم تكن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بداية هذا المسار؛ بل كانت اللحظة التي ظهرت فيها القوة المتراكمة لإيران أمام أنظار العالم وأثبتت نفسها.

🔹️ *الثورة الإسلامية أسست الركيزة الأولى لهذه القوة: الاستقلال السياسي.*
فبعد الثورة، قررت إيران أن تبني سياستها الخارجية وأمنها على أساس إرادتها المستقلة. وقد بلغ هذا الاستقلال، خلال السنوات الأولى للثورة، أكبر اختبار له مع الحرب المفروضة. إذ صمدت إيران أمام حرب واسعة النطاق، وأدت تجربة ثماني سنوات من الدفاع المقدس إلى تغيير مسار بناء قدرة دفاعية مستقلة بصورة دائمة.

👈 بعد الحرب، لم يتوقف هذا المسار، بل دخل مرحلة جديدة. فقد أدى تطوير الصناعات الدفاعية، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والبحرية والدفاعية، ثم التكنولوجيا الفضائية والحرب الإلكترونية، تدريجيًا إلى تشكيل مجموعة من القدرات الاستراتيجية في إيران.

وفي الوقت نفسه، تطورت الجامعات والمراكز العلمية، وحققت إيران قدرات في مجالات مثل التكنولوجيا النووية، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، والطب، والصناعات الفضائية، والتقنيات الحديثة، وهي قدرات تشكل اليوم جزءًا من القوة الوطنية الإيرانية.

➕ وإلى جانب ذلك، بنت إيران قوة لها في بيئتها الإقليمية أيضًا. فقد أدى توسيع العلاقات الاستراتيجية، وزيادة العمق الإقليمي، وامتلاك القدرة على التأثير في تطورات غرب آسيا، إلى جعل مكانة إيران تتجاوز حدودها الجغرافية. ومن ثم، فإن قوة إيران الحالية ليست نتاج عامل واحد، بل هي حصيلة تراكم عناصر متعددة للقوة على مدى عدة عقود.

🗓 لكن عام 2026 شهد اختلافًا أساسيًا: فللمرة الأولى اختُبرت هذه القوة في مواجهة مباشرة وواسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

دخلت واشنطن وتل أبيب المواجهة انطلاقًا من تصور مفاده أن التفوق العسكري يمكن أن يجبر إيران خلال فترة قصيرة على قبول إرادتهما. لكن ذلك لم يحدث، فلم تكتفِ إيران بتحمل الضربة، بل ردت بقوة، وحافظت على بنيتها وعززتها، ولم تسمح للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها المتوهمة. وحتى وفق ما أقرّت به مراكز فكرية غربية، كانت الولايات المتحدة الخاسر الأكبر في هذه الحرب، وأن صانعيها وجدوا أنفسهم أمام مأزق هذا الفشل. وهذه هي النقطة الأهم في المسألة.

🔹️ في السياسة الدولية، لا يعني الانتصار مجرد إلحاق الضرر بالطرف الآخر؛ فالمعيار الأساسي هو:
هل تمكنت الدولة المهاجمة من فرض أهدافها الأولية أم لا؟

ومن هذا المنظور، ان الحرب الأخيرة كانت هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة، لأن واشنطن لم تتمكن من إضعاف إيران أو فرض أهدافها الأساسية على طهران. وفي المقابل، أظهرت إيران أن القوة التي بنتها على مدى عقود أثبتت فاعليتها في اختبار حقيقي.

🔹️ ولم يأتِ تأكيد هذا التحول من داخل إيران وحدها. فقد كتب “روبرت بيب”، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”: *«هناك مركز رابع للقوة العالمية يبرز بسرعة: إيران»*.
وبعد أيام كرر التحليل نفسه، وقدم إيران إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا باعتبارها واحدة من مراكز القوة الآخذة في التشكل.

وتكمن أهمية تحليل «بيب» في أنه لا يختزل قوة إيران في عدد المعدات العسكرية فقط، بل يلفت الانتباه إلى الموقع الجغرافي لإيران، ومضيق هرمز، وقدرة طهران على تغيير حسابات القوى الكبرى.

كما تناولت صحيفة “إنديا توداي” هذا التحول من خلال طرح سؤال عما إذا كانت إيران تتحول إلى *«رابع قوة عظمى في العالم»*.
وتناولت صحيفة “باكستان توداي” أيضًا، في تقرير بعنوان *«كيف تحولت إيران إلى رابع مركز للقوة العالمية؟»*، قدرة إيران على تحمل الضغوط، والحفاظ على بنيتها السياسية والعسكرية، والاستفادة من موقعها الجغرافي.

هذه التصريحات ليست سبب قوة إيران، بل هي مؤشرات على أن قوة إيران أصبحت ملحوظة خارج حدود البلاد.

لذلك، لا تعني القوة مجرد امتلاك أكبر جيش أو أكبر اقتصاد في العالم؛ بل تعني القدرة على تغيير حسابات الآخرين. فالدولة القوية هي التي تضطر القوى الكبرى، قبل اتخاذ القرارات المهمة، إلى حساب رد فعلها مرات عديدة.

ان إيران تقف اليوم في مثل هذا الموقع. فلا يمكن أن تتشكل أي بنية أمنية جديدة في غرب آسيا من دون إيران. ولا معنى لأي قرار مهم بشأن مضيق هرمز من دون أخذ حسابات طهران في الاعتبار، كما لا تستطيع أي قوة كبرى رسم مسار تطورات المنطقة من دون مراعاة القدرات الإيرانية.

ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى تعبير *«رابع قوة عظمى»* باعتباره أبعد من مجرد عنوان إعلامي. فمعناه، أن إيران وصلت إلى مستوى من القوة لم يعد من الممكن معه اعتبارها مجرد لاعب إقليمي.

إن رواية العالم اليوم، وفق الحسابات المادية، ترى إيران في المرتبة الرابعة بين مراكز القوة العالمية؛ وهي حسابات تقيس القوة من خلال الاقتصاد، والقدرة العسكرية، والتكنولوجيا، والموارد، وحجم التأثير في المعادلات الدولية.

لكن في *«الحسابات الإلهية»* يختلف معيار القوة أساسًا.

فوفق هذا المنظور، فإن الدولة التي ترى نفسها منتمية إلى العترة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، والتي يتعلق شعبها بأهل البيت، لا تبحث عن القوة فقط من خلال تراكم المعدات والثروة؛ بل إن الإيمان والصمود وعدم الخوف من التكاليف والاستعداد للدفاع عن الحق تمثل، جزءًا حقيقيًا وروحيًا من القوة.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

*﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.*

وهنا، فإن العلو، قبل أن يكون مرتبة مادية، هو نتيجة لحالة داخلية؛ أي أن الأمة لا تفقد إرادتها أمام تهديد وضغوط المستكبرين.

ومن هذا المنظور، فإن *«القوة الأولى»* تعني امتلاك إرادة لا تخشى الوقوف دفاعًا عن العقيدة والحق.

وبالتالي، إذا كانت إيران تُرى في الحسابات المادية بوصفها *«رابع مركز للقوة العالمية»*، فإنها في *«الحسابات الإلهية»* هي؛ *القوة الأولى في العالم*؛ لأن معيار التفوق هنا مختلف أساسًا: فالأمة التي تجمع الإيمان والاستقلال والإرادة والاستعداد للصمود في سبيل الحق إلى جانب قدراتها المادية، تمتلك قوة لا يمكن قياسها فقط بالمؤشرات التقليدية.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل