أكّد عضو الهيئة العلميّة في جامعة باقر العلوم (عليه السلام) أنّ الذكاء الاصطناعيّ يمكن أن يؤدّي دورًا مؤثّرًا في البحث والتعليم في مجال التراث الإسلاميّ، مشدّدًا على أنّه، نظرًا إلى احتمال وقوعه في الخطأ واختلاق المعلومات، لا يمكن اعتباره مرجعًا في المعتقدات الدينيّة والعمل بالشريعة.
في كلمةٍ ألقاها يوم الاثنين (5 أكتوبر 2026م) خلال الندوة العلميّة المعنونة بـ “الذكاء الاصطناعيّ والتراث الإسلاميّ” التي عُقدت على هامش الأسبوع الثقافيّ الإيرانيّ في روسيا بمدينة قازان الروسيّة، أوضح حجّة الإسلام والمسلمين أحمد واعظيّ، عضو الهيئة العلميّة في جامعة باقر العلوم (عليه السلام) وأستاذ العلوم الإسلاميّة، قائلًا: إنّ الذكاء الاصطناعيّ يختلف عن الحواسيب البسيطة التي كانت سائدةً في الماضي؛ فهو آلةٌ رقميّةٌ قادرةٌ على التعلّم، وهي قدرةٌ لم تكن متاحةً في الحواسيب التقليديّة آنذاك. ومن أبرز الفروق أيضًا قدرته على إنتاج المحتوى.
وتابع قائلًا: كانت الحواسيب في الماضي تقتصر على عرض التراث الموجود والمحتوى المتاح سابقًا، أمّا الذكاء الاصطناعيّ فيتولّى بنفسه إنتاج المحتوى، ويؤدّي أنشطةً في اتّجاه محاكاة الذكاء الطبيعيّ، وإن كانت هناك فروقٌ جوهريّةٌ بين الذكاء الاصطناعيّ والذكاء الطبيعيّ.
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين واعظيّ إلى النوعين الرئيسين من الذكاء الاصطناعيّ، قائلًا: لدينا الذكاء الاصطناعيّ التنبّئيّ والذكاء الاصطناعيّ التوليديّ. ففي المجال الاقتصاديّ وأسواق الأسهم، يستطيع الذكاء الاصطناعيّ التنبّئيّ، من خلال رصد حركة السوق، أن يقدّم توصياتٍ بشأن الإجراء الذي ينبغي اتّخاذه. وفي المجال الأمنيّ أيضًا، يمكنه التنبّؤ بالظروف والعوامل التي قد تهيّئ لوقوع الجرائم في المجتمع، أو أن يقدّم تحليلًا لسمات شخصيّات الأفراد.
وتابع: أمّا النوع الثاني فهو الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ، الذي يستطيع إنتاج محتوى متنوّع في مجالاتٍ مثل الأفلام والموسيقى، بل ويمكنه أيضًا تصميم المخطّطات المعماريّة للمباني. وتختصّ معظم نماذج هذا النوع من الذكاء الاصطناعيّ بتوليد النصوص، حتى إنّها قادرةٌ على تأليف الكتب وإنتاج محتواها.
وأشار عضو الهيئة العلميّة في جامعة باقر العلوم (عليه السلام) إلى صلة هذا الموضوع بالتراث الإسلاميّ، موضحًا: نظرًا إلى أنّ التراث الإسلاميّ، من القرآن الكريم إلى كتب التفسير والأحاديث ومصادرنا الأخرى، يقوم في معظمه على النصوص، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ القائم على معالجة النصوص هو موضع بحثنا الآن، ولا سيّما ما يتعلّق بإمكاناته ووظائفه في مجال التراث الإسلاميّ.
وبيّن حجّة الإسلام والمسلمين واعظيّ أربعة أهدافٍ ووظائف للذكاء الاصطناعيّ التوليديّ في مجال التراث الإسلاميّ، قائلًا: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ في أربعة مجالاتٍ رئيسةٍ؛ أوّلها أنّه يمكن أن يتحوّل إلى مساعدٍ بحثيٍّ، وثانيها أن يُستخدم لأغراضٍ تعليميّةٍ؛ بحيث يتولّى الذكاء الاصطناعيّ عمليّة التدريس بدلًا من الإنسان.
وقال موضحًا: في العام الماضي، جرى تقسيم الطلّاب في جامعة هارفارد إلى مجموعتين؛ تلقّت إحداهما تعليمها باستخدام الذكاء الاصطناعيّ، فيما تلقّت المجموعة الأخرى تعليمها على يد أستاذٍ، وقد حقّق الذين تلقّوا تعليمهم باستخدام الذكاء الاصطناعيّ نتائج أفضل من نظرائهم الذين تلقّوا تعليمهم على يد الأستاذ.
واعتبر هذا الأستاذ الحوزوي والجامعيّ الوظيفة الثالثة للذكاء الاصطناعيّ لجوء الأفراد العاديّين إليه للحصول على معلوماتٍ عن الإسلام والعلوم الإسلاميّة، وقال: يستطيع الأشخاص العاديّون الرجوع إلى الذكاء الاصطناعيّ للحصول على معلوماتٍ عن الإسلام والعلوم الإسلاميّة.
وتابع: أمّا الهدف الرابع، وهو الأهمّ، فيتمثّل في السؤال عمّا إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعيّ أن يكتسب مرجعيّةً فكريّةً بدلًا من العلماء الدينيّين. فالمسلم يتلقّى عقائده الدينيّة بالرجوع إلى العلماء، ويصبح ذلك العالِم بالنسبة إليه مرجعًا فكريًّا يعتمد عليه، ويستقي منه معتقداته على أساس الثقة به. وكذلك في مجال الشريعة، يؤدّي المسلم صلاته وحجّه وسائر عباداته اعتمادًا على فتوى الفقيه والعالِم الدينيّ؛ ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن، بدلًا من الثقة بالعالِم الدينيّ، أن نضع ثقتنا في الذكاء الاصطناعيّ؟
وأكّد أنّه لا يرى إمكان إحلال الذكاء الاصطناعيّ محلّ العلماء الدينيّين وقال: من وجهة نظري، لا يمكن أن يتحقّق مثل هذا الاستبدال. فيمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ، إلى حدٍّ ما، في الأهداف الثلاثة الأولى، لكنّه لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن يحلّ محلّ العالم الدينيّ في الهدف الرابع. والسبب في ذلك أنّ الذكاء الاصطناعيّ عُرضةٌ للخطأ، في حين أنّنا لا نستطيع، في مسائل الإيمان والمعتقد الدينيّ، أن نتغاضى عن الأخطاء والهفوات التي قد تقع.
وتطرّق عضو الهيئة العلميّة في جامعة باقر العلوم (عليه السلام) إلى آليّة عمل الذكاء الاصطناعيّ، قائلًا: إنّ الخوارزميّات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعيّ ليست مصمّمةً بحيث تُلزمه باستخدام محتوًى صحيحٍ ومطابقٍ للواقع. فالذكاء الاصطناعيّ المولّد للنصوص يعمل من خلال ترتيب الكلمات والعلامات تباعًا، ثمّ التنبّؤ بما ينبغي أن يرد في الفقرة التالية.
وأضاف: تقوم خوارزميّات روبوتات المحادثة على تقديم نصٍّ يبدو مقنعًا وقابلًا للتصديق، لا على ضمان أن يكون صحيحًا ومطابقًا للواقع بالضرورة. وقد حدث مرارًا أن قدّم “تشات جي بي تي” معلوماتٍ مختلقةً، أو أحال إلى مصادر لا وجود لها أصلًا. وحتّى الآن، لا نملك روبوت محادثةٍ يمتنع عن تقديم معلومةٍ إذا تبيّن له أنّها غير صحيحةٍ، كما أنّه قد يذكر أحيانًا مصادر لا وجود لها في الواقع.
ولفت هذا الأستاذ الحوزويّ والجامعيّ إلى الحجم الهائل من البيانات المتاحة لروبوتات المحادثة: إنّ “تشات جي بي تي” يمتلك كمًّا هائلًا من البيانات، وإنّ هذا النظام يرجع إلى مختلف المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت. ولا يمكن لأحدٍ أن يقول إنّ حجم المحتوى الباطل في هذه “البيانات الضخمة” يفوق حجم المحتوى الصحيح؛ بل على العكس، فإنّ المحتوى الصحيح فيها أكثر من المحتوى الخاطئ. ومع ذلك، فإنّ وجود هذا القدر من المحتوى الخاطئ يتيح احتمال وقوع الخطأ في النتائج التي يقدّمها النظام.
وختم حجّة الإسلام والمسلمين واعظيّ حديثه مؤكّدًا: بناءً على ذلك، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ جيّدٌ ومفيدٌ في تحقيق الأهداف الثلاثة الأولى التي أشرنا إليها، ويمكن أن يؤدّي فيها دورًا مؤثّرًا إلى حدٍّ كبيرٍ؛ أمّا في الهدف الرابع، أي في أن نستمدّ عقائدنا ومعتقداتنا من محتوًى قد يكون مختلقًا في بعض الأحيان، فلا يمكن الاعتماد عليه. فالذكاء الاصطناعيّ، بسبب ما يعتريه من أخطاءٍ، لن يحلّ بأيّ حالٍ من الأحوال محلّ العالم الدينيّ في بناء المعتقد وترسيخ الإيمان، ولا في توفير المرجعيّة التي يستند إليها المسلم في العمل بأحكام الشريعة.





