المؤمنون يستعيدون توازنهم حتى في أشد لحظات الخوف

المؤمنون يستعيدون توازنهم حتى في أشد لحظات الخوف

بقلم الکاتب والباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه “السيد بلال وهبي”

قال الله سبحانه وتعالى: *ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿سورة آل عمران: 154﴾*.

*لا* يعرض القرآن الكريم هذه الآية وسواها من الآيات التي نقلت لنا أحداثًا تاريخية، كما يعرض القاصُّ قصصه، والراوي مروياته، وإنما يعرضها للاعتبار، يعرضها بوصفها مصداقًا لمفهوم أو فكرة أو سلوك أو منهج أو مرض نفسي أو خلل عقدي أو اجتماعي يتكرر مع كرور الأيام، لأن الإنسان هو الإنسان، تتغير الأزمنة والأحداث والوسائل المادية ولكن الإنسان هو هو في تعامله مع الأحداث وفي إقباله وإدباره، وثباته وتراجعه.

*الآية* التي بين أيدينا جاءت في سياق الآيات التي نزلت بعد معركة أُحُد والانتكاسة التي حدثت للمسلمين، والعدد الكبير جدًا من الشهداء والجرحى إذ بلغ عدد الشهداء سبعين شهيدًا وقريبًا منهم جرحى، في حين كان عددهم الكلي يقارب سبعمئة مقاتل من ضمنهم ثلاثمئة من المنافقين بقيادة عبد الله بن أُبَي بن سلول، وهم الذين فروا من ساحة القتال وشككوا في وعد الله لهم بالنصر، وربطوا موقفهم من الحق بالانتصار، فإن انتصروا فهم على حق، وإن أصابتهم نكسة فهم على باطل، وروجوا هذه الفكرة في أوساط المسلمين للتأثير عليهم.

*هذه* الآية تُحلّل أثر الهزيمة في النفوس، وتكشف أن الناس في تعاملهم مع النكسة صنفان: فهناك من لا تؤثر النكسة في إيمانه، ولا تفقده يقينه، ولا تزيل من نفسه الطمأنينة والثبات، وهناك من تتحول النكسة عنده إلى شكٍّ في الله تعالى وفي المشروع الذي ينتمي إليه، وفي القيادة التي تقود مشروعه، وفي الخيارات التي تختارها، وفي جدوى الاستمرار باتجاه الغاية ذاتها.

*فالمؤمنون* المطمئنون يستعيدون توازنهم حتى في أشد لحظات الخوف، بينما الذين لم يرسخ إيمانهم في قلوبهم، تجعلهم الهزيمة أسرى لأنفسهم فيدورون حول ذواتهم ومصالحهم، وتدفعهم إلى تفسير كل شيء على ضوء الخسارة التي أصيبوا بها.

*والهزيمة* هي التي تكشف عن مكنون هؤلاء وأولئك، فلا تعجب، قارئي الكريم، حين ترى شخصًا كان حتى الأمس القريب متقدمًا الصفوف، شديد الحماس للمشروع الذي كان عليه، مدافعًا بشراسة عن الجماعة المؤمنة، ثم ما إن تُصاب تلك الجماعة بانتكاسة، أو تتعاظم خسائرها، وتتغير موازين القوى، حتى تتبدل رؤيته للأمور، ويمتلئ قلبه بالشك، ويفقد إيمانه بالمشروع الذي كان منتميًا إليه، حتى يقول: “لو كان ما كنا عليه حقًا، لما أصابنا ما أصابنا”.

*فالمحنة* تكشف مكنون الناس؛ بعضهم يبقى مطمئنًا إلى سلامة طريقه، وهو الذي لم يربط إيمانه بالمشروع بتحقق النصر، بل ارتبط بالمشروع لأنه حق، ولم ينهض للقيام بتكليفه في القتال لمجرد أن ينتصر بل ليدافع عن الحق الذي هو عليه، هذا يحزن على كل شخص يُستَشهد، وعلى كل خسارة تصيب الجماعة ولكنه يزداد إيمانًا بقضيته، ويزداد ثباتًا وإصرارًا على مواصلة الطريق، فتنزل عليه الأَمَنَة ولو كان الخطر يحيط به من كل ناحية، وينام ليرتاح قليلًا ولو كان القصف متواصلًا ورائحة البارود تُزكِم الأنوف.

*وبعضهم* الآخر *﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾*. يسأل عما هو مقبل عليه، يقول: “ماذا ربحت من هذا الطريق؟ وماذا سيكون مصيري؟ إنهم ينظرون إلى الأمور من زاوية شخصية، ويتخذون خياراتهم من زاوية ما يعود عليهم بالنفع الشخصي حتى ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالمشروع العام.

*المِحنة* تكشف عن مشكلة عميقة في الإيمان الذي أظهروه، وعن الولاء الذي لطالما أعلنوه، وعن خلل في معرفتهم بالله تعالى؛ تكشف أنهم *﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾*. فليست المشكلة الخسارة ذاتها، ولا الأثمان التي دفعتها الجماعة، وليست المشكلة في المشروع، ولا في الخيارات، المشكلة أنهم يعتقدون أن وقوع الهزيمة يعني أن الله خذلهم، وأن وعده لم يكن صادقًا، وأن الطريق الذي ساروا فيه لم يكن هو الطريق الصحيح. أي أنهم يقرؤون علاقة الله بهم من خلال نتيجة المعركة. وهذا من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المؤمنون، أن يربطوا الحق بالانتصار، إذا انتصروا قالوا: “نحن على حق”، وإذا هزموا قالوا: “نحن على الباطل، والحق في الجهة الأخرى”.

*ولو* صح هذا المنطق للزم أن يكون كل منتصر محقًا، وكل مهزوم مبطلًا. والواقع يُكذِّب ذلك فالأنبياء والرسل والأولياء والصالحون على طول التاريخ أوذوا، وأصيبوا بنكسات، بل قُتِل بعضهم، ولكنهم كانوا على الحق وكان الحق معهم.

*إذن*، الهزيمة ليست دليلًا على أن المنهزم في جولة على باطل، كما أن الانتصار الآني الظرفي ليس دليلًا على أن المنتصر على الحق.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل