بعد مرور ثلاث سنواتٍ على عمليّة “طوفان الأقصى”، تتّضح على نحوٍ متزايدٍ تداعياتها العميقة في المشهد الإقليميّ والدوليّ، ولا سيّما في تبدّل مواقف الرأي العامّ العالميّ تجاه الكيان الصهيونيّ، وانكشاف جوانب من هشاشته أمام الرأي العامّ؛ الأمر الذي يكشف، في الوقت نفسه، عن خطأ حسابات أعداء الإنسانيّة الذين راهنوا على طمس القضيّة الفلسطينيّة وتكريس واقع الاحتلال.
تمرّ اليوم ثلاث سنواتٍ على الحدث المفصليّ البالغ الأهميّة الذي شهدته المنطقة في 7 أكتوبر 2023م مع انطلاق عمليّة “طوفان الأقصى”؛ وهي الواقعة التي تزامنت مع حربٍ مدمّرةٍ وغير مسبوقةٍ على قطاع غزّة، وما صاحبها من جرائم وانتهاكات صهيونيّةٍ قلّ نظيرها. ومع ذلك، فقد شهدت منطقة غرب آسيا أحد أكثر المنعطفات تعقيدًا وتأثيرًا في تاريخها خلال السنوات الأخيرة.
وأثبتت الذكرى الثالثة لعمليّة “طوفان الأقصى” أنّه، رغم الهيمنة الواسعة التي تفرضها القوى المهيمنة على المشهد الإعلاميّ العالميّ، لا تزال الغلبة في نهاية المطاف للضمائر الحيّة والفِطَر السليمة؛ ومن هنا، جاءت “طوفان الأقصى” لتكشف عن عمق الخطأ في حسابات أعداء الإنسانيّة وسوء تقديرهم للمشهد.
هزيمةٌ واسعةٌ وغير مسبوقةٍ للكيان الصهيونيّ الواهن
وفي هذه العمليّة، تمكّنت قوّات حركة حماس، بعد اجتياز الجدار الفاصل بين قطاع غزّة والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، من استهداف مواقع ومستوطنات صهيونيّة؛ وهي عمليّةٌ وصفتها وسائل الإعلام الصهيونيّة نفسها بأنّها شكّلت هزيمةً واسعةً وغير مسبوقةٍ لهذا الكيان.
وفي الدقائق الأولى من العمليّة، أُطلق نحو 5,000 صاروخٍ باتّجاه الأراضي المحتلّة، وتمكّنت قوّات حماس، بعد اجتيازها الجدار الفاصل، من الدخول إلى المناطق الخاضعة للاحتلال الإسرائيليّ. وشارك في العمليّة نحو 1,000 مقاتلٍ، وفقًا للمعطيات المعلنة، فيما جرى التسلّل إلى الأراضي المحتلّة عبر نحو 15 نقطةً. فجاءت هذه العمليّة في سياقٍ ممتدٍّ من الصراع والانتهاكات والجرائم، وهو سياقٌ لا ينفصل عن الدوافع التي وقفت وراء هذه العمليّة.
وبحسب المعلومات المنشورة، أعلنت حركة حماس أنّ هدفها من العمليّة هو مواجهة الاحتلال والدفاع عن الشعب الفلسطينيّ والمقدّسات الإسلاميّة، وهو ما أكّده أيضًا البيان الصادر عن القائد العسكريّ للحركة.
موقف القائد الشهيد من عمليةٍ شكّلت منعطفًا تاريخيًّا
واعتبر قائدنا الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، في موقفه من هذه العمليّة، أنّها جاءت نتيجةً مباشرةً لممارسات الكيان الصهيونيّ نفسه، مؤكّدًا أنّ تحرّك الفلسطينيّين كان ردًّا على جرائم استمرّت سنواتٍ طويلةً، وازدادت حدّتها خلال الأشهر التي سبقت انطلاق العمليّة.
وبحسب آراء عددٍ من الخبراء والمحلّلين، فعلى الرغم من أنّ العمليّة التي نفّذها مقاتلو المقاومة في 7 أكتوبر، والتي أثارت اعتزازًا واسعًا، تجاوزت في آثارها حدود عمليّةٍ عسكريّةٍ أو عملٍ فدائيٍّ محدودٍ، وأفضت إلى تحوّلٍ جذريٍّ في مسار التطوّرات المتعلّقة بالأراضي المحتلّة، فإنّ تأثيرها الأهمّ، بلا شكٍّ، ينبغي أن يُقرأ في ضوء ما أحدثته في الرأي العامّ العالميّ؛ حيث أسهمت موجةٌ من اليقظة الإنسانيّة، متجاوزةً حدود اللغة والدين والقوميّة والعرق، في إبراز الفطرة البشريّة المتطلّعة إلى العدالة والمنحازة إلى الحقّ. ولعلّ ما نشهده، بفضل الله تعالى، ليس سوى بشائر فجرٍ لم تتّضح معالمه كاملةً بعد.
لقد سعت وسائل الإعلام والخطابات السياسيّة، على مدى سنواتٍ، إلى تصوير القضيّة الفلسطينيّة ضمن إطارٍ ضيّقٍ وبمعزلٍ عن تاريخٍ طويلٍ من الاحتلال والصراع، غير أنّ السابع من أكتوبر غيّر هذه الصورة تغييرًا جذريًّا.
إزالة النفوذ الأمريكيّ من خلال مناهضة الصهيونيّة
ومن جهةٍ أخرى، أسهمت هذه العمليّة في إسقاط “أسطورة إسرائيل التي لا تُقهر”، وأحدثت تصدّعًا في المنظومة الإعلاميّة الغربيّة التي طالما كانت الداعمة المطلقة للغدّة السرطانيّة الإسرائيليّة. غير أنّه، بحسب التعبير الحكيم لقائدنا الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، فإنّ عمليّة “طوفان الأقصى”، بما مثّلته من حدثٍ بالغ العمق والتأثير في صناعة التاريخ، تُعدّ من أبرز المؤشّرات الواضحة على مسار إخراج الولايات المتّحدة من المنطقة؛ وعلى الرغم من أنّ هذه العمليّة بدت في ظاهرها موجّهةً ضدّ الكيان الصهيونيّ، فإنّها يمكن أن تُقرأ أيضًا في إطار جهود التخلّص من الهيمنة الأمريكيّة على المنطقة.
وتكتسب الإشارة إلى هذه النقطة أهميّتها من إدراك أنّ إخراج الولايات المتّحدة من المنطقة يمثّل مسارًا متعدّد الأبعاد، يستحقّ البحث والتمحيص من زوايا مختلفةٍ؛ ولا شكّ في أنّ أحد أبرز هذه الأبعاد يتّصل بميدان الإعلام وصناعة الوعي، وما يقتضيه من تقديم معلوماتٍ دقيقةٍ وبناء روايةٍ صحيحةٍ تستند إلى المعايير الثقافيّة والإعلاميّة. ذلك أنّ التحليل الدقيق للمعطيات التي أعقبت عمليّة “طوفان الأقصى”، ولا سيّما بعد الجرائم الوحشيّة وغير المسبوقة التي ارتكبها الصهاينة بحقّ مظلومي غزّة، يكشف بوضوح أنّ مشاعر السخط والنفور العالميّ من إسرائيل قد بلغت مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، حتّى داخل الولايات المتّحدة نفسها، بوصفها أكبر الداعمين للكيان الإسرائيليّ وأبرزهم، إلى حدٍّ يكاد يبلغ مرحلة الانفجار.
سؤالٌ لا يزال مطروحًا
وانطلاقًا من هذه الحقيقة التي لا تقبل الجدل، بات من الأيسر اليوم الإجابة عن السؤال المحوريّ الآتي: بالنظر إلى حجم الكوارث الإنسانيّة، والدمار الهائل الذي خلّفته الحرب في قطاع غزّة على مدى العامين الماضيين، فهل كان تنفيذ عمليّة “طوفان الأقصى” يستحقّ أصلًا كلّ هذا الثمن الباهظ، في ضوء الردّ الصهيونيّ الدمويّ الذي أعقبها؟
ومهما تعدّدت زوايا النظر إلى هذه الأحداث، فلا يمكن إغفال حقيقةٍ بالغة الأهميّة، مفادها أنّ القضيّة الفلسطينيّة، بعد عقودٍ من الجهود الممنهجة والمستمرّة الرامية إلى دفعها تدريجيًّا إلى طيّ النسيان، عادت اليوم لتتصدّر أولويّات الرأي العامّ في مختلف أنحاء العالم. ومن ثمّ، ليس من قبيل المبالغة أن يُقال إنّ طبيعة الموقف من قضيّة غزّة باتت المعيار الأبرز للحكم على الشرف والإنسانيّة في عصرنا الراهن.
كيانٌ قاتلٌ للأطفال يترنّح نحو الزوال
ومن جهةٍ أخرى، لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ مسار التطوّرات اتّخذ منحًى مختلفًا بعد عمليّة “طوفان الأقصى”؛ حتى إنّه، مع حلول الذكرى الثالثة لهذه الواقعة، بات ثابتًا لدى كثيرٍ من شعوب العالم، ولا سيّما المسلمين في مختلف أصقاع المعمورة، أنّ هذا الكيان الغاصب وقاتل الأطفال مآله إلى الزوال.
والحقيقة، أنّ قادة النظام الصهيونيّ الدمويّ قد وقعوا في خطأٍ فادحٍ في تقديراتهم وحساباتهم، في وقتٍ بات فيه عجز إسرائيل الاستخباريّ والعسكريّ واضحًا للجميع. وفي ظلّ هذه المعطيات، فإنّ النجاح والانتصار النهائيّين سيكونان حتمًا من نصيب المجاهدين الصابرين، وإن كنّا لا نزال نشهد استمرار الجرائم المرتكبة بحقّ أهالي غزة المظلومين، فإنّ النصر الإلهيّ إنّما يكون حليف من يثبتون على طريق ربّ العالمين، ويتحلّون بالصبر والمقاومة.





