ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي النص الكامل للحوار الذي أجراه مع ممثل حركة حماس في لبنان الأستاذ أحمد عبد الهادي، والذي استعرض شخصية الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) بوصفه نموذجًا في الوحدة الإسلامية، ورؤيته لقضية فلسطين بوصفها قضيةً عقدية جامعة لا مجرد موقف سياسي، ودعمه غير المحدود سياسيًا وعسكريًا وجهاديًا للمقاومة الفلسطينية على اختلاف فصائلها، إلى جانب حزنه الشديد إزاء سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وحرصه الدائم على الوحدة الفلسطينية ورفض الانقسام، ومواقفه الداعمة لمعركة «طوفان الأقصى» منذ أيامها الأولى، وصولًا إلى تأكيد استمرار النهج نفسه بقيادة آية الله السيد مجتبى الخامنئي.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
حضرتكم، بوصفكم شخصية مقاومة فلسطينية، ما هو الانطباع العام الموجود في الذهن والفكر الفلسطيني المقاوم عن الإمام الخامنئي الشهيد اليوم، خاصة بعد شهادته؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عظّم الله أجركم وأجرنا بمناسبة عاشوراء، ورحم الله الشهيد القائد الإمام علي الخامنئي، ورحم الله شهداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية جميعهم، وشهداء فلسطين أيضًا، وشهداء المقاومة كلهم، وشفى الله الجرحى، وفكّ الأسرى جميعهم، إن شاء الله.
في الحقيقة أيضاً يجب أن نبارك للجمهورية الإسلامية في إيران، ولقوى المقاومة كلها في المنطقة، وأحرار العالم، بهذا الانتصار الكبير في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية بما تمثل، وأيضًا تحقيق انتصارات كبيرة وإنجازات عظيمة، وتمثلت وتُوِّجت بهذا التفاهم، ورقة التفاهم التي تعبّر تعبيرًا واقعيًا عن موازين القوى التي أجبرت الرئيس الأمريكي ترامب لكي يقبل بها ويخضع لشروط الجمهورية الإسلامية في إيران. وأعتقد، بإذن الله، سيكون لهذا الانتصار ما بعده، سواء على مستوى الجمهورية، على مستوى محور المقاومة، على مستوى المنطقة والقضية الفلسطينية، بل على مستوى العالم.
أما بخصوص شهيدنا الإمام القائد علي الخامنئي، فمهما تكلمنا لا نفيه حقه في الحقيقة؛ لأن مسيرته كانت حافلة، وشخصيته فريدة من نوعها. كان دائمًا ذا شخصية تتقد بالعقيدة والإيمان، الذي تُرجم عبر سلوكه وأخلاقه وعلمه ومواقفه.
قبل أن نتكلم عن القضية الفلسطينية، صحيح أنه كان عالمًا إمامًا مرجعًا، ولكنه كان في الوقت نفسه شخصية إنسانية عالمية. كان دائمًا يستشعر هموم المظلومين وقضاياهم، ليس فقط في المنطقة، وإنما في العالم. وكان شخصية فكرية نوعية أيضًا؛ كانت له كتابات ومنتجات، ويكتب الشعر، وقرأنا له كثيرًا. فهو شخصية فكرية تنم عن عمق على المستوى العلمي، وعلى المستوى الفكري، والفهم لطبيعة الدين الإسلامي وانعكاسه وتطبيقه في واقع الحال، وخصوصًا في مواجهة التحديات، وفي التعامل مع القضايا الكبرى التي تهم أمتنا في المنطقة.
كان أيضًا شخصية قيادية أثبت حضوره منذ اللحظة التي تولى فيها قيادة الثورة الإسلامية في إيران. قادها في عقود من الزمن بحكمة واقتدار وقدرة وشجاعة، وكان قدوة ومثالًا في ما ذكرت كله. والدليل على ذلك أنه كان دائمًا في المقدمة، ولذلك استُشهد في العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران.
كان شخصية سياسية من الطراز الأول أيضًا، ولكن ليس شخصية سياسية بمعنى العمل الميداني اليومي، وإنما ذا فكر سياسي منبثق من رؤيته الشاملة للإسلام، وفهمه للشريعة وأنها منهج حياة. ولذلك كان يفهم السياسة على أنها هي رعاية شؤون الأمة والمظلومين والقضايا الكبيرة للأمة الإسلامية. ومن هنا سنأتي إلى القضية الفلسطينية وتبنّيها، والإيمان بها ودعمها.
كان الإمام الشهيد القائد، علي الخامنئي، أيضًا شخصية استراتيجية؛ لأنه كان يفهم طبيعة الصراع مع العدو، وكان يتعامل استراتيجيًا بصبر استراتيجي، وكان يبني القدرة والقوة ويشرف عليها بنفسه، وأنا أعلم ذلك. ليس مستعجلًا في البناء، ولا مستعجلًا في المواجهة، ولا مستعجلًا في المفاوضات، ولا مستعجلًا بأي شيء، وإنما كان يتأنى وينطلق من رؤية استراتيجية عميقة في التعامل مع القضايا كافة.
لذلك كان مؤثرًا جدًا في سياسة الجمهورية الإسلامية في إيران، وكان دائمًا يشكل الضمانة في ثبات الجمهورية الإسلامية بقياداتها كلها على مبادئ الإسلام، ومبادئ الثورة، وعلى القيم التي تتبناها الجمهورية الإسلامية تجاه قضايا الأمة والمظلومين، ومن ضمنها، وفي مقدمتها، القضية الفلسطينية.
كان أيضًا ذا خلق دمث وأخلاق عالية في التعامل، في التواضع، في حبه لإخوانه، ليس فقط في إيران، وإنما من أبناء الأمة كلهم، وبالذات الفلسطينيين؛ لأنه كان يرى أن القضية الفلسطينية، التي تحتوي القدس والمسجد الأقصى المبارك، والتي هي عقيدة، سنأتي إلى ذلك، كان يعدّها هي القضية المركزية. ولذلك وكأنه كان ينشرح صدره عندما يلتقي بإخوانه من المقاومة، من قيادات المقاومة الفلسطينية، كما كان يفرح كثيرًا عندما يلتقي أيضًا مع إخوانه من المقاومة في محور المقاومة كله، سواء من لبنان، أم اليمن، أم العراق، أم أي مكان آخر فيه مقاومة.
كان متواضعًا، كان مستمعاً جيدًا، يتكلم بهدوء، وأيضًا لا يتسرع في حديثه، حتى في خطاباته؛ لأنه ينطق بالحكمة. خطابه متوازن دائمًا. قلت مهما تكلمنا عن شخصيته، التي لا تمثل رأي الشخص، أنا بوصفي قياديًا في حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بل تمثل رأي قيادات المقاومة الفلسطينية والثورة الفلسطينية كلها وقناعتها، بل تمثل قناعة أبناء الشعب الفلسطيني كلهم، بل أوسع أقول: أبناء الأمة كلهم؛ لأنه عُرف بهذه الصفات كلها النبيلة، الكبيرة، المهمة، العميقة، الإيمانية، العقدية، الاستراتيجية، السياسية، القيادية.
لذلك، حفاظًا على الوقت في هذه المقابلة، نكتفي بهذا التوصيف الذي لا يفيه حقه، وكلنا يقين بأن الله سبحانه وتعالى سيوفيه حقه.
إذا أردنا أن ندخل في مواقف الإمام الخامنئي وقراراته عن قضية فلسطين، بوصفها القضية المركزية للأمة الإسلامية، في المدد التاريخية والمراحل التي مرت هذه القضية بها، ما هي أبرز المواقف؟ مثلًا، أستذكر الموقف المبدئي، أصل المقاومة حتى الانتصار، وحتى فرض إرادة الشعب الفلسطيني على العدو، وغياب التراجع، وانعدام الاستسلام والخضوع والخنوع أمام الهيمنة الاستكبارية الصهيونية. أو مثلًا موضوع تسليح الضفة الغربية كما غزة، في مدة من المدد، هو أطلق هذا الموقف وهذا القرار، وأعطى التوجيهات للإخوة في إيران حتى يعملوا على هذا الموضوع. أو مثلًا موضوع الموقف المبدئي، خلافًا حتى لكثير من الدول، الموقف الرسمي لبعض الحكومات والدول عن القدس الشريف، يعني العاصمة الأبدية لفلسطين، القدس كلها، وانعدام الفصل بين منطقة وأخرى من هذه المدينة الشريفة. أو مثلًا موضوع فلسطين من البحر إلى النهر، وانعدام تنازله في هذا الموضوع ولو حتى بشبر واحد من أرض فلسطين، أو مواقف أخرى من هذه الناحية.
أنتم، إذا نظرتم في تاريخ قضية فلسطين بوصفكم شخصًا خبيرًا في هذا المجال، وأصلًا أنتم منخرطون منذ نعومة أظفاركم، كما نعرف، في هذه المسيرة المباركة، مسيرة المقاومة الإسلامية في فلسطين، وواكبتم الإمام الخامنئي في هذه المراحل والمدد كلها، نريد رأيكم في ما لو أردنا أن نجري قراءة، ولو سريعة، ولكن نقف عند هذه المراحل والمفاصل التاريخية كلها.
مبادئ الإمام الشهيد الخامنئي ومواقفه ورؤيته هي أصلًا امتداد لمبادئ الثورة الإسلامية في إيران، التي أطلقها ابتداءً القائد الإمام الخميني رحمه الله، والتي تعدّ أن فلسطين وقضيتها قضية عقدية إيمانية، وليست فقط قضية سياسية سطحية يمكن أن يناور أو يمكن أن يفاوض عليها الشخص. من هنا تبدأ قضية الموقف والرؤية والمبادئ ووزن فلسطين في رؤية الإمام الشهيد الخامنئي ومبادئه.
لذلك هو ينظر إلى القضية على أنها قرآن، على أنها عقيدة ابتداءً، على أنها أرض مقدسة. ولذلك المواقف والرؤى التالية كلها منبثقة من هذا المبدأ. لذلك هو بناءً عليه، يتبناها بوصفها عقيدة ورسخت في عقله وذهنه، وأيضًا في نفسه، وترجمها سلوكيًا منذ اللحظة الأولى وحتى استشهاده.
بناءً على هذا الكلام، كانت تعنيه القضية ودعمها. لذلك كان يقود الجمهورية الإسلامية في إيران داعمًا لقضية فلسطين، ولشعب فلسطين، وللمقاومة الفلسطينية. وأعتقد أنه لا يوجد دولة في العالم تتبنى القضية الفلسطينية وتدعمها كما هو الحال بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران. هذا ليس تضخيمًا للأمر ولا مبالغة، هي حقيقة؛ لأنه من الذي يقول إنه يجب تحرير فلسطين اليوم، في هذا الوقت بالذات، من البحر إلى النهر، ويجب زوال الاحتلال وطرد العدو الصهيوني من فلسطين؟ في العالم كله، من الذي يقول ذلك من الدول باستثناء الجمهورية الإسلامية في إيران؟ ولا تقولها قولًا فقط، وإنما تعمل دعمًا للقضية، وللشعب، وللمقاومة، من أجل تحقيق هذا الهدف.
لذلك، نعم، رفض الموافقة أو تمرير أو تبني أي موقف وأي مشروع طرحته أطراف عدة، إقليمية أو عربية أو دولية، في العقود الماضية، بخصوص القضية الفلسطينية، كنا نجده دائمًا يوجه أبناء الجمهورية الإسلامية وقياداتها إلى أن تزن ابتداءً ذلك كله على المبدأ الأساس، وهو أن فلسطين كلها هي للفلسطينيين، ورفض أي شيء يفرّط فيها. لذلك كانت هناك مواقف واضحة من المشاريع كافة، ومن ضمنها أوسلو وغيرها.
المسألة الأخرى، كان الدعم كبيرًا جدًا على المستوى السياسي أولًا؛ لأن الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية عزّ من يدعمهما دعمًا سياسيًا حقيقيًا، خصوصًا منذ عقود من الزمن أو منذ مدة معينة؛ لأن المشروع الأمريكي الصهيوني أصبح يهيمن، للأسف، على حكام المنطقة وقياداتها، وبالتالي بدأت معظمها تتبنى رؤاه ومقارباته، حتى باتت تضغط على الفلسطينيين وقيادات المقاومة لكي تتخلى عن مبادئها وعن ثوابتها الوطنية. بينما الجمهورية الإسلامية في إيران، بقيادة الشهيد الإمام الخامنئي، كانت دائمًا ثابتة على رؤيتها ومواقفها بأن فلسطين للفلسطينيين جميعهم.
ثم كان هناك دعم أيضًا على المستوى العسكري والجهادي، وهو بيت القصيد بكل صراحة. صحيح أن الدعم السياسي مهم في المحافل الدولية، وفي الملتقيات التي تحصل، وفي المؤتمرات، كان موقف الإمام الشهيد وإخوانه من قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران دائمًا واضحًا وثابتًا مع الحق الفلسطيني، ومع الشعب الفلسطيني، ومع المقاومة الفلسطينية. وهذا أيضًا كان واضحًا في معركة «طوفان الأقصى». وأصلًا ما حدث في إيران من عدوان أول وثانٍ وثالث عليها، والمقاومة في لبنان وفي كل مكان في المنطقة، هو بسبب فلسطين، وبسبب القدس والمسجد الأقصى، ودعمًا لمقاومة الشعب الفلسطيني ولمعركة «طوفان الأقصى».
ثم على المستوى الجهادي، كان الإمام الشهيد، وأنا أعلم، لم يبخل أبدًا على المقاومة. عندما يذهب الوفد، سواء من حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، أو من حركة «الجهاد الإسلامي»، أو أي فصيل مقاوم، ويلتقيه هو وإخوانه من القيادات، ويطلب شيئًا له علاقة بدعم المقاومة في فلسطين أو دعم الشعب الفلسطيني، وبالذات المقاومة، عندما ينتهي المسؤول الفلسطيني من الطلب، يلتفت إلى إخوانه في الحرس الموجودين والمعنيين بالشأن الفلسطيني، ويقول لهم: لبّوا مطالبهم، من دون أي جدال وأي نقاش. ليست مرة واحدة ولا اثنتان ولا ثلاثًا، بل دائمًا وفي اللقاءات كافة. لذلك، كان الدعم غير محدود بصراحة، وهذا أسهم بصورة كبيرة جدًا في تقوية المقاومة الفلسطينية، وأسهم بفاعلية في الوضع الذي وصلت إليه المقاومة الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
وإن كنا لا نرغب في الحديث عن تفاصيل في الدعم، ولكن الجمهورية الإسلامية في إيران، بقيادة القائد الشهيد الإمام الخامنئي، انتقلت نقلات نوعية المقاومة الفلسطينية في مواجهتها للعدوان والاحتلال الدائمين والمستمرين لأرض فلسطين. غزة نالها نصيب كبير، وظهر ذلك في أدائها في معظم المعارك التي حدثت، بدءًا من معركة 2008-2009، وما تلاها، ومعركة 2012 ثم 2014، ثم «سيف القدس»، على مستوى «حماس»، أنا أتحدث، ومعها الفصائل الأخرى، ثم «طوفان الأقصى» أيضًا.
أيضاً على مستوى الضفة الغربية، لقناعة القائد، كان ينقل لنا الإخوة في قيادة الحركة اهتمام القائد الشهيد، كما ذكرت حضرتك، بالضفة الغربية. لماذا؟ لأنه يعرف أهمية الضفة الغربية على المستوى الاستراتيجي، وأهمية الفعل المقاوم فيها، وتأثيره في الكيان الصهيوني. لذلك كان حريصًا دائمًا أن يدعم الضفة الغربية، وأن يوجه إخوانه لدعمها، ولم يبخل يومًا عن تقديم الدعم حتى هذه اللحظة. لذلك على مستوى المقاومة، كان دائمًا حاضرًا، ملبّيًا، داعمًا للمقاومة الفلسطينية، حتى قبل استشهاده بقليل.
بكل صراحة، الحديث عن فلسطين والقضية الفلسطينية يقودنا إلى تأكيد حقيقة ثابتة؛ أصلًا الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ انطلاقة ثورتها وحتى اللحظة، هي تعيش من أجل فلسطين، ودفعت ما دفعت من أثمان كله بقيادته، وقبل ذلك بقيادة الإمام الخميني رحمه الله، وحتى هذه اللحظة بقيادة الإمام الخامنئي، مجتبى الخامنئي حفظه الله، دفعت أثمانًا باهظة من أجل فلسطين. وكان يمكن أن تفعل كما فعلت الدول العربية معظمها، أو دول إسلامية كثيرة في المنطقة، وتتبنى سياسات عادية جدًا تجاه القضية الفلسطينية، ولا تدفع أثمانًا، ولا تضحي بمقدراتها وبشعبها وبما تمتلك من إمكانات من أجل فلسطين، أو الشعب الفلسطيني، أو المقاومة.
ولكن لأن فلسطين تمثل بالنسبة إليها، وكانت بقيادته، مسألة عقدية إيمانية إنسانية حضارية، وكان يعتقد بأن فلسطين هي المحور في المنطقة، بل في العالم، ولذلك كان يتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها أم القضايا، وأن الإنجاز فيها يؤثر في مسارات المنطقة والعالم ومهادلاتهما كلها. ولذلك بخلاف موضوع العقيدة والإيمان والإنسانية، أهمية الاعتبار الإنساني عنده، كان ينطلق من أنه إذا أردنا أن نغير المنطقة، وأن نقتلع هذا الاحتلال الصهيوني، وأن نواجه المشروع الاستعماري الذي يقوده الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن ندعم فلسطين، وأن ننجز في القضية الفلسطينية، وأن نثبت المقاومة الفلسطينية، وأن ندحر هذا الاحتلال.
إذن، نحن أمام رجل يعي معنى القضية الفلسطينية وفلسطين بالمعاني كلها: بالمعنى العقدي، الإيماني، الإنساني، الحضاري، الاستراتيجي، السياسي، الوجداني حتى. ولذلك كان يقاربها من المجالات كافة التي ذكرتها. وهذه مقاربة تنم عن رجل مفكر عظيم. كانت في مدته القضية الفلسطينية حاضرة بقوة على مستوى التبني والدعم والاحتضان.
في مقابل هذا الدعم، هل كان يطلب الإمام الخامنئي من الفلسطينيين شيئًا، أو كان يتوقع منهم شيئًا؟
أحيانًا تُنشر هذه الشبهات: أن إيران لديها، مثلًا أطماع في الفلسطينيين، أو لديها رؤية طائفية لتشييعهم. من هنا أيضًا ندخل في موقف القائد الثابت دائمًا حول قضية الوحدة الإسلامية. كيف تنظرون إلى هذه النقطة عبر تجربتكم ومعرفتكم؟ هل واقعًا كان سماحة الإمام الخامنئي، أو الإخوان الذين كانوا يعملون معه مباشرة ويأخذون منه الأوامر والتوجيهات للتعامل مع الفلسطينيين الأعزاء، يطلبون من الفلسطينيين شيئًا؟ كيف كانت طريقة التعامل؟
لأننا اليوم أمام نموذج آخر في المنطقة وفي العالم: كيفية تعامل الولايات المتحدة مع حلفائها، أو إذا صح التعبير مع عملائها في المنطقة، كيف تملي عليهم أشياء وقرارات، وتأخذ عنهم القرارات من دون مراجعتهم. أحيانًا هم يتفاجؤون عند تصريح رئيس الولايات المتحدة بأن عليهم أن يفعلوا كذا وكذا. هل كانت إيران أو القائد يمليان عليكم شيئًا؟ وعندما كان يأخذ هذه المواقف والقرارات بخصوص فلسطين، رغم أن هناك توجهات أخرى، هل كان يراعي مصلحة الشعب الفلسطيني ويراجع آراء نخبة الفلسطينيين عن القضايا ثم يأخذ المواقف، أم لا؟
نعم، كان يطلب منا أشياء، وهي الوحدة، وأن نكون أقوياء، وأن نصمد في وجه الكيان الصهيوني والمشروع الصهيوني. كان دائمًا يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحفظ المقاومين الفلسطينيين، والشعب الفلسطيني، والقضية الفلسطينية.
بصراحة، كان يُخجل القيادات الفلسطينية، هو وإخوانه، بالأدب الجم في التعاطي مع الإخوة في القيادة. يعني كانوا دائمًا يُخجلوننا من التعاطي الأخوي الحميم الجم. ليس فقط أنه لم يكن يطلب، بل كان يُخجلهم وهو يُقبل عليهم بالاحتضان، وفي تلبية ما يطلبون، بكل محبة، وبكل أخوّة، وبكل رضا، من دون أي تأخر أو أي تذمر بتاتًا. حتى إنهم كانوا، يعني هو وإخوانه، يقولون دائمًا: ماذا تريدون؟ كانوا يسألون دائمًا: ماذا تريدون؟ ولا يريدون منهم شيئًا بتاتًا.
الذي كان يُذكر هنا وهناك معروف، أنه كان موجَّهًا: أن إيران، نحن نعمل عند إيران، نحن «حزب الله» ويسموننا «وكلاء». بالعكس إيران تعمل عندنا جميعًا؛ لأنها مقتنعة بقضية فلسطين وبقضايا المظلومين في المنطقة. نحن الذين دفّعنا إيران أثمانًا ظاهرة. ولو لم تكن عندها القضية الفلسطينية عقيدة وإيمانًا ومسألة استراتيجية كبيرة مقتنعة بها، لما دفعت هذه الأثمان الباهظة، ومنها شهادة القائد، وشهادة كثير من قيادات الجمهورية الإسلامية في إيران على مدار العقود الماضية، منذ انطلاقتها، وهي تدفع أثمانًا باهظة كان يمكن أن لا تدفعها.
ولذلك أبدًا لم يطلب منا شيئًا. حتى القرارات، قرارات القيادة الفلسطينية، كانت قرارات مستقلة. حتى عندما كنا، كما تعرف، بوصفنا حلفاء، نستشيرهم، كانوا يقولون: أنتم قولوا ماذا تريدون، ونحن نتبنى موقفكم. لا نقرر عنكم. ولا مرة في يوم من الأيام أملوا علينا موقفًا أو قرارًا أو رأيًا. بالعكس، حتى عندما كنا نستشيرهم، كانوا يقولون: نحن بخدمتكم، أنتم قرروا. وهذا يطبقونه مع معظم مكونات محور المقاومة، بعكس ما يدّعي ويشيع، على نحو مغرض، الآخرون عن الجمهورية الإسلامية في إيران.
لذلك كنا مرتاحين، وما نزال، في التعاطي مع القيادة الإيرانية، وفي عهد الإمام الشهيد الخامنئي؛ لأنه كان دائمًا هو يسأل: ماذا تريدون؟ ويلبّي الطلبات. المشكلة التي تفضلت بها، أنهم يتعاملون مع بعضهم هكذا، فيظنون أن الناس جميعهم يتعاملون بالطريقة نفسها. ذكرتَ الولايات المتحدة، فهي تترك حلفاءها وراءها في كثير من المواقف، وكان هذا واضحًا عندما تكون لها مصلحة. أما الجمهورية الإسلامية، فتتعامل مع حلفائها بصفتهم شركاء، لا أجراء، ولا كمن هم في الجيب، ولا تقول لهم: اذهبوا اذهبوا، أو تعالوا تعالوا، مثلما يتعاملون هم مع ناسهم. بل تتعامل باحترام وتقدير وشراكة وتحالف قوي، ليس تحالفًا سياسيًا فقط، بل تحالف عقدي إيماني استراتيجي لا ينفك، رغم التحديات والصعوبات كلها التي مررنا بها جميعًا. بقينا دائمًا على قلب رجل واحد.
رغم الحملات كافة التي أرادت أن توجد شرخًا بيننا، وتُطلق مثل هذه الشائعات: إن إيران تريد أن تستغلكم، إيران تتاجر بالقضية الفلسطينية، إيران، إيران، إيران؛ هذه كلها كان هدفها إيجاد شرخ بين الجمهورية الإسلامية في إيران وبين حلفائها. وهذا فشل كله حتى هذه اللحظة. بل العدوان الأخير، ومواجهة إيران لهذا العدوان الأمريكي الصهيوني مع حلف المقاومة، أثبت أننا على قلب رجل واحد، ورسّخ كينونة محور المقاومة فعليًا، ليس فقط في الميدان المباشر، إنما على المستوى الاستراتيجي.
لذلك حققت الجمهورية الإسلامية، مع حلفائها، انتصارًا عظيمًا؛ لأنها كانت تتعامل وفق رؤية استراتيجية رُسمت بالتشاور مع الحلفاء، ورُسم لكل مكون دوره بالتشاور والتشارك، مع الأخذ في الحسبان خصوصيات كل مكون من مكونات محور المقاومة. لذلك كان هناك إنجاز كبير وعظيم، إن شاء الله يُستثمر.
وأيضًا في الحديث عن الدعم للقضية الفلسطينية، الإخوة في الجمهورية الإسلامية، هم يتفاوضون من أجل وقف الحرب الحالية، حصل تواصل من قبلهم بنا، ومن قبلنا بهم، ليشمل هذا الاتفاق والمفاوضات القضية الفلسطينية، وغزة بالذات والضفة. وهم يبذلون جهدًا كبيرًا اليوم من أجل ذلك، مع الأخذ في الحسبان أن هناك صعوبات كبيرة، وهناك حيثيات تختلف عن حيثيات لبنان وغيرها من الأمور. لكنهم يعدون أن من واجبهم أن يكون هناك حضور لفلسطين في الاتفاقات التي تحصل. وكون موقف الجمهورية الإسلامية قوي جدًا، فهي قوية وتستطيع أن تفرض شروطها. وأنا الآن أسمع تصريحات للقيادات الإيرانية عن أننا نريد وقف الحرب في الجبهات كلها، ومن ضمنها فلسطين وغزة. صحيح أننا ذكرنا في الاتفاق لبنان، لأنه الآن هو في حرب، لكن هذا لا يعني أننا لا نريد أن تقف الحرب في الجبهات كافة، ومن ضمنها غزة.
وفي الحديث عن الوحدة الإسلامية، كان القائد الإمام الشهيد الخامنئي مثالًا ونموذجًا في تكريس الوحدة الإسلامية، ليس فقط لأنه يرغب في ذلك، وإنما لأنه يعتقد بأن من أهم أدوات المشروع الأمريكي الصهيوني الاستعماري في منطقتنا الإسلامية هو العمل على الفتنة المذهبية أولًا، أو الفتنة الإسلامية المسيحية، مثلما يُعمل الآن في لبنان. ولذلك وظفوا إمكانات وقدرات وطاقات على مر العقود من أجل إيجاد بذر بذور الفتنة المذهبية في المنطقة، أو الفتنة الإسلامية المسيحية.
لذلك كان دائمًا ينطلق من حرصه على تكريس الوحدة، انطلاقًا من البعد الشرعي أولًا: “واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا”، “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”. ثم انطلاقًا من فهمه الاستراتيجي لأهمية الوحدة الإسلامية في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني الاستعماري في منطقتنا. “فرّق تسُد” استراتيجية قديمة مارستها الإمبراطورية البريطانية، وما تزال تستمر فيها وكثير من الممارسات الأمريكية في منطقتنا، وحتى في لبنان العدو الصهيوني، مدعومًا من الولايات المتحدة الأمريكية، في كل قرار أو رؤية أو مشروع أو سلوك، دائماً فيه الحرص على إيجاد شرخ داخل المجتمع اللبناني بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة، إلى آخره.
لذلك كان مهتمًا جدًا بموضوع الوحدة. ولذلك ترى أن هناك كثيرًا من المؤسسات في الجمهورية الإسلامية في إيران، وعلى أعلى المستويات، معنية بموضوع الوحدة الإسلامية ومتابعتها، سواء مؤسسات أو مؤتمرات أو ملتقيات أو أو أو… وكان يرعاها بنفسه؛ لأنه يعرف أهميتها الاستراتيجية. وكان لا ينظر إلى مسألة التشيع بعين الحسبان في الواقع السني أبدًا؛ لأنه ينطلق من رحاب الإسلام الشامل، الذي يعتقد أنه يجمع الجميع، بغض النظر عن المذهب، الذي له علاقة بالقضايا الفقهية التي وارد أن نختلف فيها، ويجب ألا نختلف عليها.
لذلك كانت الجمهورية الإسلامية في إيران تدعم بلا مقابل، والإشاعات كلها التي كانت تُطلق هنا وهناك في المنطقة عن هذه المسألة كانت مغرضة، وليس لها أرضية، وليس لها حقيقة. وخصوصًا في فلسطين، لم نجد أن هناك مشاريع تشييع. حتى عندما كانت تكون هناك جهود في فلسطين، كنا نتابعها ونرى أنها ليست بقرار، ولا بدفع، ولا بتوجيه من قيادات الجمهورية الإسلامية في إيران، وإنما انطلاقًا من جهود فردية شخصية. عندما كنا نتكلم مع الإخوة في قيادة الجمهورية الإسلامية، وبعلم القائد الشهيد الإمام الخامنئي، كانوا دائمًا يرفضون ذلك، ويوقفون هذه الجهود، ويضربون على أيدي الأشخاص القائمين بها. نحن لسنا في مشروع تشييع، نحن مع فلسطين، فلسطين كلها، بغض النظر عن المذهب وغيره.
لذلك نعم، كان حريصًا على الوحدة الإسلامية، وكانت تتجسد في مواقفه وقراراته وسلوكه واحتضانه للمسلمين جميعهم وقضاياهم في المنطقة كلها، بغض النظر عما إذا كان هذا المسلم سنيًا أو شيعيًا.
في البعد الفكري، أشرتم إلى هذا البعد الفكري الإسلامي الحركي. لماذا ترون أن هناك تقاربًا بين فكر القائد الإسلامي الحركي وفكر الإخوان المسلمين؟ كما تعرفون، أنه كان يترجم في شبابه بعض كتب القادة الأساسيين والمفكرين. كيف ترون هذا التقارب الفكري أو التأثير والتأثر؟
هذا بدأ مع انطلاق الثورة. فكر الإمام الخميني رحمه الله، وفكر الإمام الخميني ومعظم مفكري الثورة الإسلامية في إيران، أصلًا عندما ينطلق العالم والقائد المسلم من الفهم الشامل للإسلام، الفهم الوسطي للإسلام، الإسلام على أنه منهج حياة، وليس فقط طقوسًا وعبادات تقليدية، كما يراد للإسلام أن يكون كذلك، ويوصم الإسلام الحركي بأنه إرهاب؛ لأنهم يعلمون أن الإسلام الحركي يريد التغيير في واقع الأمة والبشرية أصلًا كلها.
هذه المفاهيم هي مفاهيم المسلمين الذين يفهمون الإسلام فهمًا حقيقيًا. ولذلك كانت هي مفاهيم الإمام الشهيد حسن البنا، ومفاهيم سيد قطب، الذي ترجم تفسيره الإمام الشهيد القائد الخامنئي. ولذلك التقت الأفكار والمفاهيم، وما تزال حتى هذه اللحظة. نحن نفهم جميعًا، كما كان يفهم رحمه الله، الإسلام الشامل الذي هو منهج حياة، والذي يجيب عن كل سؤال في المجالات كافة، وفي الأزمنة كلها، لأنه نزل من أجل ذلك.
فالذي يفهم الإسلام من هذا المنطلق وعلى هذا النحو، يلتقي مع كل من يفهم الإسلام كذلك؛ لأنه أيضًا كان يعرف أن تشويه الإسلام عن خصائصه هذه، وعن هذا الفهم له، كان قصد الأعداء. تارةً يغلبون جزءًا من الإسلام، البعد العقدي التكفيري، البعد الجهادي التكفيري، إلى آخر ما هناك. كله نشاز وتطرف وابتعاد عن الفهم الحقيقي والشامل للإسلام.
إدراكه لأهمية ذلك، كما أدرك الإمام الشهيد حسن البنا، كان نابعًا أولًا من فهم الإسلام فهمًا حقيقيًا، ومن إدراكه لأهمية أن يبقى هذا الفهم هو السائد في الأمة وشبابها، حتى لا يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه بعد ذلك، من قبل مشاريع اشتغلت عليهم وأنتجت هذه الأفكار، ودفعنا كلنا، أمة ومنطقة، أثمانًا باهظة باسم الإسلام، ولكنه ليس الإسلام، وإنما أفكار مشوهة اشتغلت عليها المشاريع المعادية حتى هذه اللحظة، وظهر زيفها، وظهر أن معظمها مرتبط بالأجندات الخارجية، التي كان الهدف منها ضرب الإسلام بمفهومه الحقيقي.
لذلك نعم، نحن ننطلق من بوتقة واحدة، ومن فهم واحد للإسلام الشامل، الذي كان ينظّر له رحمه الله، ويكتب فيه، ويتبناه، ويدرّس ويربّي القيادات عليه. من التقيناهم من القيادات الإيرانية في الجمهورية الإسلامية كلهم على مدار عقود من الزمن، سواء علماء، أو سياسيين، أو عسكريين، أو ثقافيين، أو غير ذلك، كنا ندرك ونلحظ الفهم الحقيقي الشامل للإسلام الوسطي، الذي هو الحقيقي. هو فقط، ولا أريد أن أقول وسطيًا، بل أقول الإسلام. فعندما نقول الإسلام، معناه الإسلام؛ لأن غير ذلك لا يكون إسلامًا حقيقيًا. لماذا؟ لأنهم تربوا على منهج الإمام الشهيد الخامنئي رحمه الله.
هل لديكم ذكريات في هذا البعد بالتحديد؟ مثلًا، ما حدث في مصر، وسقوط الحكم فيها، وسمعنا القصة المعروفة، كيف تأثر الإمام الخامنئي وكيف حزن، رغم أن البعض ربما لم يكن يفهم أو يستوعب وقتها لماذا القائد حزين بسبب سقوط الإخوان المسلمين في مصر؟
أولًا: عندما أمسك الإخوان المسلمون بالحكم برئاسة الشهيد مرسي رحمه الله، رأت الجمهورية أن هذا إنجاز عظيم وانتصار كبير للأمة ولفلسطين. فأقبلت على الإخوان بوصفهم حاكمين جددًا لعرض المساعدة والدعم والإسناد، وأننا واحد، بغض النظر عما كان الموقف وما حدث. وعندما حدث ما حدث من انقلاب على الحكم، نعم، هذا أساء إلى الجمهورية الإسلامية عمومًا، وإلى القائد خصوصًا رحمه الله. وحزن حزنًا شديدًا؛ لأنه يعد أن هذا الكيان، أي الإخوان المسلمون، عندما وصلوا إلى الحكم، لن تكون فائدته فقط لمصر، وإنما ستكون على مستوى الأمة، ومن ضمنها الجمهورية الإسلامية في إيران.
أصلًا الجمهورية الإسلامية تبحث عن أحد، ومكون، وجماعة، ودولة، تلتقي معها في كل ما تلتقي فيه من أفكار ومفاهيم وتبنٍّ لقضايا الأمة، وبالذات القضية الفلسطينية، لكي تناضل معها في مواجهة المشاريع الغربية التي تستهدف الأمة كلها. لذلك، نعم، حزن حزنًا شديدًا كبيرًا، وعبّر عن ذلك. لكن سبحان الله، قدّر الله وما شاء فعل.
وقتها، أنتم في فلسطين كيف تلقيتم هذه الرؤية؟
هي قناعة عندنا بأن المبادئ والمواقف والسلوك وحتى المشاعر، نحن نعرفها عند القائد تجاه فلسطين وقضايا الأمة. ولذلك توقفنا عند هذا التأثر الكبير منه بما حدث في مصر؛ لأنه يعتقد بأن مصر، لو وظفت مقدراتها كلها، هذه مسألة مهمة جدًا أيضًا كانت مأخوذة في الحسبان، بغض النظر عن البعد الوجداني والإنساني تجاه الإخوان والشهيد وإخوانه، ممن استُشهدوا أو سُجنوا سابقًا، ليعرف أنه إذا نهضت مصر، خصوصًا بعد اتفاقية كامب ديفيد التي عزلتها عن الصراع مع المشروع الصهيوني الغربي في المنطقة، وحيّدتها عقودًا من الزمن، كان يعلم ماذا يعني نهوض الجمهورية العربية المصرية.
ولذلك كان يعوّل على ذلك. وعندما حدث ما حدث، وكأنه ضُرب بخنجر، وكأنه فقد من بين يديه، بوصفه قائدًا إسلاميًا، فرصة أن يكون هناك مراكز ونقاط قوة في المنطقة تتبنى قضايا الأمة، وبالذات القضية الفلسطينية. لقد خسرنا ذلك في ذلك الوقت. لذلك كان تأثره كبيرًا وعظيمًا.
صحيح، إذا راجعنا بعض المحطات التاريخية الأساسية، مثل أوسلو، ماذا تتذكرون عن رؤية القائد؟ أو مثلًا بعد انتصار «حماس» في غزة، وبعد ذلك على الأقل معركة «سيف القدس»، وما أطلقه القائد وقتها من عبارة استراتيجية التلاحم. أنتم أشرتم إلى الوحدة بين الشيعة والسنة، بين مكونات الأمة الإسلامية، فكم كان عنده حرص على الوحدة الفلسطينية الفلسطينية، خاصة بين تيارات المقاومة؟
بدايةً الإمام القائد الشهيد كان معنا، لا أقول لك: “مع أخيك ظالمًا أو مظلومًا”، كان معنا كذلك طبعًا. “ظالمًا” معناها أن ينصح وأن يوجه، ونحن لسنا ظالمين إن شاء الله. كان يستاء جدًا عندما يرى شرخًا فلسطينيًا، مع معرفته المسبقة ويقينه بطبيعة المشروع الآخر في البعد الفلسطيني، الذي عنده توجه ترك فلسطين من البحر إلى النهر، والتخلي عن المقاومة المسلحة، والقبول بالاعتراف بالكيان الصهيوني، ويفهم ذلك كله. ومع ذلك كان يحرص على الوحدة الفلسطينية، ويدعو دائمًا، في كل لقاء، إلى إنهاء الانقسام والوحدة الفلسطينية. وكان يقول لنا: أنتم أمّ الصبي؛ لأنه يعلم الآخر، والعلاقات والارتباطات والمصالح، وفي الأحوال كلها، الوحدة هي عنصر قوة. لذلك كان يوصي بها دائمًا.
صحيح أن موقفه ثابت من أوسلو، لكنه كان دائمًا حريصًا على أن نلتقي مع الطرف الآخر الفلسطيني. ونحن كذلك بالمناسبة، نحن على قناعة بذلك. لكن الطرف الآخر كان كلما نقبل عليه يبتعد؛ لأن قراره ليس مستقلًا، وكان يُمنع من لقاءاتنا. أو عندما يكون هناك حوار، من 2005 إلى اليوم، كنا نصل إلى اتفاق، لكنه لا يُنفذ؛ لأنه يُؤمر بأن لا يُنفذ من جهات دولية وإقليمية، ومن “إسرائيل”، الكيان الصهيوني، إلى آخرهم، وعربية أيضًا.
لكنه كان دائمًا ينصحنا ويدعونا إلى الوحدة الوطنية؛ لأن في الوحدة قوة، وكان يعلم أن العدو الصهيوني وعددًا من دول المنطقة والأمريكيين يسعون إلى الفرقة الفلسطينية وإيجاد شرخ فلسطيني. ونحن على علم بكثير من المؤامرات والجهود بهذا الخصوص، وهو كان مطلعًا، وكنا نطلعه رحمه الله.
فقدنا قائدًا فذًا عظيمًا، إمامًا ناصحًا، داعمًا لفلسطين وللمقاومة الفلسطينية، مرشدًا. ولكن حسبنا، إن شاء الله، أن قيادات الجمهورية الإسلامية في إيران، وعلى رأسها الإمام القائد مجتبى الخامنئي، ابن الإمام علي الخامنئي، الذي تربى على العقيدة والإيمان والفكر والمنهج والمدرسة نفسها، وهو الآن بمواقفه وقراراته وسلوكه ودعمه لفلسطين وللقضية يجسد كل ما كان عند الإمام علي الخامنئي رحمه الله.
نأتي إلى المذكرات. كم مرة التقيتم مباشرة في اللقاءات مع القائد؟
من سوء حظي أنني لم ألتقِ به لأسباب معينة، ولكنني زرت إيران كثيرًا، وسمعت خطاباته في أكثر من مناسبة ومهرجان وما شابه ذلك، وسمعت كثيرًا مما ينقله إخواننا في قيادة الحركة من جهة، وقيادة المقاومة الفلسطينية، والإخوة في الجهاد والشعبية وغيرهم. وبالتحديد الإخوة القياديون في حركة «حماس» الذين كانوا يلتقون القائد، بدءًا من الشهيد العزيز، أخي الشهيد أبو العبد هنية، بل نبدأ من الشيخ أحمد ياسين رحمه الله.
ماذا سمعتم مباشرة من الذين كانوا في اللقاء مع القائد؟
جميعهم لم يتكلموا بعيدًا مما وصفت: بدءًا من البعد الإيماني، الأخلاقي، الفكري، الاستراتيجي، القيادي، السياسي؛ شخصية تتبنى قضايا الأمة عمومًا، وتستمِيت في دعمها، وتتبنى قضية فلسطين. وبصراحة كان تعصبه للقضية الفلسطينية واضحًا؛ إذ كان لا يخشى أي شيء، ولا أي تهديد أو تحدٍ من المشاريع الأمريكية الصهيونية الغربية، عندما يريد أن يعبّر عن موقف داعم لفلسطين وللمقاومة الفلسطينية، في وقت كانت فيه المواقف التي تتبناها الجمهورية بقيادته نشازًا؛ لأن الباقين كانوا في مكان آخر.
كانوا يذكرون دائمًا الجلسات الرائعة والممتعة معه، التي كما قلت لك، كانوا يخجلون في اللقاءات من إقباله عليهم حبًا وأخوّة ودعمًا، وكأنه الأب الكبير، وهو كذلك، ويريد أن يدير باله على أبنائه. كانوا يشعرون بأن هناك سندًا، وقد عزّ السند منذ زمن طويل لفلسطين والشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية. كانوا يرون أن إيران عمومًا، والقائد الذي يقود الجمهورية الإسلامية، سند جبل نستند إليه؛ لأن المقاومة الفلسطينية مستهدفة محاصرة من العالم كله، للأسف من القريب والبعيد، فتريد سندًا وجبلًا تستند إليه في مواجهة هذه التحديات الضخمة والعظيمة. كانوا يتكلمون عن السند الحقيقي الذي كان يمثله الإمام الشهيد القائد الخامنئي.
هل نقلوا بعض الانطباعات أو ذكريات خاصة؟ مثلًا، إذا سمعتم شيئًا عن الشهيد الشيخ أحمد ياسين في لقائه مع القائد، الشهيد إسماعيل هنية، الشهيد يحيى السنوار؟ كان موجودًا، حسب الصور، في بعض اللقاءات، وكان حاضرًا.
الشهيد عبد العزيز الرنتيسي أيضًا، هؤلاء القادة الكبار الذين التقوا بالقائد، واستُشهدوا في هذا الطريق، طريق الجهاد. هل، في اللقاءات الحاصلة، أنتم بعد اللقاء مع القائد، عندما كنتم تجلسون مع هؤلاء الشهداء العظام، كيف كانوا ينقلون المشهد أو الجلسة لكم وأجواءها؟
حتى بصراحة، في الجلسات الخاصة والجلسات الرسمية، كان لا يستطيع أن يخفي حبه ووده وأخوّته وحنانه في التعاطي مع الإخوة في القيادة، حسب ما كانوا يذكرون. وفي اللقاءات الخاصة كان يتعامل وكأنه واحد منهم، ولا يميز نفسه عنهم، وكان يلاحقهم: ماذا تريدون؟ ماذا تطلبون؟ ويميل إلى الحاج رمضان، الشهيد رحمه الله، أو الشهيد قاسم سليماني، أو القيادات الأخرى التي كانت معنية بالشأن الفلسطيني، فورًا: لبّوا مطالبهم للإخوة. كان يُخجلهم، وكان يُشعرهم بأن هذا بيتهم، وهو أخوهم الكبير في التعاطي مع القيادات.
لذلك حزنّا كثيرًا على شهادته، وهو سيكون مكرمًا عند الله سبحانه وتعالى. يعني هو كسب: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا”. لكن عزاؤنا وسلوانا في وجود القائد الحالي، الإمام مجتبى الخامنئي، وإخوانه في قيادة الجمهورية، الذين يسيرون على النهج والمبدأ والطريق نفسها الداعمة لفلسطين، وللمقاومة الفلسطينية، ولشعب فلسطين، الذين لن يبخلوا أبدًا في العطاء لهذه القضية.
هل شعرتم في مدة ما، في هذه المسيرة المباركة كلها، مسيرة الجهاد، بنوع من الإحباط أو اليأس، أنتم أو القادة أو المجاهدون أو الشعب، ثم راجعتم القائد وأخذتم منه المعنويات؟ لأنه كان لديه أمل كبير ونوع من اليقين بالانتصار الحتمي.
هذا صحيح. أصلًا هو شخصيته كانت عنيدة في الحق، بمعنى أنه أول شيء كان ينطلق من البعد الشرعي: “إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا”، و“كان حقًا علينا نصر المؤمنين”، وكان يثق بقدرات الأمة وبقدرات محور المقاومة. لذلك مرت علينا ظروف عصيبة جدًا جدًا في العقود الماضية، وتكالب المتكالبون علينا، والحروب التي كان يراد منها استئصال المقاومة الفلسطينية، وما يزالون حتى هذه اللحظة.
نعم، كان دائمًا يرفع المعنويات، ويدعم النفسيات، ولكي يكرس الثقة والأمل عند القيادات الفلسطينية، كان دائمًا يؤكد أننا معكم، وأننا سند لكم. ومن هنا، كما قلت لك، كان يقول: اطلبوا، ماذا تريدون؟ نحن معكم، لا تخافوا، لا تخشوا. ونحن كنا نشعر بذلك، كنا نشعر بالثقة بأنفسنا، بالأمل مع وجوده، وبما يمثل بوصفه قائدًا للجمهورية الإسلامية في إيران.
لذلك، نحن نحزن كثيرًا جدًا جدًا جدًا عندما يسقط شهيد قائد في الجمهورية، فكيف إذا كان هذا الشهيد هو قائد الجمهورية الإسلامية في إيران؟ لأننا نشعر بأننا خسرنا جزءًا من السند الكبير والقوي، والظهر والظهير والجبل. لكن، كما قلت، سلوانا وعزاؤنا في وجود خلفه على النهج نفسه، وفي الدعم والسند نفسيهما إن شاء الله. لكن أكيد، كل شخصية تختلف عن الشخصية الأخرى. القائد فريد في شخصيته، في تاريخه، في علمه، في قيادته، في كاريزميته، في مناقبيته؛ حدّث ولا حرج. صحيح أن المبدأ نفسه، وأن الشخص الآخر الذي يأتي يسير عليه، لكن الشخصية تؤثر كثيرًا جدًا. لذلك، نعم، نحن افتقدناه.
في رأيكم، أين ستذهب قضية فلسطين بعد شهادة القائد؟
نحن نثق أولًا بأنفسنا بعد الله سبحانه وتعالى، ثم نثق بحلفائنا، وعلى رأسهم الجمهورية الإسلامية في إيران، أنها تسير على النهج ذاته. ونحن لدينا سنة، أنه لا تتأثر الكيانات باستشهاد الشهداء. تاريخنا يشهد بذلك، وقد ارتقى عدد كبير من شهدائنا الكبار العظام، سواء من شهداء الثورة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، القدماء والمعاصرين، «حماس» والجهاد إلى آخره. معظم قياداتنا استُشهدت. في لبنان سماحة الشهيد القائد السيد حسن نصر الله رحمه الله، وأخوه صفي الدين رحمه الله، الشهيد، وإخواننا جميعهم في القيادات. وفي الجمهورية الإسلامية، الشهيد القائد سليماني، وقيادات عسكرية وأمنية وسياسية، والرئيس، رئيس الجمهورية الشهيد، ووزير الخارجية وغيرهم.
لم تتأثر الجمهورية الإسلامية في إيران، عن الحياد عن النهج والمبدأ والخط ذاتها، لأنها تعتقد أن التمسك بهذا المبدأ والخط له ثمن. ونحن بصفتنا مسلمين، إحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة. بخلاف الآخرين، نحن ليست منتهانا الدنيا، وإنما الآخرة أيضًا.
أيضاً «حماس» لم تتأثر، وبقيت متمسكة. هم يعتقدون أنه باستهدافهم للقادة يمكن أن يؤثروا في المعنويات والقرارات والمبادئ، وعلى ثوابت الثورة والمقاومة، ولكن هذا يكون مفعوله عكسيًا. يكون الاستشهاد، يعني أنا مثلًا آخذ مثال استشهاد القائد الخامنئي، أعتقد أنه كان له تأثير كبير في معنويات القيادات، وفي الزخم الذي أخذوه من شهادة القائد، ويريدون أن ينتقموا لدمائه. فكان له تأثير كبير في الإنجاز العظيم الذي حققته الجمهورية الإسلامية في إيران. الكلام نفسه في لبنان، انتقامًا لشهادة الشهيد السيد حسن نصر الله. وعندنا في فلسطين، شهداؤنا الكبار، بعكس ما يرجون، يكونون وقودًا ونبراسًا للمقاومين، لكي ينطلقوا بدافعية أكبر.
لذلك لن تتأثر قضية فلسطين؛ لأن الخط نفسه، والقائد يسير على النهج الخاص بالقائد الشهيد ذاته، والواقع يثبت ذلك الآن. لذلك إن شاء الله نقول إنه لا خوف على فلسطين ما دام الحلفاء والأصدقاء والصادقون وأحرار الأمة والعالم معنا، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الجمهورية الإسلامية في إيران.
هل نستطيع أن نقول إننا دخلنا في مرحلة جديدة من التاريخ في المنطقة مع بداية «طوفان الأقصى»، أم أننا ما نزال في المرحلة نفسها التي بدأت معه؟ الأحداث كلها التي تلت هذا الحدث الأكبر، مما حدث في لبنان، وشهادة الأمين السيد حسن، وحرب 2024، وصولًا إلى حرب الـ 12 يومًا في إيران، وأيضًا الحرب الأخيرة، 40 يومًا، وشهادة القائد، وما حدث وما وصلنا إليه اليوم، وما نشاهده اليوم من إيجاد موازنة جديدة للقوى في المنطقة وواقع جديد فيها. هذا الواقع الجديد، رغم أنه في البداية، يعني بعد «طوفان الأقصى» بأشهر، ربما كان البعض يتصور أننا ذاهبون باتجاه إضعاف المقاومة في المنطقة وجبهة المقاومة، لكن اليوم، وما تفرضه إيران من شروط على المنطقة والجبهة المعادية، جبهة الاستكبار، نفهم أنه لا، رغم الخسائر الظاهرية كلها، وأننا نفتقد القادة والشهداء وما إلى ذلك، لكن القضية أصبحت أقوى من قبل، وجبهة المقاومة اليوم لديها فرصة جديدة لإعادة الهيكلة والتنظيم والترتيب، ولمواجهة المشروع الاستكباري في المنطقة.
بداية من «طوفان الأقصى»، مباشرة بعده في الأيام الأولى خصوصًا، كنا نسمع هذه الشائعات أن الفلسطينيين، وعلى رأسهم حركة «حماس»، المقاومة الإسلامية في فلسطين، أخذوا الأوامر من إيران ودخلوا في هذه المعركة. القائد بعد أيام عدة تحدث وقال: حتى نحن لم نكن نعرف بهذه العملية. أنتم كيف تقرؤون هذا المشهد؟ هل واقعًا وفعليًا لم يكن لدى القائد خبر، أم ماذا؟
نحن، بالمبدأ العام بصفتنا حلفاء، نتشاور في كثير من القضايا في ما له علاقة بمواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة، ولكن هذه العملية بالذات، نعم، لم يكن أحد يعلم، حتى جزء كبير من قيادات الحركة، المقصود تفاصيلها وتوقيتها وما إلى ذلك. فهو صادق ومحق، كما قال السيد الشهيد حسن نصر الله أيضًا.
لكن نحن كانت لدينا معلومات. أول شيء، كانت الحكومة الصهيونية اليمينية المتطرفة قد جاءت حديثًا، وتبنت مشروع الحسم، يعني إنهاء القضية الفلسطينية. وردنا معلومات بأن الأمريكي مع الصهيوني يريدان تغيير المنطقة، وبناء الشرق الأوسط الجديد الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة على المنطقة بأكملها، مواردها، طرقها التجارية البحرية والبرية، ويسود فيها العدو الصهيوني، الكيان، سيدًا عليها عبر التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية. كان ضروريًا جدًا أن يحدث ذلك بالقضاء على كل تهديد لهذا المشروع. لذلك كانوا يخططون، ووصلتنا معلومات أنهم سيستهدفوننا، بدءًا من فلسطين، «حماس» وفصائل المقاومة في غزة، على نحو مفاجئ واستئصالي، ثم ينتقلون إلى لبنان، ثم ينتقلون إلى اليمن والعراق وسوريا. لم تكن سوريا ساقطة، كانوا قد حضروا لها شيئًا، وبعد ذلك ينتقلون إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، محور المقاومة كله، لكي يخلو لهم الميدان.
هذا كان سببًا مهمًا وخلفية أساسية في أن ننفذ عملية الطوفان، إضافة إلى أن القضية كانت تُصفّى، فلا بد من خلط الأوراق وإيجاد فعل يغير المشهد كله، ويعيد البوصلة.
نعم، بناءً عليه حدث الطوفان. الطوفان كان له تأثير كبير جدًا، ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على المنطقة والعالم. ولا نبالغ إذا قلنا إن معظم الترددات والصدى التي تحدث حاليًا هي بسبب «طوفان الأقصى». كما قلت، بعدما انتهينا، سواء من الحرب على لبنان، أو الحرب على الجمهورية الأولى والثانية، أو أينما كان، كله بسبب «طوفان الأقصى».
لا أريد أن أفصل. وصلنا إلى مرحلة ما في فلسطين وفي لبنان وصولًا إلى هذه الحرب. كان يراد عبر هذه الحرب أن يقضوا على المركز الداعم لمحور المقاومة، لكي يتفرغوا للقضاء، بعد مدة قصيرة من وجهة نظرهم، على ما تبقى من مكونات محور المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، عبر ضرب القيادات على نحو مفاجئ، بالغدر، والقضاء على قدرات إيران، وتغيير النظام ليصير مواليًا لهم كما كان نظام الشاه. عندها يلتفتون ويرجعون ويُنهون الأمر، فيصير هناك تطبيع عربي كامل، وتحالفات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية وأمنية في المنطقة بقيادة الكيان الصهيوني، وبإشراف عام من الولايات المتحدة الأمريكية.
وكانوا يظنون أن هذا أمر سهل، القضاء على الجمهورية الإسلامية في إيران. تفاجؤوا بالصمود والقدرة والاقتدار، وتفاجؤوا بامتلاك إيران أوراقًا كبيرة واستراتيجية. كانوا يظنون أنه بسهولة يمكن أن ينتهي الأمر، وهذا ما جعلهم يخضعون لشروط الجمهورية الإسلامية في إيران، ويقبلون مبدئيًا بورقة التفاهم. وهذا القبول، وهذه الورقة، يشكلان انتصارًا للجمهورية الإسلامية في إيران، ويؤسسان لصورة جديدة للمنطقة بمعادلات جديدة، إيران أساس فيها.
لذلك، ترامب يتخبط في مأزق كبير جدًا، ولا يعرف ماذا يريد أن يفعل. لذلك ذهب للاتفاق، وإذا أكمل، لا يملك شيئًا جديدًا يستطيع فعله، وسيكون رد فعل الجمهورية قاسيًا عليه وعلى الكيان. وإذا عمل اتفاقًا شاملًا، سيخسر داخل الولايات المتحدة، وفي المنطقة والعالم. وأصلًا عنده جزء مهم جدًا من المعركة مع الصين، لأن الصين في المنطقة لديها احتياجات استراتيجية ومصالح مع إيران، وبالتالي أيضًا يرى أن الصين انتصرت مع إيران في هذه القضية الكبيرة، لأنه يريد أن يحاصرها اقتصاديًا في المنطقة عبر الهيمنة على الموارد والممرات والطرق، وطريق الحرير، لمصلحة طريق الهند، الذي هو مشروع إسرائيلي أوروبي أمريكي. لذلك أُسقط في يده.
لكن أنا أعتقد أن هذه جولة؛ لأن هؤلاء شياطين ولا يقبلون ولا يرضون بأن يكون هناك انتصار للمقاومة ومحور المقاومة الذي تمثله بصورة أساسية إيران. ولذلك من الممكن أن تكون هذه مرحلة، والجولة انتهت الآن، ولكنهم يحضّرون دائمًا لأي شيء آخر.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من بعد حرب 12 يومًا، أصدرت، أنا أقول مصطلحين: بعدما خُدعنا كثيرًا. التقينا بالوزير، بالأخ الشهيد لاريجاني، هنا، أنا التقيته هنا، وإذا عرفت، اللقاء خاص، وكان مهمًا كثيرًا وجميلًا رحمة الله عليه. لكنه جمع القيادات اللبنانية والفلسطينية وتحدث، فقال: نحن خُدعنا بعد حرب الـ 12 يومًا. قلت للإخوة جميعًا الذين ألتقيهم: صار هناك «صدمة» استراتيجية، إيران ولّدت يقظة استراتيجية.
لذلك الآن الجمهورية أكثر تحصنًا ووعيًا وحذرًا، لا تثق بالأمريكي. تفاوض وهي على الزناد، وتعظم من قدراتها، وهي تعلم أن هذه جولة وستكون هناك جولات، وهي مستعدة. حتى الآن تضع بند لبنان في أول بند، ولا تنتقل إلى بند آخر إلا إذا طُبّق كليًا. هذا المنطق في المفاوضات ينبع من قدرة وقوة وسيطرة، بكل صراحة، واقتدار.
لذلك نعتقد أن المشروع في هجمته الكبيرة فشل، خضع لشروط إيران، لكنه سيعدّ العدة، ويجهز نفسه مرة أخرى، ويُقبل على عدوان آخر؛ لأن هؤلاء لا يُؤمن جانبهم. الجمهورية الإسلامية منتبهة حذرة، أيضاً تطور من قدراتها، وتعد العدة لأي غدر أو أي عدوان آخر على الجمهورية. لذلك هذه المعركة لها ما بعدها في المنطقة كلها، وحتى على مستوى القضية الفلسطينية.
الأهمية للطوفان، وكما تفضلتم، الترددات الحالية التي نعيشها حاليًا كلها ترددات الطوفان، وإن شاء الله، المستقبل لمصلحة جبهة المقاومة، كما نشاهد.
مواقف الإمام الخامنئي في هذه المدة، رغم أنه كانت هناك اعتراضات كثيرة من بعض المكونات في جبهة المقاومة على الإخوة في فلسطين، أنهم مثلًا، من باب أنهم ذكروا أنهم استُفردوا، أو ورّطوا الجبهة أو المحور في هذه الحرب، رغم ذلك، نحن شاهدنا في أول موقف للإمام الخامنئي بعد أربعة أيام من الطوفان، قال إننا لم نكن نعرف، ولكنه قال: نحن نقبّل جباه المقاومين الذين خططوا ونفذوا هذه العملية وأياديهم. هذا كان أول موقف للإمام الخامنئي: تأييد كامل لهذه العملية، رغم أنه في تلك المدة كان هناك كثير من الاعتراضات على ما فعله الإخوة في فلسطين. القائد وقف إلى جانب المقاومة في فلسطين، وأيّد تمام التأييد بهذه الطريقة التي لا مثيل لها، وقال: أنا أقبّل جباه الذين خططوا والذين نفذوا هذه العملية وأياديهم.
وبعد هذه المرحلة، في المرحلة كلها التي شاهدناها، كان له دائمًا موقف داعم ومغطٍّ. كيف تقرؤون هذه المدة وأبرز المواقف، إلى جانب أبرز القرارات التي أخذها القائد لدعم المقاومة في فلسطين في تلك المدة الصعبة جدًا جدًا، ومعاناة الشعب الفلسطيني في الداخل، والتكاليف التي كان هذا الشعب يدفعها من أجل هذا الخيار الإنساني؟
دعنا نبدأ من الخطوة الأولى أو المرحلة الأولى للعملية. نعم، عملت لغطًا: لماذا وحدهم؟ كيف كذا من دون المحور كله؟ هو كان يعي ما يفعل عندما تكلم بهذا الكلام؛ لأنه لا يريد انقسامًا حالياً. رأى أن هذه خطوة كبيرة أثرت في الكيان، ولها ما بعدها ببصيرته. لذلك نحن يجب أن ندعم. إذا كان هناك نقاش تقييمي نقدي أخوي، مصارحة، وقد حدث هذا، فهذا ممكن. أما أن نقعد في العلن والحقيقة والعملية نختلف: ولماذا فعلوا هكذا؟ وبما أنهم لم يشاورونا فلا علاقة لنا، وإلى آخر ما هنالك، فهو كان يوصل رسالة إلى مكونات المحور كلها بأننا يجب أن نكون مع الإخوة في فلسطين. وهذا عدّل المزاج بصورة كبيرة. ورأينا مباشرة الإسناد في لبنان، والإسناد من اليمن، والإسناد من العراق، وكأن المعركة، وهي كذلك، معركتنا جميعًا.
إن توجيهات الإمام الشهيد، أولًا للقيادة السياسية، ووزير الخارجية عبد اللهيان رحمه الله، كنت ألتقيه كلما يأتي إلى هنا، وكنا نلتقي الشيخ صالح والحاج رمضان رحمهما الله، صاروا ثلاثة شهداء، نسأل الله الشهادة جميعًا.
كنت أقول، وليس فقط أنا، بل قيادات الحركة، إنه سفير فلسطين، وأحيانًا حتى سفير «حماس»، كان مجاهدًا ينطق بالحق، شجاعًا. وبتوجيه من القائد، كان في ذلك الوقت، عندما كان الكل خائفًا من الدول العربية والإسلامية، ولا أحد يجرؤ على أن يتحدث أو يؤيد أو يدعم، كان في المحافل كلها التي يذهب إليها، وفي خطاباته كافة، وفي الأماكن كلها، كان خطابه، كما خطاب الرئيس رئيسي رحمه الله، دعمًا للمقاومة وللطوفان. كان يتبنى الطوفان كما تتبناه قيادات المقاومة الفلسطينية، وأحيانًا أكثر حتى.
لذلك نعم، نحن تابعنا توجيهات القائد على المستوى المبدئي الأول، والموقف من هذا الفعل، وقد تبناه لكي يتبناه الجميع؛ لأنه يعرف أن كلامه يجب أن يمضي. ثانيًا على المستوى السياسي، كان يوجههم حتى آخر لحظة، وحتى اليوم، وكان دائمًا يعطي الموقف الذي تتخذه المقاومة الفلسطينية، بخلاف كثير من الجهات والدول وغيرها.
النقطة الثالثة: في المحافل كلها، كان موقف الجمهورية مؤثرًا بتوجيه منه، غير المعلومات التي كانت تصلنا عبر ما يعرفه الإخوة من اللقاءات هنا وهناك، لكي ينتبهوا من كذا، افعلوا كذا، انتبهوا من كذا. نصائح عملية جدًا، وثمينة ومهمة. هذا كله، بخلاف وغير الدعم الاستخباري، الدعم العسكري، الذي كان دائمًا محل التشاور والتلاقي في كيفية متابعة المعركة، بوصفنا حلفاء وشركاء.
حتى لو لم تكن الجمهورية في البداية منخرطة في البعد العسكري المباشر، لكنها كانت معنية على نحو كبير، والتنسيق بصور مختلفة كان عالي المستوى. ولبنان كان محطة في هذه القضايا؛ من هنا كان كثير من الأمور يُنسَّق ويُرتَّب. الطوفان لم نكن وحدنا فيه، بغض النظر هل دخلنا معًا في حرب شاملة كبيرة في بداية الوقت أم لا، لكن الدعم كان بصور مختلفة، والمواكبة كانت كبيرة جدًا من القائد ومن الجمهورية التي يشرف عليها في ذلك الوقت.
كان يعتقد أن هذا الحدث، «طوفان الأقصى»، له ما بعده، وسيكون له انعكاس كبير جدًا على القضية والمنطقة والعالم. انطلق في الرؤية من هذا، ومارس هذه الرؤية بسلوكه ومواقفه وقراراته مع إخوانه في الجمهورية ومع محور المقاومة.
حتماً كان لديكم لقاءات مع السيد حسن. كان يتحدث عن القائد معكم، وخصوصاً أن لديه معرفة قريبة وعميقة بالقائد، هل كان ينقل لكم شيئًا عنه؟
لا تخلو اللقاءات معه، في محور المقاومة، ولمّا تكون إيران أساسًا فيه، ولما نتحدث عن إيران ومواقفها ودعمها وكذا، بالتأكيد يكون هناك ذكر لمواقف الجمهورية الإسلامية والقائد الذي يقودها، من سماحة السيد ومن قيادات إيرانية كثيرة بكل صراحة.
كنت أسمع أنا، سواء في اللقاءات مع سماحة السيد أو مع قيادات أخرى في «حزب الله»، في المفاصل والمحطات التي كنا نكون فيها مضغوطين كثيرًا، كانوا ينقلون مواقفه في طلبه من إخوانه أن يتحركوا لكي يخففوا من الضغط، وأن يدعموا على نحو أو آخر، وأن يعيشوا الموقف عمليًا وشعوريًا وإنسانيًا. هذا كان ينقله الشهيد حسن نصر الله وقيادات كثيرة في «حزب الله.«
يعني قبل أن ينقل إخواني لي هذه القضايا في لقاءاتهم مع الشهيد القائد، كان إخواننا في «حزب الله» عندهم معلومات؛ لأنه عبرنا كان يأتي إخواننا، وأنا آتي إلى هنا، ودائمًا نلتقي، فكانوا دائمًا ينقلون. وسماحة الشهيد، نعم، كان في كثير من الأحاديث، عندما كانت تُذكر هذه القضايا، ينقل كثيرًا من المواقف والمشاعر والقرارات والاحتضان والتبني الكبير، في محطات محددة كثيرة كانت قاسية علينا أحيانًا.
في أحد البيانات، سمعتُ السيد مجتبى، عندما تحدثتم عنه وعن موقفه، قد تبنى موقفًا مهمًا جدًا للقائد الشهيد، أو أكد الموقف نفسه، وهو مسألة زوال “إسرائيل” خلال 25 سنة.
قبل عشر سنوات، سمعت القائد أطلق هذا الشعار أو هذا الوعي: أنه بعد 25 سنة لن يكون هناك شيء اسمه “إسرائيل”. وبعد شهادة القائد، في أحد البيانات منذ أسابيع، سمعت السيد مجتبى يتحدث عن هذا الوعي، وقال: نحن لا نزال على الوعي نفسه، وبقيّة الـ25 سنة.
هذا الموقف يجنّن الاستكبار.





