الوحدة درع يحمي العالم الاسلامي امام التهديدات.. تحويل رصيد التقريب الى قوة لتعزيز التعاون بين المسلمين

الوحدة درع يحمي العالم الاسلامي امام التهديدات.. تحويل رصيد التقريب الى قوة لتعزيز التعاون بين المسلمين
اكد الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية الشيخ الدكتور حميد شهرياري، على ان الوحدة تشكل درعا حصينا لحماية العالم الاسلامي في مواجهة التهديدات؛ داعيا لتحويل مشروع التقريب بين المذاهب الى قوة يمكن من خلالها تعزيز التعاون على صعيد الامة.
جاء في تصریح ادلى به الشيخ الدكتور شهرياري بمناسبة حلول ذكرى تاسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ومرور 4 عقود على انطلاقة هذه المؤسسة الاسلامية المنادية بالوحدة بين ابناء الامة الواحدة ونبذ الخلافات وتفويت فرص بث الفرقة والوقيعة على اعداء المسلمين؛ حيث سلّط فضيلته الضوء على السبل الكفيلة بالانتقال من مرحلة اطلاق الشعارات الى التطبيق وتشكيل الشبكات والفصل بين الخصومة والاختلاف واعداد خارطة طريق تجعل من التقريب قوة عملانية للدفع باهداف العالم الاسلامي، فضلا عن الانجازات والنجاحات التي حققها المجمع طوال هذه السنوات، وفي مختلف المجالات الدينية والسياسية والعلمية والثقافية.

‏واعتبر الدكتور شهرياري أن التقريب بين المذاهب الإسلامية يعدّ مقاربة أصيلة ومتجذّرة في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد جاء تأسيس المجمع العالمي للتقريب امتداداً لهذه الخلفية الفكرية، وبمبادرة ودعم من القائد الشهيد للثورة الإسلامية الشهيد، الامام السيد علي الحسيني الخامنئي (قدّس الله نفسه الزكية)، لتتابع هذه الفكرة في اطار مؤسسة دولية وعلمية وثقافية وبمهام مستدامة.

واوضح قائلا: اليوم، يُعدّ مجمع التقريب حصيلة تجربة متراكمة وقيمة وجهود بذلت على مدى عقود، وتتبلور في هذا المسار جهود المرحوم آية الله محمد واعظ زاده الخراساني بتأسيسه البنية العلمية والفكرية للمجمع، والمرحوم آية الله محمد علي التسخيري بتبيينه الأسس النظرية وتطوير ادب التقريب ودبلوماسية الوحدة.

واستدل الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بما ورد في كتابه «الأمة الواحدة الإسلامية واتحاد الدول الإسلامية»، مؤكدا على انه “لا ينبغي النظر إلى الأمة الواحدة بوصفها مجرد نموذج مثالي، بل إن تحقيقها يستلزم مساراً محدداً وهندسة دقيقة، وان ونقطة بداية هذا المسار هي تجنّب التفرقة والتعدّي، والخطوة التالية هي تعزيز التكامل والنمو الروحي وبناء الثقة والمصالح المشتركة، وهو ما يمكن أن يؤدّي في الأفق البعيد إلى تشكيل اتحاد حقيقي للدول الإسلامية.

ومضى الى القول: في هذه الرؤية، “التقريب” سيكون بمعنى القبول بوجود اختلافات مذهبية إلى جانب العمل على تعزيز الهوية الإسلامية المشتركة وتحويل المشتركات إلى تعاون اسلامي ملموس وعملي. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار أهم إنجاز للمجمع هو مأسسة فكرة التقريب في الساحة العلمية والدولية وتهيئة أرضيات مستدامة لبناء الوحدة.

ولفت فضيلته الى، ان المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية تمكن خلال السنوات الماضية، ومن خلال اعتماد خطوات واجراءت متخصصة، وعقد ندوات علمية، والتفاعل المستمر مع الحوزات العلمية (المدارس الاسلامية) والجامعات، وتنظيم 40 دورة من المؤتمرات الدولية للوحدة الإسلامية، بان ينشر خطاب التقريب على مختلف المستويات.

واوضح انه من أكبر أرصدة “المجمع”، يمكن لحاظه في تشكيل شبكة واسعة من الاتصالات مع العلماء والنخب على مستوى العالم الإسلامين؛ مؤكدا على ضرورة استخدام هذا الرصيد المتراكم للدخول في مرحلة جديدة ترتقي فيها الحوارات إلى تعاون مستدام، والربط بين المؤسسات، وصولاً إلى العمل المشترك حول القضايا الأساسية للعالم الإسلامي، وبما يمهّد الطريق لتحقيق الأمة الواحدة بشكل ملموس.

وحول اهم الفرص المتاحة التي يمكن من خلالها توظيف التقريب في خدمة الوحدة الاسلامية، قال الشيخ شهرياري: إن أهم فرصة راهنة هي أن العالم الإسلامي بات، أكثر من أي وقت مضى، مدركاً لهذه الحقيقة بأنه رغم الاختلافات المذهبية، فإن مصير المسلمين في مواجهة الأزمات مرتبط ببعضه البعض ارتباطاً تاماً. واكد بان الرصيد التواصلي القيّم الذي تشكّل على مدى عقود من التفاعل بين العلماء والمفكرين والمراكز العلمية، يمكنه الآن أن يكون أساساً للدخول في مرحلة جديدة؛ مرحلة يتجاوز فيها التعارف المتبادل مستوى التفاعلات العلمية ليصل إلى تعاون مستدام وإجراءات مشتركة بين المؤسسات الإسلامية.

واوضح فضيلته، ان “أهمية هذه الطاقات باتت اكثر تجليا في ظروف المنطقة الراهنة؛ فقد أظهر العدوان المباشر الأمريكي والصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتوسّع الحرب في المنطقة، والهجوم العسكري الذي نفذه الكيان الصهيوني على أرض قطر، وتهديداته الصريحة ضد تركيا، فضلاً عن الصراعات الإقليمية مثل أزمة اليمن — أظهرت مجتمعة بأن التطورات الأمنية في العالم الإسلامي مترابطة ببعضها الاخر، ولا يمكن لأي بلد أن يعتبر نفسه بمعزل عنها”.

وتابع: كما أثبتت هذه التطورات أن الاستنجاد بالقوى الغربية الوهمية لن يسهم في الاستقرار والأمن. وفي مثل هذه الظروف، تتمثل إحدى الفرص الرئيسية للتقريب، في الفصل بين الاختلاف والعداء؛ فلا ينبغي أن تتحول الاختلافات المذهبية والسياسية إلى عداء بين الشعوب، حتى لا يتمكن الاجانب من استغلال الشقوق القائمة.

واشار في السياق ذاته، الى ان اكبر فرصة هي تزامن رصيد تقريبي متراكم مع حاجة متزايدة في العالم الإسلامي إلى الوحدة؛ مبينا ان قضايا مثل القضية الفلسطينية، والأمن الإقليمي، والعدالة، ومكافحة استكبار الاستكبار والكيان الصهيوني، ومواجهة الـ “إسلاموفوبيا”، والحفاظ على استقلال المجتمعات الإسلامية — كلها محاور يمكن أن تجمع بين المسلمين حول تعاون عملي مشترك.

وحول سبل تعزيز دور النخب والأكاديميين والإعلاميين في رفد خطاب التقريب ومنع التفرقة داخل الامة، قال الدكتور شهرياري: في الظروف الراهنة، ينبغي تعريف دور النخب والأكاديميين والإعلاميين بما يتجاوز الدعوات العامة والشعارات إلى الوحدة. فالعالم الإسلامي اليوم يواجه اعتداءات وضغوطاً مباشرة من أمريكا والكيان الصهيوني، واستمرار مأساة فلسطين وحرب غزة، وكذلك هجمات واسعة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد أضاف استشهاد قائد الثورة الإسلامية خلال هذا العدوان أبعاداً جديدة لهذا المواجهة. وفي مثل هذه الاجواء، لم تعد الوحدة الإسلامية موضوعاً نظرياً أو ثقافياً فحسب، وانما أصبحت مسألة مرتبطة ارتباطاً تاماً بالحفاظ على الهوية والاستقلال والأمن ومستقبل العالم الإسلامي.

وتابع: في مثل هذا السياق، فإن من أهم واجبات النخب الدينية والفكرية تبيين الظروف بدقة وتوضيح الحد الفاصل بين «الاختلاف المذهبي» و«العداء» للرأي العام، لتجنّب نشر الكراهية والتكفير والمواجهة. ويجب أن يكشف التبيين العقلاني والموثّق للنخب عن جذور الاعتداءات الخارجية وتبعاتها والآليات التي يتم من خلالها تصعيد الخلافات الداخلية.

كما دعا الحوزات العلمية والجامعات في دول المسلمين لكي ترتقي بموضوع التقريب من ردود الفعل الظرفية إلى مستوى إنتاج المعرفة؛ مبينا انه من الضروري تشكيل دراسات مشتركة وبينية حول حرب الروايات، والإسلاموفوبيا، والتطرف، وخاصة القضية الفلسطينية، لأن فلسطين ليست مجرد موضوع سياسي، بل هي نقطة تربط العدالة والكرامة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية للأمة الإسلامية. وإنتاج المعرفة والرواية المستقلة يُذخرج العالم الإسلامي من الموقف السلبي أمام الإعلام الغربي والصهيوني. ومن جهة أخرى، على الإعلاميين أن يتجاوزوا إعادة نشر الأخبار ويدخلوا ميدان «الجهاد التبييني». وهذا الجهاد لا ينبغي أن يقتصر على تكرار الشعارات، بل يجب أن يقدّم رواية قوية وعلمية وأخلاقية ومفهومة للجيل الشاب، وأن يمنع تحريف الحقائق من خلال الحضور الفاعل في الشبكات الاجتماعية والمحافل الدولية.

واضاف الدكتور شهرياري: في هذا المسار، يمكن للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، بدلاً من الاكتفاء بالمؤتمرات الظرفية، أن ينشئ شبكة مستدامة وفاعلة بين العلماء والباحثين والإعلاميين، لتتولى إنتاجاً علمياً وإعلامياً مشتركاً في القضايا الواقعية.

وتوقّع بانه، لو اجتمع معاً الإدارة الحكيمة للنخب، وإنتاج المعرفة في الجامعات، والتوعية الإعلامية، فإن التقريب سيتحول من خطاب نخبوي إلى طاقة اجتماعية وحضارية عميقة لصيانة كرامة الأمة الإسلامية ووحدتها.

واستطرد فضيلته: كخلاصة، يجب أن أقول بأن المجمع العالمي للتقريب للمذاهب الإسلامية تمكّن طوال العقود الأربعة الماضية من طرح فكرة التقريب وتأسيسها لدى طيف واسع من العلماء والمفكرين والأكاديميين والمؤسسات العلمية والثقافية في العالم الإسلامي. والآن، هناك قدرة على أن يدخل هذا الإرث القيّم مرحلة جديدة؛ مرحلة ننتقل فيها من مجرد التواصل بين الشخصيات وعقد البرامج، إلى تشكيل «شبكات علمية وثقافية واجتماعية مستدامة»؛ من شانها بمعزل عن التغيرات الظرفية، الحفاظ على الارتباط بين التيارات الفكرية والمؤسسات الإسلامية وتعزيزه.

وعن المرحلة المستقبلية قال: إن رؤية المجمع العالمي للتقريب في السنوات المقبلة هي الدخول في مرحلة جديدة من حياة التقريب، يتحول فيها الرصيد العلمي والإنساني والدولي لعقود من نشاط المجمع، إلى شبكة مستدامة ومؤثرة تتعاون فيها مؤسسات وشخصيات العالم الإسلامي. وفي هذا الأفق، يمكن للمجمع أن يتحول أكثر من ذي قبل إلى مرجعية فكرية وشبكة بناء داخل العالم الإسلامي، تحافظ على هوية المذاهب واستقلالها، وتوفّر في الوقت نفسه أرضية تعاونها في الموضوعات المشتركة، وتربط الطاقات المتفرقة في العالم الإسلامي ببعضها؛ مؤكدا على ان تحقيق ذلك يتطلب اشراك جيل جديد من العلماء والباحثين والنخب المعنيين بالتقريب في هذه الشبكة، وأن يربطوا تجارب العقود الأربعة الماضية بقضايا وظروف العالم الإسلامي الجديدة.

واكمل الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية: انه من الواضح تماماً أن تحولات السنوات الأخيرة، من اعتداءات أمريكا والكيان الصهيوني واستشهاد قائد الثورة الإسلامية الامام الخامنئي (رض)، إلى تطورات فلسطين والتهديدات المتزايدة ضد دول المنطقة — قد ضاعفت أهمية هذه المقاربة.

واوضح الدكتور شهرياري، ان العالم الإسلامي سيحتاج في المستقبل إلى مؤسسة تستطيع، فضلا عن الحفاظ على هويتها ومبادئها، أن تحلّل التطورات بعمق وواقعية، وأن تلعب دوراً في تشكيل الفهم المشترك والتعاون بين المسلمين بدلاً من ردود الفعل الظرفية. ومن هذا المنطلق، يجب البحث عن مستقبل المجمع في تحويل رصيد التقريب إلى رصيد تعاون؛ وفي جملة واحدة “تحويل رصيد التقريب إلى قوة تعاون العالم الإسلامي، تستطيع ان تحمي، بوعي وإدراك للتهديدات الخارجية وفي إطار العزة والحكمة والمصلحة، تحمي هوية الأمة الإسلامية واستقلالها ومصالحها المشتركة.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل