بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية “السيد بلال وهبي”
قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿169﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿170﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿سورة آل عمران: 171﴾.
مرارًا ذكرنا، في هذه اللقاءات اليومية مع القارئ الكريم، إن الموت ليس نهاية الحياة، وإنما هو انتقال من نشأة إلى نشأة، ونهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى من مراحل الحياة، التي تنتهي إلى المعاد، حيث الدوام والخلود، وتكون الدار الآخرة دار القرار والاستقرار. قال تعالى: ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ﴿سورة العنكبوت: 64﴾.
في هذا السياق تأتي الآيات الكريمة التي نتفيأ ظلالها اليوم لتكشف لنا عن حياة الذين يُقتَلون في سبيل الله، وعمّا لهم عند الله من كرامة، وما أعدَّ لهم من رزق ونعيم، وتكشف أيضًا عن علاقتهم بالأحياء الذين خلفوهم من بعدهم في الدنيا.
هذه الآيات الكريمات نزلن بعد أحداث معركة أحُد وما رافقها من أخطاء وخسائر، وما كشفته من ضَعف بعض النفوس ونفاق بعضها الآخر، فجاءت الآيات لتعالج قضية تمسّ أعمق مشاعر الإنسان، وتكشف عن مصير الذين قُتِلوا في سبيل الله، فلقد خلّفت معركة أُحد عددًا كبيرًا من الشهداء، ناهيك عن الجرحى، وقد أحدث استشهادهم جرحًا بليغًا في نفوس المسلمين، ولا سيما أهلهم وإخوانهم الذين رأوا أحباءهم يغادرون الحياة التي يعرفونها، بينما تستمر الحياة الدنيوية لمن بقوا بعدهم.
وقد خُيِّل لبعض أهليهم وإخوانهم، تحت وطأة الحزن، أن الذين استُشهِدوا قد فقدوا كل شيء، وأن الذين بقوا بعدهم وحدهم الذين يستطيعون مواصلة الحياة والاستمتاع بنعمها. وقد ساهم المنافقون في الترويج لهذه الفكرة، كما سبق أن فندنا ذلك في مقالات سابقة. فجاءت الآيات لا لتخفف عن أهليهم آلام فقدهم وحسب، بل لتصحح هذا التصور من أساسه، وتقدِّم رؤية مختلفة لحقيقة الموت والحياة.
وقد بدأت الآية الأولى بالنهي عن حسبان الذين قُتِلوا في سبيل الله أمواتًا، فقالت: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فالموت ليس نهاية الحياة، بل نهاية لصورتها التي نعرفها في الحياة الدنيا، وبداية لحياة أخرى تختلف عنها.
واللافت في الآية أنها لا تنهى عن الحزن عليهم والأسف لفقدهم، بل تنهى عن حسبانهم أمواتًا، والفرق بين الأمرين جوهري جدًا؛ فالحزن على فقد الأحبة شعور إنساني طبيعي، فلا تطلب هذه الآيات من الإنسان أن يتخلص من مشاعره، وأن يتعامل مع رحيلهم كأن شيئًا لم يكن. لكنها تريد أن تمنعه من تحويل موتهم إلى حكم نهائي على حقيقة الوجود؛ أي أنهم قد صاروا إلى الفناء.
إن الغالبية العظمى من البشر، لكن باستثناء الذين يؤمنون بالمبدأ والمعاد، يرون الجسد وقد فارقته الروح، فيستنتجون أن صاحبه قد انتهى، وأن علاقته بالحياة قد انقطعت تمامًا. لكن الآية تخبرنا أن ما نراه ليس الصورة الكاملة للحقيقة؛ فهناك حياة أخرى لا تخضع للمقاييس التي نعرفها في الدنيا.
ولهذا جاء التصحيح حاسمًا: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. فالآية لا تنفي موت الجسد الذي وقع في ميدان المعركة، وإنما تنفي أن يكون ذلك الموت فناءً تامًا أو انقطاعًا مطلقًا للوجود. وهذا من المعاني الأساسية التي تقررها الآية في شأن الحياة البرزخية: فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، أما كيفية هذه الحياة وحقيقتها التفصيلية، فلا نعرف عنها إلا ما أخبرنا به الوحي. ولا ينبغي أن نشغل أذهاننا بما يتعذر علينا إدراكه؛ لأنه من عالم الغيب الذي لا سبيل إلى معرفة تفاصيله إلا من خلال الوحي.
ولم يكتفِ الله تعالى بقوله إن الشهداء أحياء، بل أضاف أنهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾. وهذه العندية تشير إلى ما ينالونه عند الله من تكريم وتشريف ورفعة في المنزلة ورحمة ورأفة. فهم لم ينتهوا إلى العدم كما قد يتوهم من يرى أجسادهم التي غادرتها الأرواح، بل انتقلوا إلى حياة يتلقون فيها رزق الله وفضله.
والشهداء يُرزقون. والتعبير بالرزق يكشف عن استمرار الفعل والحياة، لا عن مجرد بقاء ساكن لا شعور فيه. والقرآن يثبت لهم حياةً يدركون فيها النعمة، كما تدل الآية التالية على فرحهم واستبشارهم، وهو ما سنبينه في المقالة القادمة بإذن الله تعالى.





