الهجرة من منظور القرآن

بقلم الکاتب والباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه السيد بلال وهبي

قال الله سبحانه وتعالى فی القرآن الکریم: *فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿سورة آل عمران: 195﴾*

*تُحدثنا* الآية الكريمة، عمّا أعده الله، لأولئك الذين يُرغمون على الهجرة من ديارهم إلى ديار أخرى، يأمنون فيها على دينهم وأنفسهم وأموالهم، ولا يهاجر في هذا السياق إلا من ضُيِّق عليه في وطنه، أو أُخرج منه عنوة وتحت وطأة التهديد بالقتل، بل تحت وطأة التدمير الممنهج للقرى الذي يقوم به عدو غاشم ظالم لا يردعه ضمير ولا قانون. كما تحدثنا عما وعد الله به أولئك الذين ينالهم الأذى من أعدائهم، ويقاتلون ويُقتلون في سبيل الله ليدفعوا العدوان عن أنفسهم ودينهم وأوطانهم.

*إن* الهجرة من الوطن إلى غيره قاسية على الإنسان ولو كانت باختيار منه، لأن ارتباط الإنسان بوطنه كارتباط البدن بروحه، فالوطن هو المكان الذي يأمن فيه الإنسان على نفسه ودينه وماله وعرضه، ويعيش فيه بين أهله، ويمارس حياته بكرامة وطمأنينة.

وحين يصبح البقاء في الوطن تهديدًا لهذه الضرورات، يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى مغادرته حفاظًا على ما هو أعمق من المكان الذي يألفه. فما بالك بأن يُنتزع الإنسان بالإكراه من قبل قوة غاشمة طاغية تريد إخراجه، وتدمير ما يربطه بأرضه، وحرمانه من حقه في العيش الآمن فيها. وما بالك أيضًا في أن يتعرض المؤمن للأذى بسبب إيمانه وثباته على موقفه، ويضطر إلى القتال دفاعًا عنه، أو يقدّم حياته في سبيله.

*هذه* الصور كلها تحضر في الآية الكريمة التي نتفيأ ظلالها الآن. وهي تأتي بعد دعاء المؤمنين في الآية السابقة عليها: *﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾*. وكأن الآية تنتقل من الدعاء بوعد الله إلى بيان بعض ما وعد به الذين حملوا مسؤولية الإيمان، وتحملوا تكاليفه، وثبتوا في طريقه.

*ومما* لا شك فيه أن القرآن الكريم وهو يتحدث عن الهجرة، لا يتحدث عن مغادرة الإنسان مكانًا لأنه لم يعد يعجبه أو لأنه يبحث عن ظروف اقتصادية أفضل فحسب، وإنما يتحدث عن هجرة يلجأ إليها الإنسان قسرًا، للمحافظة على دينه وكرامته، وقدرته على العيش وفق ما يعتقد. وهنا تكون الهجرة انتقالًا من بيئة تهدد الإنسان في مقومات وجوده إلى بيئة يرجو فيها أن يأمن على نفسه ودينه وماله وعرضه، وعندئذٍ قد تكون المغادرة ضرورةً لحفظ النفس والكرامة، لا دليلًا على ضعف الانتماء إلى الوطن.

*وفي* المقابل، لا ينبغي أن تتحول الهجرة الاضطرارية إلى أمر عادي يُستهان به. فالإنسان حين يترك داره قد يترك وراءه كل عزيز عليه، فقد يترك شبكة علاقاته، ومصدر رزقه، وأرضه، وتاريخ أسرته، ومقابر أحبائه، وكل ما كان يمنحه الشعور بالانتماء والاستقرار. ولذلك فإن الهجرة قد تكون إنقاذًا للإنسان من خطر حاضر، لكنها تترك جرحًا لا تلتئم آثاره بمجرد الوصول إلى مكان آمن.

*على* أن هناك فرقًا بين من يهاجر ومن يُخرَج من داره، وقد ذكرت الآية ذلك حيث قالت: *﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾*. فالهجرة في هذه الحالة قرار يتخذه الإنسان بإرادته، لكنه قرار تفرضه عليه ظروف قاهرة، بعد أن يوازن بين البقاء في موطن الخطر والمغادرة حفاظًا على نفسه ودينه وكرامته، أما الإخراج فلا يكون باختيار من الإنسان، بل يُكرَه عليه، الإخراج يعني أن هناك معتدٍ ومعتدًى عليه، هناك عدو يُخرج الإنسان من بيته الذي كان يعيش فيه آمنًا وينتزعه منه كما تُنزع الروح من البدن.

*وهذه* الصورة هي التي نشاهدها اليوم في أبشع مظاهرها، فحين يعجز المعتدي عن حمل الناس على تغيير مواقفهم، يلجأ إلى جعل حياتهم في أرضهم مستحيلة: يهدد أمنهم، ويهدم بيوتهم، ويدمر مقومات عيشهم، ثم ينتظر أن يغادروا تحت وطأة الخوف والحاجة. ففي جنوبنا الأبي، في جبل عامل، يقوم العدو الغاشم بتدمير المنازل والبنى التحتية في عشرات القرى، بل يقوم يدمرها بصورة ممنهجة، ولا يترك فيها أي مظهر يدل على الحياة، في حين أن عشرات الألوف من أهلها لا يجدون مأوى يأوون إليه، وتتواطأ السلطة اللبنانية مع العدو ضدهم. وتكفهر وجوه آخرين حين يشاهدون واحدًا منهم في هذه القرية أو تلك.

*هؤلاء* الأبرار، واللهِ، إنهم لَيُؤذَون في سبيل الله، ولا يؤذَون لأي شيء آخر، يؤذون لإيمانهم، واختيارهم الموقف الحق، وثباتهم عليه، وقتالهم أعداء الله وأعداء الوطن، كما يُقتَلون لنفس السبب.

*وإذا* كان الحاقدون يتآمرون مع عدوهم عليهم، فإن الله معهم، وقد وعدهم *﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾*. إنه وعد من الله نفسه، لا مجرد وصف لجزاء قد يقع، وما قد يضيع في حسابات البشر لا يضيع في الحساب الإلهي.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل