أوضح آية الله العظمى جعفر السبحاني -في معرض حديثه عن مكانة دعاء «مكارم الأخلاق» للإمام السجاد (عليه السلام) في بناء الإنسان الكامل- أن هذا الدعاء يُعدّ منظومةً قيّمةً لتنمية المعارف الإلهية والتحلي بالأخلاق النبيلة، والارتقاء بمراتب الإيمان واليقين.
تناول المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني، في أول درس للأخلاق ضمن العام الدراسي الجديد -والذي أقيم في مسجد معهد الإمام الصادق (عليه السلام) في مدينة قم- مكانة دعاء “مكارم الأخلاق” للإمام السجاد (عليه السلام) في بناء الإنسان الكامل. وقد وصف سماحته هذا الدعاء بأنه منظومة قيّمة لتنمية المعرفة الإلهية والسمات الأخلاقية الرفيعة، والارتقاء بمراتب الإيمان واليقين. ومن خلال شرح فقراته الاستهلالية، تطرق إلى دلالات الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومراتب اليقين الثلاث، وصفات المتقين.
دعاء مكارم الأخلاق: منهجٌ لبناء الإنسان المتقي
وأضاف سماحته: يُعد دعاء “مكارم الأخلاق” واحداً من أكثر الأدعية تأثيراً وبناءً في “الصحيفة السجادية”، وهو الدعاء العشرون فيها. ويحتوي هذا الدعاء على مضامين غنية؛ فإذا وُفِّقنا لشرحه، سنتمكن من الاستفادة من تعاليمه القيّمة.
وفي إشارةٍ إلى الظروف الاجتماعية في عصر الإمام السجاد (عليه السلام)، تابع سماحته قائلاً: عاش الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في فترةٍ اكتسب فيها أهل البيت (عليهم السلام) مكانةً خاصة في نفوس الناس، حتى في أعين خصومهم؛ وذلك لأن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ترك أثراً بالغ السوء على نظرة الناس للأمويين وحكومتهم. فقد تساءل الناس: إلى أي مدى انحرفت هذه السلطات عن المسار الإنساني والأخلاقي القويم، حتى أقدمت على استشهاد عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلك الطريقة، وفصلت رؤوس الشهداء عن أجسادهم، وسبت نساءهم؟
وأردف المرجع الديني قائلاً: لقد تركت هذه الأحداث أثراً سلبياً عميقاً في نظرة المجتمع الإسلامي تجاه الحكم الأموي. في الواقع، اتجه الناس نحو أهل البيت (عليهم السلام)، وحظيت مكانتهم الاجتماعية باهتمام أكبر مما كانت عليه من قبل. وبالطبع، فقد كان لأهل البيت (عليهم السلام) مقامٌ إلهيٌّ منذ البداية، إلا أن الميل الشعبي نحوهم ازداد بشكل ملحوظ بعد أحداث عاشوراء.
المكانة الاجتماعية للإمام السجاد (عليه السلام) بعد عاشوراء
يشير آية الله العظمى السبحاني -في معرض توضيحه لمكانة الإمام السجاد (عليه السلام) في مجتمع ذلك العصر- إلى واقعة استلام الحجر الأسود، فيقول: على سبيل المثال، عندما أراد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) استلام الحجر الأسود، أفسح له الناس الطريق رغم الازدحام الشديد. وفي الوقت ذاته، كان هشام بن عبد الملك حاضراً هناك ينتظر أن يفسح له الناس الطريق ليتمكن من استلام الحجر، لكنهم لم يفسحوا له المجال. وحين أقبل الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، تنحى الناس جانباً، فتمكن الإمام من استلام الحجر الأسود.
ويضيف سماحته: سأل الحاضرون هشاماً عن هوية هذا الرجل، فتظاهر بالجهل وقال إنه لا يعرفه. وكان الفرزدق حاضراً في ذلك المجمع، فأنشد قصيدةً عرّف فيها بالإمام، عبّر من خلالها بليغةً عن مكانته؛ ومما قاله في وصفه: “هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ، والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ”. وهكذا، أكد الفرزدق في أبياته هذه على المكانة المرموقة والمعروفة للإمام علي بن الحسين (عليه السلام). أشار المرجع الديني آية الله السبحاني إلى أنه بعد انتقال السلطة من الفرع السفياني للأمويين -أي في عهد يزيد- إلى الفرع المرواني، وتولي عبد الملك بن مروان الحكم، ظل الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يتمتع بمكانة خاصة في نفوس الناس، وواصل في ظل تلك الظروف نشاطاته في ميدان الإمامة والنضال.
نشر التعاليم الدينية عبر أدعية الإمام السجاد (عليه السلام)
وفي معرض حديثه عن أحد الأنشطة المهمة للإمام السجاد (عليه السلام)، أوضح سماحته أن الإمام كان يجمع الأدعية وينظمها ويقدمها لتلامذته؛ حيث كان يُعلّمهم إياها، ومن خلالهم كانت هذه التعاليم تنتشر في المجتمع وتترك أثرها في الناس. وبهذه الطريقة، تمكّن الإمام أيضاً من طرح الحقائق التي أراد إيصالها ونشر التعاليم الدينية في المجتمع.
وأضاف سماحته: إن المحور الأساسي للعديد من أدعية الإمام السجاد (عليه السلام) هو بناء “الإنسان العارف بالله”؛ ولا يُقصد بـ “العارف بالله” هنا المعنى الاصطلاحي المتداول لدى بعض الجماعات، بل يُقصد به الإنسان الذي يعرف الله حق المعرفة، ويكون على دراية بالأنبياء، ويتسم -إلى جانب هذه المعرفة- بالأخلاق الحميدة والصفات النبيلة. فكل الأدعية الواردة في هذه المجموعة تصبّ في هذا الهدف ذاته: بناء الإنسان العارف بالله وتنشئة الإنسان الكامل.





