مهندس النظام الجديد

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٤۹٥، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

🔍 تحليل صحيفة «صوت إيران» بشأن تأكيد قائد الثورة الإسلامية على متطلبات الاستقلال والأمن الإقليمي..

أكد سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، قائد الثورة، خلال لقائه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ضرورة حماية الأمن الوطني والإقليمي من خلال إدارة مضيق هرمز، وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة على أساس المصالح المستدامة والمتبادلة. ويمكن وصف هذه النقطة التي شدد عليها القائد الأعلى، في جملة واحدة، بأنها جزء من ملامح النظام الإقليمي الجديد.

🔹 أظهرت تطورات الأشهر الثمانية الماضية أنه لا يمكن إرساء الأمن في منطقة الخليج الفارسي على أساس الوجود العسكري الأمريكي والوعود التي تطلقها واشنطن. فالعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران، وعلى خلاف الحسابات الأولية للمعتدين، انتهى بهزيمة استراتيجية لهم، وأدى إلى تحول جوهري في المعادلات الأمنية للمنطقة. وقد كشفت هذه التطورات، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة قيام نظام مستقل عن القوى الخارجية والإقليمية الكبرى؛ نظام تعتمد فيه دول المنطقة على قدراتها الذاتية وتعاونها المتبادل بدلاً من الاتكال على القوى الأجنبية.

👈 وفي هذا السياق، تستطيع إيران، بما تمتلكه من قدرات دفاعية وموقع جيوسياسي وإمكانات دبلوماسية، أن تؤدي دوراً محورياً في صياغة النظام الإقليمي الجديد.

ويقوم هذا النظام على ركيزتين أساسيتين:

1. إدارة مضيق هرمز في إطار حماية الأمن الوطني والإقليمي.
2. تعزيز العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة على أساس المصالح المستدامة والمتبادلة.

وهذان العنصران يكمل أحدهما الآخر، ويمكنهما معاً أن يمهّدا الطريق لبناء منظومة أمنية جديدة في المنطقة.

🔹 استطاعت إيران، من خلال ردها العسكري على العدوان الأمريكي والصهيوني، أن تكشف عن مواطن ضعف البنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة، وأن تفرض تكاليف باهظة على الوجود العسكري الأمريكي. فالقواعد التي كانت واشنطن تقدمها بوصفها رمزاً لقوتها وأداة لضمان أمن حلفائها، أصبحت هي نفسها عرضة للضربات الإيرانية. وقد أثارت هذه الحقيقة تساؤلات جدية بشأن مصداقية الالتزامات الأمنية الأمريكية وقدرتها على حماية قواتها وشركائها الإقليميين.

🔹 تواجه الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، التي بنت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من حساباتها الأمنية على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، سؤالاً جوهرياً اليوم: إذا كان الوجود العسكري الأمريكي الواسع عاجزاً عن ضمان أمن قواعده هو، فإلى أي مدى يمكن التعويل عليه لتوفير الأمن للدول الأخرى؟

ويكشف هذا التساؤل أن تكاليف ومخاطر الاعتماد الأحادي على القوى الأجنبية أصبحت تحظى بأهمية أكبر من أي وقت مضى في الحسابات الإقليمية.

🔹 في ظل هذه الظروف، يحتل التحكم في مضيق هرمز مكانة حاسمة في استراتيجية الأمن الوطني الإيراني. فهذا الممر المائي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب في حركة الملاحة البحرية فيه يمكن أن تترتب عليه تداعيات تتجاوز منطقة الخليج الفارسي.

وقد أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة مجدداً أن الموقع الجغرافي لإيران يمثل عنصراً أساسياً في قوتها الاستراتيجية، خلافاً لما تصوره واضعو خطط الضغط العسكري عليها. كما أن المحاولات الأمريكية لتقييد قدرات إيران في هذا الممر المائي وإعادة الأوضاع إلى الحالة التي تناسب واشنطن، تبرز أهمية هذه الحقيقة.

🔹 من هذا المنطلق، فإن إدارة مضيق هرمز لا تقتصر على قضايا الملاحة البحرية وتجارة الطاقة، بل تمثل جزءاً من معادلة الردع الإيرانية.

فالدولة التي تحسن توظيف موقعها الجيوسياسي تستطيع تغيير الحسابات الأمنية للطرف المقابل ورفع تكلفة أي عدوان محتمل. وبالتالي، فإن الحفاظ على القدرة على ممارسة إدارة فعالة لهذا الممر المائي، في إطار القانون الدولي ومتطلبات الأمن الوطني، يُعد أحد العناصر المهمة لحماية استقلال إيران وسلامة أراضيها.

ولا ينبغي لأي قوة أجنبية أن تتصور أنها تستطيع، من خلال الضغط العسكري، حرمان إيران من مزاياها الاستراتيجية وحقوقها القانونية.

👈 ومع ذلك، فإن النظام الإقليمي الذي تنشده إيران لا يمكن أن يقوم بالاعتماد على القوة العسكرية أو الموقع الجغرافي وحدهما. فالركيزة الثانية لهذا النظام تتمثل في توسيع العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة وتعزيزها على أساس المصالح المستدامة والمتبادلة.

تمتلك إيران وجيرانها مصالح مشتركة واسعة في مجالات التجارة والطاقة والنقل والبيئة وأمن الحدود. ومن شأن تعزيز هذه الروابط أن يزيد تكلفة التوترات، ويحد من سوء الفهم، ويوفر فرصاً أكبر للتعاون الاقتصادي والأمني.

ينبغي لإيران أن تنقل إلى جيرانها رسالة واضحة مفادها أن الأمن المستدام في المنطقة لا يتحقق من خلال المواجهة الدائمة بين دولها.

إن وجود القوى الخارجية والإقليمية الكبرى، ولا سيما عندما يكون مصحوباً بنهج عسكري وتصادمي، يمكن أن يحوّل المنطقة إلى ساحة للتنافس بين القوى الكبرى؛ وهو تنافس يدفع ثمنه، قبل أي طرف آخر، شعوب المنطقة واقتصادات دولها.

وفي المقابل، فإن الحوار المستمر، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والتعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، كلها عوامل من شأنها تعزيز أسس منظومة أمنية إقليمية ذاتية.

وبطبيعة الحال، فإن تحقيق مثل هذا النظام يتطلب تجاوز العلاقات مع الدول المجاورة حدود التصريحات والرسائل السياسية، والانتقال بها إلى اتفاقيات عملية وآليات مستدامة للحوار، فضلاً عن التعاون الاقتصادي والأمني.

وينبغي لإيران، مع الحفاظ على جاهزيتها الدفاعية وقدراتها الردعية، الاستفادة من الدبلوماسية النشطة لتبديد المخاوف المتبادلة وتوسيع نطاق التعاون الإقليمي.

فالقوة العسكرية تتحول إلى إنجاز مستدام عندما تتوافر إلى جانبها القدرة على بناء الثقة وإرساء أسس التعاون طويل الأمد.

إن النظام الإقليمي الجديد لا يتشكل من خلال استبعاد دول الجوار، بل من خلال إشراكها؛ ولا يقوم على ضمانات متزعزعة تقدمها القوى الأجنبية، بل على المصالح المشتركة وتحمل دول المنطقة لمسؤولياتها.

كما أظهرت تجربة المواجهة الأخيرة أن إيران لا يمكن إجبارها، عبر الضغط العسكري والتهديد، على قبول ترتيبات مفروضة عليها.

واليوم، تتوافر الفرصة لتحويل هذه الحقيقة إلى أساس لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية؛ بما يفضي إلى نظام تكون فيه إدارة مضيق هرمز ركيزة لدعم الأمن الوطني الإيراني وأمن المنطقة، ويكون التعاون مع الدول المجاورة أداة لتعزيز الاستقرار والتنمية المشتركة.

ومن شأن هذا النهج أن يرفع تكلفة أي عدوان على إيران، وأن يمهّد في الوقت نفسه الطريق أمام منطقة أكثر استقلالاً واستقراراً، وأكثر قدرة على تحقيق الأمن المستدام.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل