بين "أميركا أولاً" و"الأمن أولاً": من يحارب لحساب من؟

يلتقي “أميركا أولاً” و”الأمن أولاً” عند نقطة أساسية: استخدام القوة بوصفها وسيلة لحماية المصالح وإعادة ترتيب موازين القوى. كما يلتقيان في اعتبار التفوق العسكري أداة مركزية لضمان النفوذ والردع.

أمل شبيب

حين يصبح “أمن” الكيان الإسرائيلي أولوية أميركية، وحين تتحوّل الحروب إلى عبء على الدولة التي تخوضها، لا يعود السؤال من انتصر عسكرياً، بل: من كان يحارب لتحقيق أهدافه، ومن كان يدفع الثمن؟

“أميركا أولاً”، شعار رفعه دونالد ترامب ليقول للأميركيين إن زمن الحروب المفتوحة من أجل الآخرين قد انتهى، وإن أموال الولايات المتحدة وقوتها وجنودها يجب أن تُسخّر لمصالحها قبل أي اعتبار آخر.

وفي المقابل، يرفع كيان الإحتلال شعار “الأمن أولاً”، ويضعه في صدارة عقيدته السياسية والعسكرية، باعتباره المبرّر الذي يمنحه الحق في توسيع عملياته، وشنّ الحروب، وفرض الوقائع بالقوة.

لكن ماذا يحدث حين يتقاطع الشعاران؟ وحين ترى واشنطن أن كلفة الحرب باتت تهدد مصالحها، بينما ترى “تل أبيب” أن وقفها يهدد أهدافها؟ أيّهما يتقدّم: أميركا التي تريد تقليص أعبائها وحماية مصالحها، أم الكيان الذي يريد إزالة كل ما يعتبره تهديداً لأمنه، ولو استدعى ذلك إشعال المنطقة؟

الحرب على إيران وضعت هذا التناقض في قلب المشهد، وكشفت أن التحالف بين واشنطن و”تل أبيب”، مهما بلغ مستوى التنسيق العسكري والسياسي فيه، لا يعني بالضرورة تطابق المصالح أو وحدة الحسابات.

“أميركا أولاً”… لكن من يدفع فاتورة الحرب؟

لم يكن شعار “أميركا أولاً” مجرد عبارة انتخابية. لقد استند إلى وعد واضح: وقف استنزاف الولايات المتحدة في صراعات خارجية، إعادة توجيه الموارد نحو الداخل، حماية الاقتصاد الأميركي، وتقديم مصالح المواطن الأميركي على حساب الالتزامات الدولية المكلفة.

غير أن الحرب على إيران أعادت طرح السؤال الذي حاول الشعار تجاوزه: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تجعل مصالحها أولاً، فيما تنخرط في حرب إقليمية واسعة، وتضع قواتها وقواعدها ومصالحها الاقتصادية في دائرة الاستهداف؟

فالحرب لم تبقَ محصورة في الحسابات العسكرية. اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتهديد إمدادات الطاقة، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، واستنزاف مخزونات الذخائر وأنظمة الدفاع، كلها عوامل نقلت المواجهة إلى الداخل الأميركي، حيث لم يعد المواطن بعيداً عن تداعيات قرار الحرب.

وبحسب تقرير خدمة أبحاث الكونغرس المحدّث في أيلول/سبتمبر 2026، قدّرت الميزانية العسكرية الأميركية كلفة العمليات بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب/أغسطس، فيما أشار التقرير إلى أن استهلاك الذخائر كشف عن نقص استراتيجي في المخزونات واختناقات في القدرة الصناعية على تعويضها. هذه ليست أرقاماً في سجلات البنتاغون فحسب، إنها جزء من فاتورة حرب يُفترض أن تخدم “الأمن القومي الأميركي”.

هنا تظهر المفارقة: كيف يكون شعار “أميركا أولاً” منسجماً مع حرب تستهلك موارد أميركية هائلة، وتعرّض الجنود والقواعد للخطر، وتربك أسواق الطاقة، وتفرض على واشنطن الانشغال مجدداً بمنطقة كانت تعلن رغبتها في تقليص انخراطها فيها؟

ليس المطلوب إنكار أن لدى الولايات المتحدة مصالح أمنية واستراتيجية في المنطقة، اي منطقة غرب آسيا، ولا أن واشنطن قد ترى في البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ أو أمن الملاحة ملفات تمسّ مصالحها. لكن وجود مصالح أميركية لا يجيب وحده عن سؤال أكثر جوهرية: هل كانت الحرب الوسيلة الضرورية لحمايتها؟ وهل تتناسب كلفتها مع النتائج التي حققتها؟

فالحرب التي لا تملك أهدافاً سياسية واضحة، أو تعجز عن تحويل التفوق العسكري إلى تسوية مستقرة، قد تتحول من أداة لحماية المصالح إلى عامل يهددها.

“الأمن أولاً”… أمن مَن، وبأي ثمن؟

على الجانب الإسرائيلي، يبدو مفهوم “الأمن أولاً” أكثر اتساعاً من المعنى التقليدي للأمن، الذي يقوم على حماية الحدود والسكان ومنع الاعتداءات. ففي التطبيق السياسي والعسكري الإسرائيلي، يتجاوز الأمن أحياناً منع “التهديد المباشر”، ليشمل السعي إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بالكيان، وإضعاف القوى التي يعتبرها خصماً، ومنع تشكّل أي قدرة يمكن أن تحدّ من حرية حركته العسكرية.

وهنا يصبح السؤال ضرورياً: متى يكون الأمن دفاعاً عن السكان، ومتى يتحول إلى عقيدة لتوسيع السيطرة وفرض الوقائع؟

إذا كان الأمن يعني حماية المدنيين، فكيف يمكن تبرير تدمير المدن والبنى التحتية، وتهجير السكان، وتوسيع العمليات العسكرية على جبهات متعددة؟ وإذا كان يعني منع التهديد، فهل يُمنح أي طرف حق تعريف التهديد كما يشاء، ثم استخدام هذا التعريف لتبرير حرب بلا سقف جغرافي أو زمني؟

في غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، ظهرت أشكال مختلفة من استخدام القوة الإسرائيلية، ضمن سياقات وأهداف معلنة ومتباينة. لكن القاسم الذي يجمع الخطاب الإسرائيلي في هذه الساحات هو توسيع مفهوم “الأمن” ليصبح مرتبطاً ليس فقط بصدّ “خطر قائم”، بل بمنع نشوء “خطرط محتمل، وبإضعاف الخصوم قبل أن تتبلور قدراتهم.

وهذا هو جوهر المعضلة: عندما يصبح الأمن مرتبطاً بإزالة كل مصدر محتمل للقلق، لا تعود له نقطة اكتفاء. فالخصم الذي يُضعف اليوم قد يُستبدل بخصم آخر، والتهديد الذي يُزال من جبهة قد يظهر في جبهة ثانية، والعملية العسكرية التي يُقال إنها ستعيد الهدوء قد تفتح دورة جديدة من المواجهة.

الأمن الذي لا يعرف حدوداً قد يتحول إلى حرب دائمة، والحرب الدائمة لا تصنع بالضرورة مجتمعاً آمناً.

هل كان الكيان سيخوض كل هذه الحروب لو لم يعش قلقاً وجودياً؟

منذ إنشاءه بالغصب على أراضي فلسطين المحتلة، ارتبطت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بمفهوم التفوق العسكري، والإنذار المبكر، والردع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، ومنع تشكّل تهديد استراتيجي. لكن هذا المفهوم تطوّر مع الزمن، وتحوّل في مراحل عديدة إلى سياسة تقوم على المبادرة بالضربات الوقائية وتوسيع نطاق المواجهة.

بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعمّق الشعور الإسرائيلي بالهشاشة، رغم امتلاك الكيان ترسانة عسكرية متقدمة، ودعماً أميركياً واسعاً، وتفوقاً جوياً واستخبارياً. لقد كشفت العملية أن القوة العسكرية الهائلة لا تضمن وحدها منع الاختراق أو حماية المجتمع من الصدمات الأمنية.

لكن هل قاد هذا الإحساس بالتهديد إلى مراجعة مفهوم “الأمن”، أم إلى توسيعه؟

إن سؤالاً أساسياً يفرض نفسه: لو لم يكن الكيان ينظر إلى محيطه من زاوية القلق الوجودي، فهل كان سيذهب إلى هذا الاتساع في الحروب؟ وهل كان سيتعامل مع جبهات غزة ولبنان وإيران واليمن وسوريا باعتبارها ساحات مترابطة ينبغي إخضاعها لمعادلة أمنية واحدة؟

لا يمكن اختزال كل حرب في سبب واحد، ولا تجاهل اختلاف ظروف كل ساحة. لكن يمكن ملاحظة أن خطاب “الأمن الإسرائيلي” كثيراً ما يربط بين حماية الكيان وبين إضعاف محيطه، وأن هذا الربط يفتح الباب أمام تحويل المخاوف الأمنية إلى مبرّر دائم لاستخدام القوة.

والأخطر أن هذا المنطق لا يترك مساحة كافية للسؤال عن أمن الآخرين. فماذا عن أمن الفلسطيني الذي يُهجّر من منزله؟ واللبناني الذي يُقتل أو يُجبر على النزوح؟ والسوري الذي يعيش تحت تهديد الغارات؟ واليمني الذي تطاله تداعيات المواجهات؟ هل تُحسب حياة هؤلاء في معادلة الأمن، أم أنهم يتحولون إلى كلفة جانبية في مشروع تأمين طرف واحد؟

إن الأمن، إذا كان حقاً، لا يمكن أن يكون امتيازاً حصرياً لدولة على حساب حق الشعوب الأخرى في الحياة والاستقرار والسيادة.

أين يلتقي الشعاران؟ وأين يفترقان؟

يلتقي “أميركا أولاً” و”الأمن أولاً” عند نقطة أساسية: استخدام القوة بوصفها وسيلة لحماية المصالح وإعادة ترتيب موازين القوى. كما يلتقيان في اعتبار التفوق العسكري أداة مركزية لضمان النفوذ والردع.

لكن نقطة الالتقاء هذه تخفي تناقضاً جوهرياً.

بالنسبة إلى الكيان، قد تكون الحرب الواسعة فرصة لإضعاف خصم استراتيجي، وتغيير قواعد الاشتباك، وفرض وقائع جديدة. أما بالنسبة إلى ترامب، فالحرب لا تكون مفيدة إلا إذا أمكن تحويلها إلى إنجاز سريع، محدود الكلفة، قابل للتسويق سياسياً، ولا يهدد الاقتصاد الأميركي أو فرص الحزب الحاكم انتخابياً.

بمعنى آخر، قد ترى “تل أبيب” في استمرار الحرب ضرورة استراتيجية، بينما ترى واشنطن في استمرارها استنزافاً يجب احتواؤه.

وقد ظهرت هذه الفجوة في التباين بين الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الضغط العسكري، والحسابات الأميركية التي تضع كلفة المواجهة ومخاطر اتساعها في الاعتبار. وقد رصدت تحليلات أميركية وإسرائيلية هذا الاختلاف في الأهداف، ولا سيما بين الرغبة في إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، وبين سعي واشنطن إلى تجنب حرب طويلة يصعب التحكم بنتائجها.

وهنا لا يعود السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة وكيان الإحتلال حليفين؛ فذلك واضح في حجم التعاون العسكري والسياسي. السؤال هو: إلى أي مدى تستطيع واشنطن تحمّل تبعات الاستراتيجية الإسرائيلية عندما تتعارض مع أولوياتها؟

فالتحالف لا يلغي المصالح المتباينة، والدعم الأميركي للكيان لا يعني أن كل ما تريده “تل أبيب” يصب تلقائياً في مصلحة واشنطن.

من المستفيد من الحرب؟

قد تكون الإجابة الأكثر إغراءً هي تسمية طرف واحد بوصفه المستفيد، لكن الحروب لا تُقاس بهذه البساطة. فهناك من يحقق مكاسب تكتيكية، ومن يعزز موقعه التفاوضي، ومن يبيع السلاح، ومن يوسع نفوذه، وفي المقابل هناك دول ومجتمعات تتحمل الخسائر المباشرة وغير المباشرة.

كيان الإحتلال قد يرى في تدمير القدرات العسكرية لخصومها مكسباً أمنياً مؤقتاً، وفي إضعاف إيران فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوى الإقليمي. لكن استمرار الحرب يضعه أيضاً أمام استنزاف طويل، وتهديدات متجددة، وتراجع محتمل في مستوى الثقة الدولية بها، فضلاً عن تعاظم اعتماده على الدعم الأميركي.

أما واشنطن، فقد تحقق بعض أهدافها العسكرية، لكنها تواجه كلفة مالية وعسكرية واستراتيجية، وتجد نفسها أمام معضلة إدارة تصعيد لا تملك ضمانة أن ينتهي وفق شروطها. كما أن انشغالها بالشرق الأوسط يضعف قدرتها على تركيز مواردها على أولويات أخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين.

وفي المقابل، منحت الحرب على إيران فرصة لإظهار قدرتها على الصمود وامتلاك أوراق ضغط إقليمية.

أما المستفيدون من استمرار اقتصاد الحرب، وتجارة السلاح، وتوسيع العقود العسكرية، فقد يجدون في المواجهات الممتدة سوقاً وفرصاً للربح. لكن هذه المكاسب لا تعني بالضرورة أنهم يملكون قرار الحرب أو يتحكمون بمآلاتها.

الخاسر الأوضح هو الاستقرار الإقليمي، ومعه المدنيون الذين يتحولون إلى أهداف أو نازحين أو رهائن لقرارات عسكرية لا يملكون التأثير فيها.

من ينتصر في النهاية: “أميركا أولاً” أم “الأمن أولاً”؟

قد لا تكون المعركة بين الشعارين معركة انتصار كامل لأحدهما وهزيمة كاملة للآخر. لكنها تكشف حدود كل منهما.

“أميركا أولاً” يصطدم بحقيقة أن القوة الأميركية، مهما بلغت، لا تستطيع خوض حروب بلا كلفة، ولا يمكنها أن تضمن أن تتحول الضربات العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة. كما أن ربط المصلحة الأميركية بحسابات حليف واحد يضع واشنطن أمام اختبار صعب: هل تستطيع الحفاظ على تحالفها مع كيان الإحتلال من دون أن تتحمل تلقائياً كل أثمان خياراتها؟

أما “الأمن أولاً”، فيصطدم بمفارقة أشد عمقاً: كلما اتسعت دائرة الحرب باسم الأمن، اتسعت معها دائرة الخصوم والمخاطر. وقد يحقق التفوق العسكري ردعاً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج قبول سياسي، أو إنهاء أسباب الصراع، أو ضمان أن الجبهات ستبقى هادئة.

إن الدولة التي تحتاج إلى حرب جديدة كلما انتهت حرب، والتي ترى في كل محيطها تهديداً يجب تحييده، قد تجد نفسها أمام سؤال لا تستطيع القوة الجوية الإجابة عنه: هل يمكن بناء أمن دائم فوق خوف دائم؟

وفي المقابل، الدولة التي ترفع شعار عدم الانخراط في الحروب ثم تجد نفسها مضطرة إلى تمويلها وخوضها والدفاع عن نتائجها، عليها أن تراجع معنى “أولاً” الذي وعدت به مواطنيها.

الخلاصة: حين يتعارض الأمن مع المصلحة

ليست المفارقة أن الولايات المتحدة وكيان الإحتلال يختلفان في تقدير كلفة الحرب أو توقيت وقفها، فذلك طبيعي بين حليفين. المفارقة أن شعار “أميركا أولاً” قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع استراتيجية يرى فيها كيان الإحتلال أن أمنه المفقود لا يكتمل إلا بتغيير البيئة المحيطة به، ولو تطلب ذلك حروباً متلاحقة.

وفي هذه المساحة تحديداً، يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله: هل تحمي واشنطن أمنها القومي، أم تحمي تصوراً إسرائيلياً لـ” الأمن” يتسع باستمرار؟ وهل يستطيع كيان الإحتلال تحقيق أمنه المفقود عبر إضعاف كل من حوله، أم أن اتساع الحروب سيعيد إنتاج التهديدات التي تقول إنه يريد التخلص منها؟

لا يمكن اختزال الإجابة في شعار، ولا حسمها بمجرد عدد الضربات أو حجم الدمار. فالانتصار العسكري لا يساوي بالضرورة انتصاراً سياسياً، والتفوق لا يعني القدرة على فرض نظام إقليمي مستقر.

في نهاية المطاف، قد تتقاطع “أميركا أولاً” و”الأمن أولاًط في ساحات الحرب، لكنهما لا تتطابقان عند توزيع الفاتورة. وعندما تصبح كلفة “أمن” الكيان عبئاً على المصالح الأميركية، يبدأ الاختبار الحقيقي للتحالف: من يضع حدود الحرب، ومن يملك قرار إنهائها، ومن يدفع ثمن استمرارها؟

قد يربح الكيان الإسرائيلي جولة عسكرية، وقد تنتزع واشنطن مكسباً تفاوضياً، لكن إذا بقيت المنطقة محكومة بمنطق القوة وحده، فلن يكون أي طرف قد ربح الأمن الذي يرفعه شعاراً، لأن الأمن الذي يُبنى على الدمار والخوف لا ينهي الحرب، بل يؤجل انفجارها التالي.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل