بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات القرآنية “السيد بلال وهبي”
قال الله تعالى في القرآن الكريم: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿سورة الأنعام: 35﴾.
أن تكون سيد الأنبياء وخاتم الرسل، وأن يعرف الناس صدقك وأمانتك، لا يعني أن ينخرطوا جميعًا في مشروعك ولو كان هو الحق الذي لا تشوبه شائبة، فقد يكون الحق الذي تدعو إليه نفسه سببًا في انفضاض بعض الناس عنك، لأن حمل أعبائه، والدفاع عنه، وتحمُّل تبعات الالتزام به، أمور لا يُطيقها كثيرون، بل إن بعض الناس لا يريدون الحق لذاته، وإنما يريدونه ما دام موافقًا لمصالحهم، فإذا تعارض معها أعرضوا عنه، وربما سعوا إلى صد الناس عنه.
إن من أصعب ما يواجه الداعي إلى الحق، أن يرى الناس يعرضون عن دعوته، مع أنها دعوة إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، وأن نفعها يعود إليهم قبل أن يعود إلى الداعي، إن هذا الإعراض يخلِّف في نفسه أَلَمًا شديدًا، لا سيما إذا جاء الإعراض ممن تربطه بهم وشائج القربى أو الدين أو الوطن.
فماذا يفعل في هذه الحالة، هل يترك دعوته ويتخلى عن أهدافه، أم يواصل طريقه ويقوم بواجبه؟
لا بد أن يعلم كل شخص يقوم بمهمة تغييرية في مجتمعه أنه سيلقى إعراضًا عنه واعتراضًا عليه، وقد تُطلب منه مطالب متعذّرة، وربما استُخدمت بعض هذه المطالب لإرهاقه وحمله على التراجع عن أهدافه والتخلي عن رسالته.
وهذا ما تفيده الآية الكريمة التي خاطبت الرسول الأعظم (ص): ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾. حيث تقرّ بأن عددًا لا يُستهان به من قومه قد أداروا الظهر لدعوته، وهو يرجو لهم الهداية والخير، الأمر الذي كان يترك في نفسه المقدسة ألمًا وحسرة، وقد ذكر الله تعالى ذلك بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿سورة الكهف: 6﴾.
غير أن الآية الكريمة لا تكتفي بتقرير الألم في نفسه المقدسة، بل تتضمن توجيهًا إلى أن استجابة الناس ليست مما يملكه الرسول بإرادته، مهما اشتد حرصه على هدايتهم. فلقد كان حريصًا على هداية قومه، حتى إنه كان يرجو أن تأتيهم آيةٌ مما يقترحون لعلهم يستجيبون ويؤمنون.
لكن المشكلة لم تكن في غياب الدليل، بقدر ما كانت في موقفهم من مقتضيات الإيمان، فقد كانت الانتقال إلى الدين الجديد يعني عند بعضهم التخلي عن موروثات وعادات مواقع اجتماعية اعتادوا عليها، ومواجهة تبعات تغيير لم يكون مستعدين لتحمّلها. وهكذا قد لا العائق أمام الاستجابة هو عدم وضوح الحقيقة وحده، بل ما يترتب على الاعتراف بها والالتزام بمقتضياتها.
ومن هنا نفهم لماذا لا يستجيب جميع الناس لدعوة الحق حتى حين تكون ساطعة كسطوع الشمس في رابعة النهار، فمن الناس من لا يقتنع لسبب أو لآخر شخصي، ومنهم من يتردد ويخشى تبعات الإيمان بها، ومنهم من يجد في الدعوة تهديدًا لمصالحه أو مكانته، فوضوح الحق لا يضمن بذاته استجابة الناس له، كما أن ظهور الحقيقة لا يقتضي بالضرورة أن يسلِّم بها جميع الناس.
لذلك على صاحب الحق أن يعلن دعوته، ويبين حجته، ويبذل ما يستطيع في إقناع الناس، من غير أن يجعل نجاحه مرهونًا باستجابة الجميع، أو يستنزف جهده في محاولة إرضاء كل معترض وإقناع كل مُعرض.
وهذا ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. لقد كان المشركون يطالبون النبي (ص) بالمعجزة بعد المعجزة (الآيات) وكانوا يقترحون نوع المعجزة، وكان رسول الله (ص) يتمنى لو آتاه الله بعض ما طلبوا حرصًا منه على هدايتهم، لكن الله يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون وإن رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون. ولذلك نزلت الآية لتقول له: إن كان إتيانك بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون عن بينة وبرهان، فإن استطعت أن تبتغي لنفسك نفقًا تطلبه في الأرض فتذهب فى أعماقها، أو سُلَّمًا في جو السماء فترقى فيه إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك، إنك لن تستطيع الإتيان بشيء من تلك الآيات ولا ابتغاء السُّبُل إليها في الأرض ولا في السماء، ولم تقتضِ مشيئة ربك أن يؤتيك ذلك، لعلمه أنه لن يكون سببًا لما تحبه من هدايتهم.
خلاصة القول: إن إعراض الناس عن الحق لا يجوز أن يدفع الإنسان الرسالي إلى أن يتوقف عن الدعوة إليه. كما لا يجوز أن يحمِّل نفسه فوق طاقتها ليقتنع الناس بمشروعه، فإن إرضاء جميع الناس غاية لا تُدرَك. والقائد الذي ينتظر أن يجمع الناس على مشروعه فقد لا يبدأ بمشروعه أصلًا. فليكن شعاره الدائم: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ﴿سورة يوسف: 108﴾.





