باحثة تونسية: الإمام الخامنئي (رض) يجعل بناء الإنسان منطلقاً لصناعة الحضارة الإسلامية

باحثة تونسية: الإمام الخامنئي (رض) يجعل بناء الإنسان منطلقاً لصناعة الحضارة الإسلامية

أوضحت الباحثة والاستاذة الجامعية التونسية الدكتورة ذهبية الفاهم، أن المنظومة الفكرية للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض) تنطلق من بناء الإنسان بوصفه الأساس لإصلاح المجتمع والنهوض به.

وأوضحت الباحثة والاستاذة الجامعية التونسية الدكتورة ذهبية الفاهم، أن المنظومة الفكرية للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض) تنطلق من بناء الإنسان بوصفه الأساس لإصلاح المجتمع والنهوض به، مشيرةً إلى أن رؤيته التربوية تضع الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع أمام مسؤولية إعداد أجيال واعية بهويتها، متمسكة بقيمها، وقادرة على الإسهام في بناء الحضارة الإسلامية ومواجهة تحديات العصر.

وافاد الموقع الاعلامی للمجمع العالمی للتقریب بین المذاهب الاسلامیه ان الدكتورة الفاهم ادلت بهذا الحديث خلال مقال لها امام الندوة الافتراضية “من المؤمنين رجال صدقوا” والتي عقدت اليوم الاثنين لنسختها الثانية؛ برعاية “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية”، وبمشاركة عدد من الشخصيات شخصيات دينية وعلمية وثقافية.

وفیما یلي نص المقال:

“بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين، وصلى الله على الباكين على الحسين.

“مثلي لا يبايع مثله”.

حين تصبح الكلمات دماً والمواقف تاريخاً، فإنها تتحول إلى مبادئ خالدة. فمنذ أن أطلقها سيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين المعصوم عليه السلام، في أفق التاريخ، لم تكن مجرد جملة تُقال، بل كُتبت بالدم لتكون دستوراً لكل الأحرار، ونهجاً يرفض الانحناء ويأبى المساومة، ويختار الشهادة على العيش في كنف الطغيان والمذلة.

وعلى هذا الصراط الحسيني القائم على الكرامة، حمل الراية خلفاء النهج، وساروا عليه. وقد صدح بها الحفيد الشهيد السيد حسن نصر الله، وقضى شهيداً على طريق العزة، وعاش عليها ودرج بها في مسيرته الإمام الراحل السيد علي الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، مستشهداً في ميدان العزة، ليثبت للعالم أجمع أن شعوب هذه المسيرة وثقافتها وقادتها لا يمدون يداً للرضوخ، ولا يرتضون إلا العزة الحسينية.

مضى القادة والتحقوا بركب الشهداء والأوصياء، لكن الصرخة بقيت حية، تدوي في ضمير كل مقاوم وكل مجاهد: المبادئ لا تُباع، والراية لن تسقط، والعهد مع الحسين دائم لا ينكسر. سلام على الدماء الزكية التي خطّت بصدقها أروع ملاحم الإباء.

“مثلي لا يبايع مثلك” لم يكن الشعار الوحيد الذي استلهمه الإمام السيد الشهيد، رضوان الله تعالى عليه، من النهج الحسيني والمدرسة الحسينية، بل استلهم منهجاً كاملاً يمسّ كل جوانب الحياة، ومنها الإصلاح والبناء، وإصلاح الفرد والمجتمع، وبناء الجماعة الصالحة.

إنه منهج الأئمة، سلام الله عليهم. استلهم من أئمة الطهر وسار على نهجهم، وأسس مدرسة فكرية كان فيها عين الفكر المحمدي الأصيل. آمن بالله ورسوله والأئمة من ولده عليهم السلام، وآمن بالفرد باعتباره خيراً بطبيعته، وآمن بالمجتمع باعتباره روح الثورة والفلاح والصلاح. والفلاح والصلاح لا يكونان إلا بالبناء والإصلاح، والإصلاح يكون من القاعدة، وملماً بجميع جوانب الحياة.

وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نستند إلى أثر طيب ينير على فكر راسخ في العلم والبناء، وهو كتاب ثمين وعلى غاية من الأهمية، ومنهاج عمل صالح لكل زمان ومكان، بعنوان: “المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي (رض) في التربية والتعليم”.

في هذا الكتاب، تناول سماحته، رضوان الله تعالى عليه، مجموعة من النقاط التي تبرز رؤيته لفلسفة التربية والتعليم، ومشاريع الإصلاح التعليمي والتجديد التربوي، والتعليم الجامعي، وأصول التربية، والإدارة التربوية، وغيرها من المسائل التي تمت بصلة وتتعلق بالتربية والتعليم.

إنها فلسفة تتمحور حول بناء الفرد؛ لأنه أساس بناء المجتمع وقوته التغييرية والحركية، وهي فحوى رؤية إسلامية تأصيلية ومرحلية لبناء الإنسان والمجتمع.

ففيما يتعلق ببناء الفرد، ترتكز فلسفة الإصلاح التربوي عند الإمام السيد علي الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، على الانتقال به من مجرد متلقٍ للمعلومات إلى كائن رسالي متكامل. والغاية القصوى من هذا التحول هي العبودية والكمال الإنساني. فمن منظوره، رضوان الله تعالى عليه، فإن التربية ليست مجرد وسيلة لتعلّم المهن وتقديس المعلومات وتراكمها، بل هي أداة لتحقيق العبودية لله والوصول إلى القرب الإلهي.

وفي هذا السياق، ركّز على تكامل الأبعاد؛ فإصلاح المجتمع يكون عبر إصلاح الفرد، وهذا يرتكز على تنمية الفرد في أبعاده الثلاثة: البعد الروحي، والبعد العقلي، والبعد الجسدي، بشكل متوازن، دون طغيان جانب على جانب آخر.

وفي هذا الجانب بالتحديد، أشار سماحة السيد الشهيد علي الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، إلى ركائز بناء الشخصية وأعمدة بناء الفرد الصالح، حيث يتشكل الفرد في هذه المنظومة عبر أربعة أركان متداخلة:

التزكية والأخلاق: تطهير النفس من الرذائل، وزرع قيم التقوى والاستقامة والحياة والإيثار.

والوعي والبصيرة: بناء فكر ناقد يميز بين الحق والباطل، وهو من الأهداف الرئيسية لهذا الفكر. فمن خلال هذا الفكر الناقد، الذي يمكّن الفرد من التمييز بين الحق والباطل، يكون قادراً على فهم التحديات المعاصرة والمخططات المعادية، ويكون قادراً على مواجهة الحرب الناعمة، بل يكون جندياً من جنود مواجهة الحرب الناعمة.

هذا البناء يحتاج إلى العلم والمعرفة. نعم، السعي نحو التفوق العلمي والابتكار، واعتبار أن طلب العلم هو جهاد يرفع عزة الأمة ويرفع عزة الإنسان. كما أن عملية البناء هذه تحتاج إلى الإرادة والعمل. تحتاج إلى التفوق العلمي والابتكار، وتحتاج كذلك إلى الإرادة والعمل. لماذا؟

لتحويل الأفكار إلى ممارسات ميدانية، ومواجهة كل مظاهر الكسل والتراخي والتواكل، وفي المقابل، تعزيز روح المبادرة والمسؤولية.

وفي عملية بناء الفرد، لن تكون هذه العملية ذات فائدة مجتمعية إذا لم تكن متجذرة في هويتها. إضافة إلى ما تقدم، يؤكد سيد القائد، رضوان الله تعالى عليه، على الهوية الوطنية والروح الرسالية، ويؤكد ضرورة الاعتزاز بالهوية الوطنية، وتربية الفرد على الثقة بالنفس من خلال الاعتزاز بانتمائه وتجذّره، والاعتزاز بثقافته وتاريخه الوطني.

وهذا ما يمكّنه من أن يكون مستقلاً، أي أن يحقق الاستقلالية الفكرية، ويرفض كل تبعية فكرية للآخر، وكل استهداف من الثقافات الوافدة، وأن يكون متحرراً من هذا الاستهداف ومستقلاً في الوقت نفسه. وبالتالي، يكون قادراً على الصمود والمواجهة، وقادراً على رفض التبعية الفكرية للثقافة الأخرى.

هذه التربية وهذا البناء للفرد، بطبيعة الحال، يعززان الروح الثورية؛ فبناء فرد يعي مسؤوليته أمام أمته، ويمتلك روح التضحية والجهاد، ويكون مستعداً للمساهمة في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة، ويكون مستقلاً ومتحرراً من الضغوطات ومن سيطرة وهيمنة الثقافة الوافدة.

وفيما يتعلق بالبناء التربوي المتكامل، يرى الإمام الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، أن بناء الفرد لا يتم بمعزل عن المجتمع ومكونات المحيط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه، بل يتطلب في الوقت نفسه تناغماً بين ثلاث مؤسسات أو أطراف، وهي:

الأسرة، باعتبارها الحاضنة الأولى لغرس العاطفة والأخلاق الأولية.

ثم المؤسسة التربوية والتعليمية، أي المدرسة والجامعة، باعتبارهما البيئة المنهجية لصقل المواهب، وتعميق الوعي، وبناء القدرات العلمية.

ثم المجتمع، بصفة عامة، ومؤسسات المجتمع والمحيط الاجتماعي، بما فيها خاصة المساجد والفضائيات الدينية، باعتبارها الفضاء العام لتطبيق القيم وما تعلمه الفرد، والتدريب على العمل الجماعي وقواعد العيش المشترك، والتدرب على تحمل المسؤولية الاجتماعية، وعلى العمل والقيام بالدور في هذا الإطار.

وكخلاصة لما تقدّم، فإن سماحة السيد علي الخامنئي الشهيد، رضوان الله تعالى عليه، فيما يتعلق بفلسفة الإصلاح التربوي، يرى أن عملية إصلاح وبناء الفرد، التي نجدها بقوة في فكره، رضوان الله تعالى عليه، تقوم على أن إصلاح المجتمع يبدأ حتماً من صياغة الفرد صياغة إسلامية وواعية، وبنائه بناءً إسلامياً.

فالفرد القوي بإيمانه وعلمه وبصيرته هو الحجر الأساس في بناء المجتمع وبناء الحضارة الإسلامية الحديثة.

وما أحوجنا، وأحوج مجتمعاتنا الإسلامية اليوم، إلى مثل هذه المناهج، وإلى البحث في فكر الإمام الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، والاستلهام من شخصيته العلمية والقيادية والحضارية. هذا الفقيه المرجع المجاهد الشهيد، صاحب الفكر النير والإرادة القوية والبصيرة الثاقبة، الذي يقذف بمنهج الحق ومدرسة المعنويات والقيم على باطل حضارة الغرب المادية؛ يعني يحقق الهدف ويترك لنا طيب الأثر، لنتمكن من تحسين أوضاع أمتنا والدفاع عنها، وعن أنفسنا، وعن أمتنا التي تتعرض لشتى أنواع المكائد والحصار، بكل أنواعه وبمختلف وسائله الإعلامية والسياسية والثقافية.

فجدير بالذكر، ومهم جداً، أن نتعرف، وأن تتعرف الأجيال وأصحاب الشأن والمتخصصون والعلماء والباحثون، على خريطة فكر السيد القائد، رضوان الله تعالى عليه، وأركان نهجه.

فإذا قمنا، مثلاً، بإحصاء مختصر لجميع خطاباته والأبحاث التي كتبها أو كُتبت حول فكره وقيادته، نرى أنها تستوعب كل شؤون حياة المجتمع والدولة، وقضايا المجتمع والتيارات وشؤون الشعب، بكل المستويات العلمية والفكرية والإدارية والحكومية والسياسية والجامعية والفنية.

فأي فكر هذا؟ وأي نهج هذا؟ وأي مدرسة هذه الموجودة بين أيدينا اليوم؟

وما على الباحثين وعلى الذين يقومون بالتكليف ويرون في أنفسهم أنهم من جنود جهاد التبيين وجنود مواجهة الحرب الناعمة والفاعلين في بناء المجتمعات وبناء الحضارة الإسلامية، إلا أن ينهلوا من هذه المدرسة الفكرية التي آمن صاحبها بالفرد وآمن بالمجتمع وأعطى لهذا وذاك أهمية قصوى، وبيّن، انطلاقاً من رؤية محمدية أصيلة ومن توجيهات أئمة أهل البيت والمنهج الذي اتبعوه في بناء الجماعة الصالحة، كما بيّن ذلك أو ذكره الإمام الصادق عليه السلام، إصلاح أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، التي ضحّى من أجلها الإمام الحسين بكل ما لديه، ثم رفض الظلم.

كل هذه الشذرات نجدها في فكر الإمام الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه، ونجد في فكره دستوراً للحياة وبياناً يحتاج إلى من يستلهم منه ومن يطبقه على أرض الواقع ويسير لتحقيق التكامل والقرب من الله سبحانه وتعالى.

هذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل