مناهضة الاستكبار في خطاب القائد الشهيد تنطوي على منطقٍ فكريٍّ وحضاريٍّ متكامل، وليست موقفًا سياسيًّا عابرًا، بل نهجٌ مستمرٌّ يستند إلى المبادئ القرآنيّة، ويتطلّب ترسيخ أبعاده الفكريّة والحضاريّة، وتوظيف الفنّ والإعلام، ولا سيّما السينما، في كشف منطق الهيمنة وإبراز قيم العدالة.
على مدى نحو 37 عامًا من قيادة الأمّة وتوجيهها، أكّد قائد الثورة الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان الله تعالى عليه) باستمرارٍ أنّ من الركائز الأساسيّة للثورة الإسلاميّة والنظام الإسلاميّ مناهضة الاستكبار والجدّيّة والحزم في مواصلة هذا النهج.
إذا تأمّلنا في المرتكزات الفكريّة للرؤية المتعالية والاستشرافيّة التي تبنّاها القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة (رضوان الله تعالى عليه)، أدركنا بوضوحٍ أنّ مناهضة الاستكبار، في رؤيته، لم تكن مجرّد ردّ فعلٍ انفعاليٍّ أو موقفٍ سياسيٍّ عابرٍ، بل كانت تنطلق على الدوام من بصيرةٍ واعيةٍ بطبيعة البنى الحاكمة للعالم. ومن هذا المنطلق، فإنّ مواجهة الاستكبار في هذه المنظومة الفكريّة لا تقتصر على الاستجابة للأحداث، بل تنطلق من إدراكٍ عميقٍ لطبيعة النظام العالميّ القائم على الظلم، وهو ما دفعه إلى التأكيد مرارًا على ضرورة بلورة خطابٍ فكريٍّ وحضاريٍّ متكاملٍ يوضّح أبعاد هذه المواجهة وأسسها.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ هذا النهج يستمدّ جذوره من الخطاب الأصيل للإمام الخمينيّ الكبير (قدّس الله سرّه)، كما أنّ رسائل القائد الحاليّ للثورة الإسلاميّة تنطلق هي الأخرى من هذا الخطاب، وتتأثّر بفكره الجهاديّ الذي يجمع بين روح المجاهدة ورجاحة العقل.
المواجهة المستمرّة التي لا تتوقّف مع منطق نظام الهيمنة
وقال الدكتور مهدي إسلاميّ، عضو الهيئة العلميّة في معهد الإمام الصادق (عليه السلام) للبحوث، مؤكّدًا ضرورة اعتماد رؤيةٍ شاملةٍ ودقيقةٍ في دراسة قضيّة مناهضة الاستكبار: إنّ الاستكبار، في فكر قائدنا الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) وخطابه، يمثّل في جوهره نهجًا قائمًا على التسلّط والهيمنة، يتعارض مع السعي إلى تحقيق العدالة وحقّ الشعوب في السيادة. ومن هنا، ينبغي الالتفات إلى أنّ مناهضة الاستكبار لا تعني بالضرورة الدخول في مواجهةٍ مع دولةٍ بعينها، بل إنّ المقصود هو التصدي لمنطق نظام الهيمنة والاستكبار ذاته.
وأضاف: لقد قال قائدنا الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، قبل سنواتٍ، خلال أحد لقاءاته مع الطلبة الجامعيّين، إنّ السبب الرئيس لعداء القوى المتجبّرة في العالم للشعب الإيرانيّ يكمن في رفض الجمهوريّة الإسلاميّة القبول بنظامٍ يقوم على ثنائيّة المستكبر والمستضعف، مشدّدًا بعد ذلك على أنّ مناهضة الاستكبار ومواجهة نظام الهيمنة، استنادًا إلى المبادئ القرآنيّة، أمرٌ لا يمكن أن يتوقّف أو يتعطّل في أيّ ظرفٍ.
وتابع: لقد أكّد القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، في موضعٍ آخر، أنّ مناهضة الاستكبار لم تكن يومًا سببًا في عزلة أيّ شعبٍ، مشدّدًا على ضرورة عدم التراجع أمام العدوّ المستكبر، بل العمل على بلوغ النظام الإسلاميّ مستوىً من الاقتدار والرسوخ والمنعة، يحمل الأعداء على الإذعان بعجزهم عن مواجهته والتأثير فيه.
نحن بحاجةٍ إلى تعزيز الأنشطة الفكريّة
وأوضح هذا الأستاذ الجامعيّ أنّه ينبغي لنا، قبل كلّ شيءٍ، أن نبيّن للناس وللجيل الجديد، بصورة صحيحةٍ وواضحةٍ، ماهيّة نظام الهيمنة والاستكبار وطبيعته، قائلًا: يتعيّن علينا في هذا السياق أن نولي اهتمامًا خاصًّا بالبحوث الفكريّة والخطابيّة، وأن نستثمر فيها؛ ذلك أنّ مناهضة الاستكبار على المستوى الفكريّ تعني تقديم نموذجٍ للحكم السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ القائم على العدالة، وهو نموذجٌ لا شكّ في أنّه سيحظى بقبول جميع شعوب العالم التوّاقة إلى الحريّة والباحثة عن الحقّ.
وشدّد قائلًا: وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن ندرك أنّ عجزنا عن نقل هذه المواجهة من مستوى الشعارات الحماسيّة إلى مستوى النظريّات الأساسيّة المتعلّقة بالعدالة العالميّة والنظام الدوليّ، سيبقي خطابنا في مواجهة الهيمنة الإعلاميّة للاستكبار حبيس الموقف الدفاعيّ وردود الفعل، بدلًا من أن يكون خطابًا مبادرًا وقادرًا على التأثير وصياغة الرأي العام.
ضرورة الاستفادة من طاقات الفنّ والإعلام
وتابع الدكتور إسلاميّ: في هذا المسار، ومن أجل مزيدٍ من الإيضاح والبيان لرؤى القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) بشأن مناهضة الاستكبار، ينبغي لنا أن نحسن توظيف طاقات الفنّ والإعلام توظيفًا واعيًا ومدروسًا، وأن نولي السينما، على وجه الخصوص، اهتمامًا أكبر ونستثمر إمكاناتها.
وأكّد قائلًا: في رأيي، لا ينبغي للفنّ السابع أن يكتفي بإعادة تجسيد اللحظات الحماسيّة والمشحونة بالانفعال في مسيرة المواجهة، بل ينبغي له أن يتجاوز ذلك إلى كشف منطق الاستكبار الكامن في البنى العميقة للسرديّات، وأن يقدّم، في المقابل، روايةً للقيم الإنسانيّة المنبثقة من العدالة، على نحوٍ يمكّن الجمهور العالميّ من التفاعل معها والتماهي مع مضامينها. وفي الواقع، نحن بحاجةٍ ماسّةٍ في هذا المجال إلى سينما استراتيجيّةٍ؛ أي سينما قادرةٍ على تصوير الاستكبار، لا في ساحة الحرب فحسب، بل في ميادين الاقتصاد والثقافة والسياسة أيضًا، تصويرًا ملموسًا ودراميًّا، مع اعتماد مقاربةٍ إقناعيّةٍ في الوقت ذاته.
مناهضة الشعب الإيرانيّ للاستكبار لا تزال مستمرّة
وقالت نرجس شكرزاده، المدرّسة والباحثة في الحوزة العلميّة النسائيّة، مؤكّدةً أنّ مناهضة الشعب الإيرانيّ للاستكبار لا تزال مستمرّةً في المنظومة الفكريّة للقائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه): كان يرى القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة (رضوان الله تعالى عليه)، بكلّ حزمٍ ووضوحٍ، أنّ الاستكبار يقف على النقيض من النظام الإسلاميّ، وقد حدّد للاستكبار جملةً من السمات، من قبيل “التكبّر والشعور بالتفوّق على الآخرين”، و”رفض الحقّ”، و”ارتكاب الجرائم بحقّ البشر”، و”السلوك المنافق”، و”إشعال الحروب”، و”إثارة الفتن والخلافات”، و”الدخول في مواجهةٍ مع الشعوب المستقلّة والأصيلة”، كما شدّد على أنّ مناهضة الاستكبار نهجٌ لا يقبل التعطيل أو التوقّف.
وأضافت: لقد تنبّه القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، بما اتّصف به من حنكةٍ وحكمةٍ، منذ سنواتٍ طويلةٍ، إلى خطر تراجع الاهتمام بقضيّة مناهضة الاستكبار، وأطلق التحذيرات اللازمة بهذا الشأن. بل إنّ من أبرز المطالب التي أكّد عليها طوال سنوات قيادته كان ترسيخ نهج مناهضة الاستكبار ومواجهة العدوّ وعدم التراجع أمامه. وكان سماحته يشدّد في هذا السياق على أنّ هذا المبدأ لا أمد له ولا نهاية؛ فما دام في هذا العالم متجبّرون ومستكبرون، فإنّ مناهضتهم ومواصلة الكفاح في مواجهتهم ستظلّ مستمرّةً.
الشعب الإيرانيّ فضح مستكبري العالم
وأكّدت شكرزاده أنّ أهمّ ما في قضيّة مناهضة الاستكبار هو مواصلة الشعب هذا النهج الشجاع والواعي، مضيفةً: لقد رسم لنا القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، في عصرنا الحاضر، اقتداءً بالإمام الخمينيّ الراحل (قدّس الله سرّه)، معالم هذا الطريق النيّر والعزيز، بحيث لا يمكن، حقًّا، تحديد نقطةٍ للتوقّف عنده؛ لأنّ أيّ توقّفٍ في هذا المسار يفضي في نهاية المطاف إلى القبول بالاستكبار والاستسلام لقوى الهيمنة.
واختتمت شكرزاده حديثها بالقول إنّ الثالث عشر من شهر آبان، بوصفه اليوم الوطنيّ لمناهضة الاستكبار، يمثّل من هذا المنطلق رمزًا خالدًا للإرادة الوطنيّة، مضيفةً: إنّ أيّ خطوةٍ نبدأ بها مسيرة مواجهة الاستكبار ستؤول في نهاية المطاف إلى النصر وتحقيق نتائج إيجابيّةٍ. ولإدراك هذه الحقيقة، يمكننا أن نستحضر بدايات نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه)، ومسار المواجهة مع الولايات المتّحدة وجرائمها، وكيف استطاع القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة (رضوان الله تعالى عليه) أن يقود شعبنا في هذا المسار النضاليّ بحكمةٍ ودرايةٍ.
إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ





