في زمنٍ تتكاثر فيه حملات التشكيك في الإيمان بالله، ويسعى البعض للفصل بين الدين والعلم، تتأكد حاجتنا اليوم إلى تعاون علمائنا ومؤسساتنا في العالم الإسلامي لتصحيح المفاهيم، وإظهار الحقيقة البسيطة التي لطالما علّمنا إياها القرآن: العلم والإيمان جناحان لا يفترقان.
لقد لفتت الأنظار كلمات الإمام الأكبر شيخ الأزهر عن الإمام محمد باقر الصدر، وكيف جمع هذا المفكر العظيم بين عمق الإيمان وقوة العقل، وبين روح الدين وروح العلم.
كيف نشأ سوء الفهم بين العلم والإيمان؟
إن انبهار بعض المسلمين بالغرب جعلهم يظنون أن التقدّم العلمي يعني التخلي عن الدين، مع أن هذا الظن نشأ أصلًا من تجربة أوروبية خاصة، حصل بسبب صراع قديم بين الكنيسة والعلماء. أما الإسلام فله قصة مختلفة تمامًا.
في القرآن، أول تكريم للإنسان كان بالعلم: ﴿وعلّم آدم الأسماء كلها﴾، وفي تاريخنا، الحضارة الإسلامية بلغت أوجها حين ازدهر العلم والإيمان معًا، وتراجعت حين تراجعا معًا.
الرؤية الإسلامية: العلم والإيمان يكملان بعضهما
يشرح الشهيد مرتضى مطهري العلاقة بينهما بطريقة رائعة، يقول:
العلم قوة، والإيمان بوصلة. العلم يكشف ما هو موجود، والإيمان يكشف ما ينبغي أن يكون.
العلم يوسّع حياة الإنسان، والإيمان يرفع الإنسان نفسه. العلم يصنع الآلة، والإيمان يصنع الإنسان.
حتى المفكرون الغربيون لاحظوا هذا، يقول ويل ديورانت: «لقد طوّرنا الوسائل ونسينا الغايات». ويقول برتراند رسل: «كل عمل يخلو من الإيمان لا يثمر شيئًا نافعًا».
ماذا يحدث حين يفترق العلم عن الإيمان؟
إذا وُجد إيمان بلا علم: يظهر التعصب، والجهل، والركود، مثلما حدث مع الخوارج، وإذا وُجد علم بلا إيمان: يصبح العلم قوة عمياء قد تخدم الظلم والطغيان، كما رأينا في عصور الاستعمار والحروب والديكتاتوريات الحديثة.
العلم وحده لا يهذّب النفس، ولا يغيّر أهداف الإنسان الحيوانية، ولا يمنحه الرحمة أو الأخلاق. والإيمان وحده لا يكشف قوانين الكون، ولا يبني حضارة.
لماذا نحتاج إلى الإيمان اليوم أكثر من أي وقت مضى؟
بعد قرون من “عبادة العلم”، تعيش المجتمعات الحديثة فراغًا روحيًا مخيفًا. الناس يبحثون عن معنى، عن حب، عن غاية، عن شيء يجعل الحياة تستحق العيش.
بعضهم لجأ للفلسفة، وبعضهم للأدب والفن، وبعضهم إلى طرق دينية منحرفة.. لكن الحقيقة أن كل قيم الجمال والإنسانية في هذه المجالات كانت – في جذورها – مستمدة من العقل والإيمان معا.
الخلاصة
أنّ العلم والإيمان ليسا خصمين، بل رفيقين.
العلم يبني العالم… والإيمان يبني الإنسان.
ومتى اجتمعا، نهضت الحضارات، وازدهرت الروح، وسار الإنسان في الطريق الصحيح بقوةٍ ونورٍ معًا.