افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٢١٦، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR
قراءة في الاعتراف غير المسبوق لوزير الخزانة الأمريكي في اجتماع دافوس..
🔹️ في الاجتماع الأخير لدافوس، تحدث وزير الخزانة الأمريكي بصراحة غير مسبوقة عن مسار إشعال الفوضى في إيران وإطلاق حرب الشوارع. وادّعى أن هذه السياسة لم تكتفِ بالضغط على الاقتصاد الإيراني، بل أدّت أيضًا إلى تشكّل تحولات داخلية واندلاع احتجاجات في البلاد. وقد تحدّث بفخر عن «المشكلات الاقتصادية في إيران»، و«العلاقة بين المشكلات الاقتصادية والاضطرابات»، و«العقوبات الجديدة»، واعتبر كل ذلك «نموذجًا ناجحًا لوصول أمريكا إلى أهدافها الاستراتيجية عبر الأدوات المالية». هذه التصريحات هي في الحقيقة تقرير مكثف عن كيفية تحويل العقوبات الاقتصادية إلى سلاح سياسي في خدمة تغيير البُنى الداخلية لدولة مستقلة.
🔹️ للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التصريحات مجرد بيانات سياسية، لكنها في الواقع مؤشر واضح على استراتيجية *«الحرب المركّبة»* التي تنتهجها الولايات المتحدة. فعندما ترى دولة ذات نزعة استكبارية – كالولايات المتحدة – أن كلفة ومخاطر الهجوم العسكري المباشر مرتفعة، فإنها تشن حربًا على شعبٍ يسعى إلى الاستقلال والتقدم عبر مزيج من الضغط الاقتصادي، والعمليات النفسية، والتحريض الاجتماعي، وصناعة الروايات الإعلامية. وهدف هذه الحرب ليس الحكومات فحسب، بل الدولة–الأمة بأكملها.
🔹️ إن اعترافات وزير الخزانة الأمريكي في دافوس تُعدّ عمليًا إعلانًا رسميًا لهذه التكتيكات: خلق ضيق معيشي، تحويل الضغط الاقتصادي إلى سخط اجتماعي، ثم إدارة الاحتجاجات من الخارج باتجاه الفوضى لزعزعة الاستقرار السياسي.
🔹️ وهذا بالضبط ما كان قائد الثورة قد حذّر منه قبل أكثر من عقد. ففي خطاباته بمناسبة بداية السنة الهجرية الشمسية (النوروز) في عامي 1393 و1394 هـ.ش (2014 و2015م) في الحرم الرضوي الشريف، قال بوضوح إن واضعي السياسة الخارجية الأمريكية أعلنوا أن هدف العقوبات ليس البرنامج النووي أو القضايا الأمنية، بل *«دفع الناس إلى الشارع للاحتجاج على الدولة والنظام»*. في ذلك الوقت، ربما ظنّ بعض المتفائلين بالغرب أن هذه السيناريوهات مبالغ فيها أو نابعة من التشاؤم، لكن اليوم تُكشف تلك الحقيقة الكامنة خلف الكواليس بشكل علني في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، وعلى لسان أعلى مسؤول مالي في الولايات المتحدة.
العقوبات، كما أُقِرّ بذلك في دافوس، ليست أداة لتغيير سلوك الحكومات، بل وسيلة للضغط على الشعوب كي تتحول، عبر المعاناة الاقتصادية، إلى أدوات لتنفيذ الأهداف السياسية للدول الاستعمارية.
🔹️ عندما يقول مسؤول أمريكي علنًا إن الهدف كان تحريض الناس على النزول إلى الشوارع، فإنه يتحدث في الواقع عن برنامج مُصمَّم طبقة بعد طبقة: أولًا الضغط الاقتصادي لاستنزاف المعيشة؛ ثم تغطية إعلامية تركز على اليأس الاجتماعي؛ وأخيرًا استغلال أرضية الاحتجاجات لإشاعة العنف والفوضى. والهدف هو ابتلاع الدول المستقلة السائرة في طريق القوة والتقدم.
🔹️ في هذا النموذج، يكون الاقتصاد مجرد أداة البداية. أما المرحلة التالية فهي ساحة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم عبر تضخيم المشكلات، وتحريف الحقائق، ونشر الروايات العاطفية، النفخ في نار الانقسام بين الشعب والسلطة. وفي الوقت نفسه، تدخل جماعات إرهابية منظمة إلى الساحة لتحويل الاحتجاج من مسار المطالب المدنية إلى العنف في الشوارع. ولو كانت إيران قد أعلنت عن الحضور المنظم لعناصر تابعة للكيان الصهيوني في الاضطرابات الأخيرة، لربما لم يصدق البعض، لكن اللافت أن هذه الحقيقة جاءت أيضًا على شكل اعتراف رسمي من أحد وزراء الكيان الصهيوني. فقد قال أميخاي إلياهو – الوزير اليميني المتطرف في هذا الكيان – في حديث لإذاعة جيش الاحتلال، إن هذا الكيان استخدم عناصر ميدانية خلال حرب الـ12 يومًا مع إيران في يونيو من العام الماضي، وأضاف أن عناصر مشابهة تنشط في الأزمة الحالية داخل إيران.
🔹️ وفي المرحلة النهائية، تعود الدول الاستعمارية نفسها التي تزعم كذبًا أنها «حريصة على الشعب الإيراني»، لتفرض بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان أو دعم المجتمع المدني، عقوبات جديدة؛ عقوبات تستهدف موائد الناس ودورة الإنتاج في البلاد.
🔹 إن الادعاء بفرض تعرفة جمركية بنسبة 25٪ على الشركاء التجاريين لإيران، الذي طرحه ترامب مباشرة بعد انحسار نار الفتنة في شوارع إيران، يُعدّ نموذجًا واضحًا لهذه العقوبات. وبهذا تكتمل حلقة *«الحرب المركّبة للعدو»*:
▪️ضغط اقتصادي؛
▪️إنتاج سخط اجتماعي؛
▪️فوضى ميدانية؛
▪️ثم عقوبات وتهديدات أشد.
وما قيل في دافوس لم يكن سوى اعتراف رسمي من المسؤول الأول عن الإرهاب الاقتصادي للولايات المتحدة ضد الشعب الإيراني.
🔹 اليوم، تستخدم الدول الاستكبارية ـ ولا سيما الولايات المتحدة ـ الأدوات الاقتصادية عمليًا كسلاح، وتدفع بالحرب إلى صميم الحياة اليومية للناس، ومن جهة أخرى تحوّل الإعلام إلى سلاح، *فتقلب موقع الشهيد والجلاد*، وتقدّم نفسها على أنها داعمة لتحسين الأوضاع المعيشية للناس. ومواجهة هذا النهج لا ينبغي أن تُختزل في المواجهة العسكرية والأمنية فحسب، بل من الضروري أن يركّز المسؤولون، بجهد مضاعف، على تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي للمجتمع. إن الوعي العام بآليات هذه الحروب هو بحد ذاته نوع من المقاومة الواعية.
🔹 ما تشتدّ الحاجة إليه اليوم هو:
أولًا؛ وعي المجتمع في التعاطي مع هذه *«الحرب المركّبة»*،
وثانيًا؛ مضاعفة جهود المسؤولين لتحييد الإرهاب الاقتصادي الأمريكي ضد الشعب الإيراني.
إن الاقتصاد الإيراني اقتصادٌ مقاوم؛ فوجود قطاع خاص قوي، وإنتاج وصادرات غير نفطية ملحوظة، وتغيّر النظام الاقتصادي العالمي *(انتقال الثروة من الغرب إلى الشرق)*، كلها تتيح لإيران فرصًا تمكّن المسؤولين من مواجهة هذا الإرهاب الاقتصادي والحرب المركّبة. وفي بلد يرى نفسه مصداقًا للسنن الإلهية، لا وجود لطريق مسدود:
*﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾*.
#روزنامه_صداى_إيران
farsi.khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل





