الوعد الإلهي بتعجيل هلاك الظالم

وكالة أنباء أهل البيت (عليهم السلام) الدولية ـ أبنا:
في المنظومة الأخلاقية للإسلام، تُعدّ العدالة واجتناب الظلم من المبادئ الأساسية التي تضمن تحقيق السعادة الفردية والاجتماعية. وقد أكّد القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة مرارًا على أن الظلم هو أصل لكثير من الشرور والمشكلات الإنسانية، وأن له عواقب وخيمة. ومن ذلك الحديث الشريف: «مَنْ عَمِلَ بِالْجَوْرِ عَجَّلَ اللَّهُ هُلْكَهُ»(1).
وهو من الكلمات القصار العميقة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، التي تحذّر بوضوح من مغبّة الظلم، وتبيّن أن الله تعالى لا يحتمل الظلم، وأنه يمضي في إحقاق العدل بحق الظالمين.

أ. دراسة معنى الحديث

«مَنْ عَمِلَ بِالْجَوْرِ عَجَّلَ اللَّهُ هُلْكَهُ»
أي: من سلك طريق الظلم، عجّل الله تعالى بهلاكه.

كلمة «الجور» تعني التعدّي عن الحد، والانحراف عن الطريق المستقيم، وظلم الآخرين. أما «الهلاك» فيدلّ على الزوال والانهيار والنهاية.

يفيد الحديث أن الله تعالى لا يرضى بالظلم، وأنه يمنح الظالم فرصة للتوبة والرجوع عن طريق المعصية، غير أن الإصرار على الظلم وتكراره يؤدّي إلى تعجيل هلاك الظالم. وليس المقصود بالهلاك هنا الموت الجسدي فقط، بل قد يشمل خراب الحياة، وضياع القيم الأخلاقية والروحية، والعذاب والمصير المشؤوم في الآخرة.
ويصدق في هذا السياق ما قيل: «ذلك المتكبّر الذي يجلس في غروره ويصدر الأحكام على العالم بأسره، عليه أن يعلم أن المستبدّين والطغاة عبر التاريخ ـ كفرعون ونمرود ورضاخان ومحمد رضا وأمثالهم ـ سقطوا عندما بلغوا ذروة الغرور، وهذا أيضًا سيسقط»(2).

كما يؤكد القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(3).

وقوله تعالى: ﴿أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْكُفْرِ وَأَنْتُمْ أُمَّةٌ مُسْلِمُونَ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَكِيمٌ﴾(4)،
فيه تأكيد على الحكمة والعدالة الإلهية.

وكذلك قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾(5)،
وهو تأكيد على وجوب اجتناب الذنوب، وفي طليعتها الظلم.


ب. آثار الظلم على المجتمع
1. إشاعة السخط والاضطراب

يؤدي الظلم إلى انتشار الجور والتمييز والسخط في المجتمع، ما يفضي إلى الاضطرابات الاجتماعية والثورات، بل وقد ينتهي بانهيار النظام الحاكم.
قال (عليه السلام): «إِنَّمَا الظُّلْمُ أَنْ تَحْرِمَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ»(6)

2. الفساد الاقتصادي والأخلاقي

يوفّر الظلم أرضية خصبة لانتشار الفسادين الاقتصادي والأخلاقي، حيث يلجأ الظالمون إلى شتى المخالفات للحفاظ على مواقعهم وتحقيق مصالحهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْأَمْوَالَ بِالْبَاطِلِ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾(7)،
وقال أيضًا: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾(8).

3. تآكل الثقة الاجتماعية

الظلم يدمّر ثقة الناس بالحكم وببعضهم بعضًا، فإذا غابت العدالة، ساد الشكّ وانعدم الاطمئنان داخل المجتمع.

4. إفساد الأجيال

لا تقتصر آثار الظلم على الحاضر، بل تمتد لتصيب الأجيال اللاحقة، فتشوّه منظومة القيم وتكرّس الانحراف.


ج. سبل الوقاية من الظلم
1. ترسيخ ثقافة العدالة

إن تعليم القيم الأخلاقية، ولا سيما العدل، من أهم سبل مكافحة الظلم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾(9).

وقال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾(10)،
وهو تأكيد على الصدق والعدل في القول والعمل.

2. إنشاء مؤسسات رقابية عادلة

لا بد من وجود مؤسسات مستقلة وقوية تراقب أداء الجهات التنفيذية وتمنع التمييز والجور.

3. تعزيز روح التعاطف والمسؤولية الاجتماعية

رفع وعي المجتمع بحقوق الآخرين وتنمية حسّ التعاطف والمسؤولية يسهمان في الحدّ من الظلم.

4. الحثّ على احترام القانون

ينبغي أن يكون القانون مناهضًا للظلم، وأن يُحاسَب من ينتهكه.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِهِ﴾(11).


وخلاصة القول، فإن هذا الحديث الشريف يمثّل تحذيرًا بالغ الخطورة لكل أفراد المجتمع من الوقوع في الظلم، ودعوة دائمة إلى السعي لإقامة العدل. فالظلم يقود إلى الهلاك، ويفضي إلى خراب المجتمعات، بينما يفتح نشر ثقافة العدالة، وبناء المؤسسات المنصفة، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، الطريق نحو مجتمع أكثر عدلًا واستقرارًا وازدهارًا.


الهوامش:
  1. غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدي، ص 633.
  2. كلمات قائد الثورة الإسلامية (9 كانون الثاني 2026م).
  3. سورة البقرة، الآية 280.
  4. سورة النساء، الآية 40.
  5. سورة التحريم، الآية 6.
  6. سورة آل عمران، الآية 132.
  7. سورة البقرة، الآية 279.
  8. سورة النساء، الآية 168.
  9. سورة النساء، الآية 135.
  10. سورة النحل، الآية 90.
  11. سورة آل عمران، الآية 108.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل