متطلّبات التحوّل في بنية التشريع / نقطة الانطلاق لجميع النُّظم الاجتماعيّة يجب أن تكون الفقه

شدّد عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة على ضرورة الإصلاح البنيوي في عمليّة التقنين في البلاد، مطالبًا بألّا يُدرج أيّ مشروع أو لائحة على جدول أعمال مجلس الشورى الإسلامي من دون أن تُعرض وتُدرس في مركز البحوث الإسلاميّة التابع للمجلس، مؤكّدًا أنّ الحوزة العلميّة يجب أن تنتقل من موقع المراقب الخارجي إلى فاعلٍ نشط، وأن تتحوّل إلى مصدر يمنح الشرعيّة لنظام التشريع.

وأفادت شبكة الاجتهاد أنّ الأستاذ عبّاس كعبي، وفي الندوة العلميّة المعنونة «التحدّيات الحقوقيّة والتشريعيّة في تحقيق الحوكمة العادلة» التي استضافها مركز البحوث الإسلاميّة لمجلس الشورى، أشار إلى أنّ الأساس القانوني لهذا المقترح المتعلّق بتعزيز دور مركز البحوث الإسلاميّة يتمثّل في البندين الأوّل والثاني من السياسات العامّة للتقنين المبلّغة من قبل قائد الثورة الإسلاميّة، وكذلك في المادّة الرابعة والمادّة المئة والعاشرة من الدستور، وغيرها. وأكّد أنّ الحوزة ينبغي أن تصبح مصدر الشرعيّة ومنبع الهويّة لنظام التقنين.

وتابع قائلاً: في الخطوة الثانية من الثورة الإسلاميّة، يجب على الحوزة العلميّة أن ترتقي من دور المراقب الخارجي إلى فاعلٍ نشط في ميدان الجهاد الحضاري، ولا سيّما في مجال التقنين، وأن تتحوّل إلى مصدر يمنح الشرعيّة والهويّة لعمليّة التشريع بما ينسجم مع السياسات العامّة لنظام التقنين.

وأوضح كعبي أنّ الحوزة العلميّة، ضمن منظومة الثورة الإسلاميّة، ليست مجرّد مؤسّسة للتعليم والتربية، ولا مجرّد جهة تبليغيّة أو تعليميّة أو بحثيّة أو فقهيّة أصوليّة، بل ينبغي أن تكون مركزًا لإنتاج العقلانيّة الدينيّة، وصياغة النُّظم الشرعيّة، ومواءمتها مع النُّظم الحقوقيّة والحضاريّة.

وأكّد نائب رئيس جماعة مدرّسي حوزة قم العلميّة أنّه من أجل الاستفادة من طاقات الحوزة في عمليّات التقنين، لا بدّ من تعزيز مركز البحوث الإسلاميّة لمجلس الشورى على نحوٍ أكبر.

وأشار، في سياق حديثه، إلى أنّ نقطة الانطلاق في جميع النُّظم الاجتماعيّة يجب أن تكون الفقه، موضحًا أنّ الفقه في الوقت الراهن لا يؤدّي الدور الذي ينبغي له بوصفه فاعلًا حضاريًّا في مجال التقنين، مع أنّه، من جهة السياسات العامّة للتقنين، والموادّ المتعدّدة للدستور، وكذلك من جهة الطاقات المتوفّرة في الحوزة العلميّة، ومطالبة قائد الثورة بالحوزة الرائدة والمتقدّمة، قد تهيّأت إمكانات واسعة لتدوين فقه النُّظم الإسلاميّة.

وأشار عضو جماعة مدرّسي حوزة قم، على سبيل المثال، إلى البند الأوّل من السياسات العامّة لنظام التقنين، وقال إنّ هذا البند يؤكّد على العودة إلى الشريعة المقدّسة بوصفها المصدر الأمّ ومنشأ التشريع، أي بما هو أوسع من مجرّد خطّ أحمر يُسمّى «مخالفة الشرع»، بل إنّ الشريعة ينبغي أن تكون هادية لعمليّة التقنين وبناء النُّظم. وهذا المنهج يحوّل التشريع في الواقع من عمليّة قائمة على الخبراء وفق النظريّات الغربيّة السائدة، إلى تشريع محوريّ للنُّظم قائم على المنظومات الإسلاميّة الشاملة.

وتابع قائلاً: بناءً على بنود السياسات العامّة لنظام التقنين، ينبغي أن تكون المؤسّسات الاجتهاديّة حاضرة في المرحلة القبليّة من عمليّة التشريع. ففي الوضع الحالي، لا تحضر المؤسّسات الاجتهاديّة في المرحلة القبليّة، بل يقتصر دورها على مرحلة لاحقة وبصورة فرديّة، في حين أنّه، ووفقًا للبندين الأوّل والثاني من السياسات العامّة، يجب أن تكون هذه المؤسّسات قبليّة ودورها بنائيًّا للنُّظم.

يجب على المجلس أن يتحوّل من «التشريع التنفيذي» إلى «التقنين ذي التوجّه الاستراتيجي»

قال كعبي، مبيّنًا أنّ هذه السياسات تهدف إلى إيجاد نوعٍ من التوازن المؤسّسي، إنّه ينبغي تحديد الحدود الفاصلة بين التشريع والتنفيذ والتعاميم وغيرها، كما يجب على مجلس الشورى الإسلامي أن يغيّر مساره من التشريع التنفيذي إلى التشريع ذي التوجّه الاستراتيجي، وأن ينتقل بدل الإكثار من سنّ القوانين إلى تنقيح القوانين وتنظيمها.

وأوضح أستاذ الحوزة العلميّة في قم أنّنا، في مجال الارتقاء بجودة التقنين، ما زلنا نعيش فجوة بين مجرّد صياغة القوانين وبين النظرة الكلّيّة الهادفة إلى تحقيق مقاصد الدستور، مؤكّدًا أنّ التقنين المنشود في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة المقدّس لا ينبغي أن يكون ردّ فعلٍ آنيًّا، ولا شعاريًّا، ولا غير قابل للتنفيذ، بل يجب أن يكون التشريع قائمًا على معالجة المشكلات، وقابلًا للقياس، ومتمحورًا حول العدالة، وشفّافًا، وقابلًا للتقييم على مستوى المجتمع.

واعتبر الأستاذ كعبي أنّ الالتفات إلى الأهداف الكبرى للجمهوريّة الإسلاميّة في عمليّة التشريع أمرٌ في غاية الأهميّة، وقال إنّ التقنين لا ينبغي أن يغفل عن تقديم نموذج محلّي للتقدّم والعدالة، وعن الانتقال من النماذج الغربيّة إلى النماذج الإسلاميّة في التشريع، ولا عن إقامة الدين، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة، والاستقلال، والتقدّم، وبناء الحضارة، بوصفها من الأهداف الكبرى للثورة الإسلاميّة.

ودعا إلى الاهتمام بأولويّات التشريع استنادًا إلى المبادئ المغفلة في الدستور، ووثائق الرؤية المستقبليّة، والسياسات العامّة لنظام التقنين، ومطالبات قائد الثورة الإسلاميّة، مؤكّدًا ضرورة النظر إلى التشريع بوصفه رأس مالٍ اجتماعيًّا للنظام، وأن تتحوّل سيادة القانون إلى ثقافة عامّة في المجتمع.

وأشار الأستاذ كعبي إلى ضرورة الاهتمام الجادّ من قبل السلطات الثلاث، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وسائر المؤسّسات، بتنفيذ السياسات العامّة لنظام التقنين التي أُبلغت من قبل قائد الثورة الإسلاميّة، موضحًا أنّ هذه السياسات تُعدّ في حقيقتها ميثاقًا لإصلاح عمليّة التشريع من أجل تحقيق الحوكمة العادلة ورفع مستوى كفاءة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

وأضاف هذا القانوني أنّ التنفيذ الكامل لهذه السياسات سيؤدّي إلى السير في طريق تحقيق الأهداف الكبرى للنظام، ومعالجة مشكلة تعارض القوانين، ورفع كفاءة الحوكمة، وتحقيق العدالة، وتعزيز الرضا العام، وتقوية الاقتدار الناعم للنظام، والحركة المنسجمة نحو بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة.

وفي الوقت نفسه، نبّه الأستاذ كعبي إلى أنّه، على الرغم من تأكيدات قائد الثورة الإسلاميّة، لم تتشكّل بعدُ اللوائح والآليّات اللازمة لتحقيق هذه السياسات، ولم يُنجز عملٌ جادّ في هذا المجال، ولم تُفعَّل بعدُ سياسات التقنين المنشودة من قبل القيادة، في حين أنّ كلّ بندٍ من البنود السبعة عشر للسياسات العامّة لنظام التقنين يقتضي إحداث تحوّل بنيوي في عمليّة التشريع.

وتابع قائلاً: إنّ التعامل مع السياسات العامّة لنظام التقنين يستلزم إحداث تحوّلات في ستّة محاور، هي: الأسس المعياريّة والشرعيّة للتشريع، والانضباط الدستوري، والتدرّج الهرمي للمعايير، وإصلاح عمليّات التقنين، ورفع الجودة والكفاءة، ومأسسة ثقافة التشريع. وأكّد أنّ أبرز تكليف تفرضه السياسات العامّة لنظام التقنين في إطار التحوّل البنيوي، والذي يجب أن يحظى بعناية جادّة، هو العودة إلى الشريعة بوصفها المصدر الأمّ في عمليّة التقنين.

سدٌّ متين في مواجهة العَلمَنة الكامنة في الإجراءات الإداريّة لعمليّة التقنين

واصل ممثّل مجلس خبراء القيادة حديثه قائلًا: إنّ على الحوزات العلميّة أن تضطلع بدورها من خلال الاستنباط العميق، وبناء النُّظم الفقهيّة، والاستجابة للمسائل المستجدّة، وإنتاج المباني الفقهيّة، وتنقية القوانين غير المنسجمة مع الفقه الحكومي، ومنع العَلمَنة الخفيّة لعمليّة التقنين. كما دعا مركزَ البحوث الإسلاميّة لمجلس الشورى إلى الاستفادة من طاقات الحوزة العلميّة في لجانه وفرق عمله.

وأشار عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، في سياق حديثه عن توثيق تجربة ما يقرب من نصف قرن من التشريع في البلاد، إلى أنّ منجزات نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، على الصعيد البنيوي والمضموني ومستوى الكفاءة، قابلة للعرض والتقديم على المستوى الدولي.

وذكّر الأستاذ كعبي بأنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة هو النظام الوحيد الذي سعى جادًّا إلى تحويل الشريعة إلى قانون، وثبت على هذا المسار، وكانت من ثماره الدستور ومؤسّساتٍ من قبيل مجلس صيانة الدستور.

وقسّم مراحل التحوّل في عمليّة التشريع في البلاد إلى خمس مراحل، هي: «العبور من النظام الطاغوتي وتثبيت النظام»، و«معالجة التحدّيات القائمة بين فقه الرسائل العمليّة وآليّات التشريع»، و«التقنين القائم على البرامج في إطار الخطط الخمسيّة للتنمية»، و«مسارات الفقه الحكومي وفقه بناء النُّظم»، و«التشريع الحضاري». وبيّن أنّ كلّ مرحلة من هذه المراحل الخمس رافقتها تحدّيات حقوقيّة وتشريعيّة وبنيويّة وتنفيذيّة.

وأضاف أنّ الشبكات والعمليّات التشريعيّة يجب أن تتحوّل من مجرّد عملٍ بيروقراطي إداري ذي طابع بنيوي، إلى فعلٍ حضاريّ فاعل يسعى إلى تحقيق الأهداف والوظائف والمهامّ والتوجّهات الكبرى للثورة الإسلاميّة.

وبحسب تقرير «خانه ملت»، فقد قدّم في هذا اللقاء حجّة الإسلام والمسلمين علي نهاوندي، رئيس مركز البحوث الإسلاميّة لمجلس الشورى، تقريرًا عن أنشطة المركز، وفي ختام الجلسة أجاب الأستاذ كعبي عن أسئلة الباحثين في المركز حول موضوعات متعدّدة.

*ترجمة مركز الإسلام ألأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل