تسعى مقالة «نقد ومراجعة نظريّة النقد الذهبي»، التي كتبها جمعٌ من الباحثين الحوزويّين في مجال المصرفيّة، إلى إثبات أنّ نظام «النقد الذهبي» يفتقر إلى قابليّة التطبيق في الاقتصاد الحديث، وأنّ مشكلاتٍ من قبيل التضخّم، ودَين الدولة، واللامساواة، ليست ذاتيّة في النقد الاعتباري. غير أنّ هذا البحث، بمنهجٍ تحليليّ–نقديّ، يُظهر أنّ ذلك النقد قائمٌ على أخطاءٍ مفهوميّة في تعريف التضخّم، وعلى الغفلة عن ماهيّة خلق النقود، وعلى اختزال مسألة المشروعيّة الفقهيّة في مجرّد الكفاءة التجريبيّة.
ويُستدلّ في هذا المقال على أنّ «النقد الذهبي» ليس نظامًا بدائيًّا ولا طوباويًّا، بل هو بنيويًّا منيعٌ ضدّ التضخّم، وعادلٌ من منظور الفقه الإسلامي، وقابلٌ للتنفيذ من حيث البناء المؤسّسي. وفي المقابل، فإنّ النقد الاعتباري، بسبب قابليّة خلق النقود وإعادة التوزيع القسري للثروة، ينطوي على تعرّضٍ للملكيّة الخاصّة ويستلزم الضمان الشرعي.
إنّ المباحث النقديّة في الاقتصاد الإيراني، ولا سيّما في ظلّ التضخّم المزمن والتراجع المستمرّ في القدرة الشرائيّة للعملة الوطنيّة، باتت لا تنفكّ عن الأسئلة الفقهيّة والمؤسّسيّة الجوهريّة. وفي هذا السياق، طُرحت نظريّة «النقد الذهبي» بوصفها بديلًا عن نظام النقد الاعتباري، فقوبلت بجملةٍ من الردود النقديّة. وتُعدّ مقالة «نقد ومراجعة نظريّة النقد الذهبي» واحدةً من هذه الردود، إذ تحاول ـ بالاستناد إلى التجربة التاريخيّة وإمكان ضبط التضخّم ـ الدفاع عن مشروعيّة النقد الاعتباري وكفاءته.
غير أنّ السؤال الأساس هو: هل يتناول نقدُ هذه المقالة حقيقةَ نظام النقد الذهبي كما هو، أم أنّه مبتنٍ على افتراضاتٍ غير صحيحة بشأن التضخّم، وقيمة النقود، ودور الدولة في النظام النقدي؟ يبيّن هذا البحث أنّ المقالة محلّ النقد وقعت في أخطاءٍ جوهريّة في تحليل التضخّم، وفي بحث المشروعيّة الفقهيّة للنقود، وفي تحديد علاقة الدولة بالنقد؛ الأمر الذي أفضى بها إلى أحكامٍ غير تامّة، بل ومعكوسةٍ في بعض الموارد.
أوّلًا: الخطأ المفهومي في تعريف التضخّم
الركن الأساس في دفاع مظهر وزملائه عن النقد الاعتباري هو الادّعاء بأنّ التضخّم ليس ذاتيًّا في هذا النوع من النقود؛ لأنّ كثيرًا من الدول تمكّنت عبر السياسات النقديّة من السيطرة عليه. غير أنّ هذا الاستدلال لا يكون تامًّا إلّا إذا عُرّف التضخّم تعريفًا دقيقًا.
فالتضخّم ليس كلَّ ارتفاعٍ في الأسعار، ولا كلَّ تغيّرٍ في القيم النسبيّة للسلع. إنّ التضخّم ظاهرةٌ نقديّة خاصّة تتحقّق عندما تنخفض قيمة النقود، لا بفعل العوامل الحقيقيّة للسوق، بل نتيجة خلق النقود وزيادة عرضها بصورةٍ مصطنعة. وعليه، فإنّ تغيّر قيمة الذهب أو تقلّبات الأسعار في نظامٍ قائمٍ على النقد الذهبي لا يُعدّ من سنخ التضخّم، بل هو استجابةٌ طبيعيّة للأسعار تبعًا لظروف العرض والطلب الحقيقيّة.
إنّ المقالة محلّ النقد، من خلال المساواة بين «تذبذب القيمة» و«التضخّم النقدي»، تنتهي إلى القول بأنّ وجود التذبذب في الأنظمة المعتمدة على الذهب يعني كون النقد الذهبي مُولِّدًا للتضخّم. وهذه النتيجة ناشئة عن خلطٍ بين مقولتين متمايزتين، وهي من الناحية التحليليّة غير صحيحة.
ثانيًا: الامتناع البنيوي للتضخّم في نظام النقد الذهبي
في نظام النقد الذهبي، يكون النقدُ نفسَه سلعةً. وعرضُه لا يخضع لإرادة الدولة، ولا للبنك المركزي، ولا للشبكة المصرفيّة. فلا توجد جهةٌ قادرة على إدخال نقودٍ جديدة إلى الاقتصاد من دون تحمّل كلفةٍ حقيقيّة. ومن ثمّ، فإنّ الانخفاض غير الواقعي في قيمة النقود ـ وهو جوهر التضخّم ـ غير ممكن التحقّق في هذا النظام.
ولا يعني ذلك أنّ قيمة الذهب لا تتغيّر مطلقًا، بل يعني أنّه لا يحدث أيّ انخفاضٍ في القيمة عبر مسار «الخلق الإرادي للنقود». وبناءً عليه، فالتضخّم في نظام النقد الذهبي ليس ظاهرةً قليلة الاحتمال فحسب، بل هو ظاهرةٌ ممتنعة؛ لانتفاء شرط تحقّقها، وهو خلق النقود من العدم.
أمّا في نظام النقد الاعتباري، فإنّ خلق النقود يُعدّ أداةً من أدوات السياسة العامّة، ولهذا السبب بعينه يكون التضخّم النقدي ممكنًا، بل واقعًا بالفعل.
ثالثا: الخطأ الفقهي في المقالة: اختزال المشروعية في قابلية التحكم
من أبرز نقاط الضعف الجوهرية في مقالة «نقد ودراسة نظرية النقود الذهبية» أنها تختزل مسألة مشروعية النقود في إمكانية التحكم بالتضخم أو عدمها. مع أنّ مشروعية أي مؤسسة اقتصادية في الفقه الإسلامي لا تتوقف على نتائجها الإحصائية فحسب، بل ترتبط بكيفية التملّك، والنقل، والتعدّي على الملكية.
إن المشكلة الأساسية في النقود الاعتبارية ليست مجرد التضخم، بل خلق النقود. وخلق النقود يعني أن تقوم جهة معيّنة، من دون إنتاج قيمة حقيقية، بإيجاد قدرة شرائية جديدة. وهذه القدرة الشرائية الجديدة تُموَّل حتمًا من خلال انخفاض القدرة الشرائية لبقية أفراد المجتمع. وبهذا يحدث نوع من إعادة التوزيع الثانوية للثروة من دون رضا المالكين الأصليين.
وقد بُيّن بالتفصيل في كتاب «نظرية النقود الذهبية» لماذا، رغم السيطرة الظاهرية على التضخم في الدول المتقدمة والصناعية، يستمرّ اتساع فجوة اللامساواة والفوارق الطبقية، وكيف تُنقل في بنية نقدية عالمية معولمة قيمةُ أموال جماهير الشعوب إلى قمم الثروة.
إن هذه الآلية المصرفية التي تعمل عبر أداة خلق النقود تمثّل مصداقًا واضحًا للتعدّي على الملكية الخاصة، وتندرج تحت قواعد مثل «أكل المال بالباطل» و«لا يحلّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه». وعليه، حتى لو افترضنا إمكانية ضبط التضخم إحصائيًا، فإن أصل خلق النقود يبقى محلّ إشكال فقهي.
رابعا: التضخم النقدي ومسألة الضمان
النقطة التي أغفلتها المقالة محلّ النقد تقريبًا بالكامل هي مسألة الضمان. ففي نظام النقود الاعتبارية، يكون التضخم نتيجة قرار واعٍ وإرادي تتخذه جهة محددة: الدولة، أو البنك المركزي، أو الشبكة المصرفية. وهذا القرار يؤدي مباشرة إلى انخفاض قيمة الأصول النقدية التي يملكها الناس.
ومن المنظور الفقهي، إذا كان الضرر:
قابلًا للإسناد إلى فاعل معيّن،
ناشئًا عن فعل اختياري،
ومؤديًا إلى إتلاف مال الغير أو إنقاصه،
فإن الضمان يثبت. وعليه، فإن التضخم النقدي في النظام الاعتباري ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل فعل موجب للضمان، وتتحمّل مسؤوليته الجهة الخالقة للنقود.
أما في نظام النقود الذهبية، فلا يوجد فاعل محدد «يخلق» قيمة النقود أو «يتلفها». فتغيرات القيمة ناتجة عن تفاعلات السوق الحقيقية، ولذلك لا يثبت الضمان على أحد.
خامسا: النقود الذهبية وقابليتها للتطبيق في الاقتصاد الحديث
تصوّر مقالة مظهر وزملائه نظام النقود الذهبية على أنه غير منسجم مع الاقتصاد الحديث. غير أن هذا الحكم قائم على تصور خاطئ يختزل النقود الذهبية في العملة المعدنية المادية والمعاملات التقليدية.
فالنقود الذهبية هي قاعدة نقدية وليست تكنولوجيا دفع بعينها. ويمكن في ظل هذا النظام استخدام الأدوات الرقمية، والحسابات الإلكترونية، وأنظمة التسوية السريعة والدولية، من دون إتاحة إمكانية خلق النقود من العدم.
وما يميّز النقود الذهبية ليس شكلها المادي، بل القيد المؤسسي المفروض على عرض النقود. وهذا القيد ليس علامة تخلّف، بل شرط لتحقيق العدالة النقدية.
الخلاصة
تعاني مقالة «نقد ودراسة نظرية النقود الذهبية» من خلط مفاهيمي وغفلة عن الأبعاد المؤسسية في تحليلها للتضخم، ولمشروعية النقود فقهيًا، ولإمكانية تطبيق الأنظمة النقدية.
فالتضخم ظاهرة ذات طبيعة نقدية خالصة، خاصة بالأنظمة القائمة على خلق النقود، ولا يمكن تحققه في نظام النقود الذهبية. كما أن النقود الاعتبارية لا تتعارض مع الفقه الإسلامي بسبب فشل تجريبي فحسب، بل بسبب ما تتيحه من خلق للنقود وإعادة توزيع قسري للثروة.
وفي المقابل، يمثّل نظام النقود الذهبية نظامًا متقدمًا، متحررًا من التضخم، قابلًا للتطبيق، ومنسجمًا مع العدالة الاقتصادية ومشروعية الملكية.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





