تُعدّ مسألة «تضخّم علم الأصول» والنسبة بين حجم المباحث التعليمية وكفاءتها الاستنباطية من التحدّيات غير المستحدثة تمامًا في الحوزات العلمية الشيعية. ويتناول هذا البحث، بمنهج تحليلي-نقدي، إعادة قراءة النقد التاريخي الذي طرحه السيد محسن الأمين في كتابه «أعيان الشيعة»؛ وهو نقد تمحور حول المفارقة المنهجية لدى الشيخ الأنصاري (بين إشادته بإيجاز كاشف الغطاء وتأليفه المطوّل لكتاب «الرسائل»).
ثم ينتقل البحث، متجاوزًا المقاربة التاريخية الصرفة، ومستفيدًا من المباني والمنهجية التي قرّرها الأستاذ آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني، ليبيّن أن الإشكال الجوهري لا يكمن في «كثرة السطور»، بل في «الانسداد البراديغمي» وإقصاء المدارس ما قبل الأنصارية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن سبيل الخروج من هذا المأزق لا يتمثّل في «إيجاز مُخلّ» (كما وقع في «الكفاية»)، ولا في الحذف الآلي للمباحث، بل في «الهندسة العكسية للتراث»، و«إعادة وزن المباحث» (Re-weighing)، وإحياء القواعد التي أغفلها المتقدّمون.
- المدخل: أزمة الكفاءة وضرورة إعادة قراءة البراديغمات
يُعدّ علم أصول الفقه، بوصفه «منطق فهم الشريعة» — والذي شهد، بحسب تعبير أستاذ كاتب هذه السطور آية الله محمد جواد فاضل اللنكراني، تحوّلًا براديغميًا ليغدو «منطق فهم الدين» لا الشريعة فحسب — الأداةَ الرئيسة لاستنباط الأحكام الإلهية، وقد ظلّ دائمًا في بؤرة اهتمام الفقهاء والمفكرين الإسلاميين.
غير أنّ القرون الأخيرة، ولا سيما العصر الحاضر، شهدت تصاعدًا ملحوظًا في الجدل حول «حجم» هذا العلم، و«كفاءته»، و«نسبة مباحثه إلى مخرجات الفقه»، حتى تحوّل هذا النقاش إلى إحدى أكثر القضايا سخونة في الأوساط الحوزوية، ولا سيما في الحوزة العلمية بقم.
ويتمثّل السؤال المحوري في الآتي:
هل إن البنية الراهنة لعلم الأصول، بوصفها وارثة لمدرسة «الشيخ الأعظم» و«الآخوند الخراساني»، منسجمة مع مقتضيات العصر ومع محدودية العمر العلمي لطلبة العلوم الدينية؟
أم أنها تعاني نوعًا من «التضخّم البنيوي» و«الترهّل غير الوظيفي»؟
إزاء هذا السؤال يمكن تمييز اتجاهين عامّين:
اتجاه يرى في أيّ مساس بتراث السلف إضعافًا لأسس الاجتهاد،
واتجاه آخر يتبنّى مقاربة سلبية تدعو إلى حذف قطاعات واسعة من علم الأصول.
غير أنّ ثمة أطروحة ثالثة واعدة، منبثقة من فكر الأستاذ جواد فاضل اللنكراني، تتجنّب الإفراط والتفريط، وتؤكّد ضرورة «إعادة هندسة ذكية» لهذا العلم، مع «إحياء طاقاته المنسيّة».
ويهدف هذا البحث إلى تقديم صياغة معاصرة لهذه النظرية، عبر تتبّع الجذور التاريخية للإشكال في النقد اللامع الذي طرحه السيد محسن الأمين، ثم النفاذ إلى ما وراء ظاهر نقده، للكشف عن طبقاته المعرفية والبنيوية العميقة، وصولًا إلى اقتراح نموذج فاعل لـ«إدارة كثافة علم الأصول» وتحقيق توازنه المنهجي.
2. الاستكشاف التاريخي: مفارقة «الشيخ الأعظم» في مرآة نقد «السيد محسن الأمين»
لفهم الجذور التاريخية لتضخّم علم الأصول، لا مناص من العودة إلى المنعطف الحاسم في تاريخه، أي عصر الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه). فقد وضع السيد محسن الأمين، صاحب الأثر النفيس «أعيان الشيعة»، إصبعه ــ برؤية نقدية صريحة وتشخيصية ــ على تناقض ذي دلالة في سيرة الشيخ الأنصاري ونظره، يمكن لتحليله أن يفتح آفاقًا لمعالجة الإشكالات الراهنة.
2-1. الموقع الاستراتيجي لـ«كشف الغطاء» والمفارقة المنهجية
ينقل السيد محسن الأمين في الجزء الرابع من «أعيان الشيعة» رواية لافتة عن الشيخ الأنصاري:
«و کان الشیخ مرتضى الأنصاری یقول ما معناه: مَن أتقن القواعد الأصولیة التی أودعها الشیخ جعفر فی کشفه فهو عندی مجتهد.» ([1])
ويحمل هذا الاعتراف من الشيخ الأعظم دلالة استراتيجية بالغة: إذ يفيد بأن جميع ما يلزم لتحصيل ملكة الاجتهاد قد أُودع في المقدّمة الوجيزة المكثّفة لكتاب «كشف الغطاء» للشيخ جعفر كاشف الغطاء؛ وهو نصّ لا يبلغ حجمه ــ على الأرجح ــ عُشر المصنّفات الأصولية المتداولة.
2-2. السؤال الراديكالي ونقد التضخّم
انطلاقًا من هذا الاعتراف، يطرح الأمين (رحمه الله) سؤالًا جذريًا:
إذا كانت تلك المقدّمة الموجزة كافية لتحصيل الاجتهاد، فما المبرّر لتأليف الكتب المطوّلة والموسّعة من قبل الشيخ الأنصاري نفسه؟
«فإذا کان الأمر کذلک، فلماذا بلى الشیخ مرتضى الناس برسائله!؟» ([2])
ولتدعيم دعوى «التضخّم غير الضروري»، يشير الأمين إلى مبحث «دليل الانسداد» في كتاب «الرسائل». فالشيخ الأنصاري ــ مع أنه لا يرى تمامية دليل الانسداد ولا يعوّل عليه عمليًا ــ أفرد له بحثًا مطوّلًا في تقريره ونقده، حتى إن حجمه وحده يفوق مجموع المباحث الأصولية في مقدّمة «كشف الغطاء»:
«و کتب فی دلیل الانسداد وحده – الذی یعترف بعدم الحاجه إلیه – ما یزید على ما کتبه الشیخ جعفر فی مقدمه کشفه من مسائل الأصول.» ([3])
ويكشف هذا النقد عن أن القلق من اختلال التوازن بين «حجم المباحث» و«جدواها العملية» لم يكن طارئًا، بل كان حاضرًا حتى في عصر الشيخ نفسه.
2-3. أزمة الشروح والحواشي
مع إقرار الأمين بالمقام العلمي السامي للشيخ الأنصاري ــ وهو أمر يراه من البديهيات ــ إلا أنه يعتقد أن المسار بعده انحرف عن وجهته. فبدل أن يتجه التلامذة إلى تهذيب «الرسائل» واختصارها، انصرفوا إلى تدوين حواشٍ مطوّلة، أفضت إلى استنزاف أعمار الطلبة وصرفهم عن مقصدهم الأساس، وهو الفقه:
«و مقام الشیخ مرتضى فی التحقیق و فتح بابه لمن عاصره و تأخر عنه أمر ملحق بالبدیهیات … لکنّنا نقول کان علیه أو على من بعده اختصاره و تهذیبه و حذف ما لا لزوم له منه و إیضاح عباره الباقی… لا أن یضعوا لکتابه الحواشی المطوله، فأوجب ذلک ضیاع عمر الطلاب و صدهم عما یجب صرف أعمارهم فیه…» ([4])
وهنا يتجلّى بوضوح أن الإشكال ــ في نظره ــ لم يكن في أصل التحقيق، بل في غياب مشروعٍ لاحقٍ للتهذيب وإعادة الصياغة المنهجية.
2-4. المقارنة التطبيقية مع «كفاية الأصول»
ويمضي الأمين إلى تقويم محاولة الآخوند الخراساني في «كفاية الأصول»:
أولًا: النجاح في الاختصار
يرى أن الآخوند نجح في هدف تقليص حجم المباحث وإنقاذ الطلبة من الإطناب:
«و لئن کان الشیخ ملا کاظم الخراسانی حاول ذلک فی کفایته فقد أصاب.» ([5])
ثانيًا: الإخفاق في الإفهام (الإغلاق)
غير أن نقده الجوهري يتمثّل في أن «الكفاية» ــ بسبب شدة التكثيف والتعقيد ــ أوقعت الطلبة في معضلة صعوبة الفهم. فاضطروا مجددًا إلى اللجوء إلى الشروح والحواشي، فعاد إهدار الوقت بصورة أخرى:
«لکن فاته أنّه کان یجب أن یکون کتابه أکثر تهذیباً و أوضح عباره و أحسن ترتیباً… لکنه أوقعهم فی صعوبه الفهم… و عاد الأمر إلى الشروح و الحواشی… ثم وقعنا الیوم فیما هو أدهى و أعظم…» ([6])
ويبلغ نقده ذروته حين يربط هذه الأزمة بتحوّل اجتماعي أعمق، حيث يرى أن انصراف الناس عن طلب العلم إلى طلب الدنيا ينذر بانقراض الدين ذاته.
2-5. خلاصة موقف الأمين
يمثّل هذا المقطع من «أعيان الشيعة» في جوهره دفاعًا عن «المنهجية المتوازنة القديمة» (مدرسة الشيخ جعفر) في مواجهة «التعقيد المدرسي الحديث» (مدرسة الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني).
فالسيد محسن الأمين يرى في «كشف الغطاء» نموذجًا للفقاهة الصافية، العملية، والمتوازنة، التي كانت على قدر الحاجة، لكنها وقعت ضحية تضخّم علم الأصول وتكاثر الحواشي غير المثمرة في الأجيال اللاحقة.
وبحسب تحليله، فإن منهج الشيخ جعفر في «كشف الغطاء» ــ القائم على إيجاز كافٍ وافٍ ــ كان أنموذجًا متوازنًا، غير أن التطورات اللاحقة مالت إمّا إلى الإفراط في التطويل (كما عند الأنصاري)، أو إلى التفريط في إيجاز مُخلّ (كما في بعض جوانب «الكفاية»).
3. التحليل المعرفي: ما وراء النقد «الكمّي» (تجاوز الاختزالية عند الأمين)
على الرغم من أنّ هاجس السيد محسن الأمين بشأن إهدار أعمار الطلبة هاجسٌ محمود، وأن نقده التاريخي لـ«الصيغة الشكلية» في تكديس الحواشي المتكرّرة والمُنهِكة نقدٌ في محلّه، إلا أنّ النظر التحليلي النهائي يكشف أنّ مقاربته لا تخلو من نوعٍ من «الاختزالية» (Reductionism). إذ إنّ رؤيته لمحتوى علم الأصول، واقتراحه الضمني بالعودة إلى المتون الموجزة (كـ«كشف الغطاء») بوصفها الحلّ النهائي، تحتاج إلى مراجعة أعمق.
وانطلاقًا من المباني النظرية التي قرّرها الأستاذ الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني، ينبغي الالتفات إلى أنّ علم أصول الفقه ليس مجرّد مجموعة من القواعد الجامدة لاستنباط الأحكام الفرعية؛ بل إنّه ــ في سياق «قطيعة معرفية» (Epistemic Break) وارتقاء براديغمي ــ مدعوّ إلى الانتقال من كونه «منطق فهم الشريعة» إلى «منطق فهم الدين».
وفي هذا المنظور المتجدّد، الذي يعبّر عنه كاتب هذه السطور بـ«الخطاب التاسع (التجميع)» أو «الأصول الحِكمي»، يتكفّل علم الأصول بفهمٍ شمولي للدين، يشمل الفقه والأخلاق والتفسير والكلام. ومع هذا التحوّل، يفقد نقد «التضخّم» مركزيته، ليحلّ محلّه سؤال «الكفاية» و«عدم الكفاية» في الأدوات المنهجية.
وبناءً على هذا الإطار التحليلي، فإن الإشكال الرئيس لعلم الأصول في عصرنا لا يكمن في «الحجم الفيزيائي للكلمات»، بل في طبيعة «البنية التعليمية» و«أحادية الصوت البراديغمية». وفيما يلي تحليل تقني لهذين المحورين:
3-1. هرمنيوطيقا المتون التعليمية: جدلية «الإدماج» و«التفصيل»
إنّ التصوّر القائل بأن «إيجاز النص» يعني بالضرورة «سهولة بلوغ الاجتهاد» ينشأ من الغفلة عن طبيعة «المتون التعليمية الكلاسيكية» (Classical Pedagogical Texts).
ففي التقليد التعليمي الحوزوي، تُعدّ كتب مثل «كفاية الأصول» أو مقدّمة «كشف الغطاء» من قبيل «النصوص المكثّفة» (Condensed Texts)، لا «البيانات العلمية المبسوطة». وهي تخضع لمنطق «الكبسلة المعرفية» (Epistemic Encapsulation)، حيث تُضغط نظرية معقّدة — حصيلة عشرات الصفحات من البرهنة والنقد — في عبارة قصيرة أو مصطلح تقني مشفّر (Encoded).
وكما أنّ تحرير أثر الكبسولة الدوائية المضغوطة يحتاج إلى عمليّة هضم وامتصاص ضمن سياق فيزيولوجي، فإنّ تحرير «الدلالات الالتزامية» و«المباني المطويّة» (Implicated Foundations) في المتون الأصولية الموجزة يتطلّب عمليّة «تفكيك وتوسيع» (Decompression) في سياق الدرس والمباحثة.
وعليه، فإنّ دعوى الشيخ الأنصاري بكفاية مقدّمة «كشف الغطاء» للاجتهاد تشير إلى «غناها المضموني» و«تماسكها البنيوي»، لا إلى سهولة صورتها الشكلية. فالفهم العميق لذلك النصّ الوجيز يحتاج إلى قدرٍ من الطاقة الذهنية لا يقلّ عمّا يتطلّبه استيعاب المتون المطوّلة؛ بل إنّ النصوص المكثّفة تتطلّب قدرًا أعلى من المهارة في كشف طبقاتها المضمرة.
ومن ثمّ، فإنّ علاج التضخّم لا يكون بالعودة الآلية إلى الإيجاز؛ إذ إنّ الإيجاز بلا ظهيرٍ تفسيري — كما أشار الأمين نفسه في نقده لـ«الكفاية» — يفضي إلى الإغلاق والحيرة.
3-2. مغالطة «الزمن الخطي»: نقد الرؤية الميكانيكية للتعليم
أما النقد المعرفي الثاني الموجّه إلى السيد محسن الأمين، فيتعلّق بافتراضه الضمني حول «زمن التعلّم». إذ يبدو أنّه يتعامل مع الزمن التعليمي بوصفه أمرًا «خطّيًا» و«ميكانيكيًا»: فلو كان الكتاب مئة صفحة استغرق مئة وحدة زمنية، وإذا اختُصر إلى عشر صفحات انخفض الزمن إلى العُشر.
غير أنّ تحليل الأستاذ اللنكراني يُظهر أنّ عمليّة تحصيل ملكة الاجتهاد ذات طبيعة «كيفية» لا «كمّية ورقية». فعندما يُضغط النصّ إلى أقصى حدّ (كما في «الكفاية» أو «كشف الغطاء»)، تظهر ظاهرة «الاحتكاك المعرفي» (Cognitive Friction)، حيث يضطر ذهن المتلقّي إلى بذل جهد مضاعف لملء «الفجوات» (Gaps) بين حلقات الاستدلال.
وبعبارة أخرى: ما يُوفَّر في «الورق» يُستوفى من «الذهن». فالاختصار الشديد قد يقلّل زمن القراءة الفيزيائي، لكنه يزيد زمن الاستيعاب العميق بسبب الحاجة الدائمة إلى فكّ الترميز وإعادة البناء.
ومن هنا، فإنّ نقد الأمين للشيخ الأنصاري بسبب تأليفه الكتب المطوّلة لا يصحّ من زاوية تربوية محضة؛ إذ إنّ تفصيل الشيخ في «الرسائل» يمكن فهمه بوصفه «تمهيدًا لمسار الفهم» وتعبيدًا لطريقه، لا مجرّد إطالة غير مبرّرة. فالإيجاز المُخلّ قد يختصر زمن التصفّح، لكنه يطيل زمن التملّك العلمي بسبب الحاجة إلى التفكيك المستمر وإعادة التركيب.
4. الباثولوجيا البنيوية: هيمنة ما بعد الأنصاري وانسداد أفق الاحتمالات
إنّ التحدّي البنيوي العميق الذي يواجه علم الأصول في العصر المتأخّر لا يكمن في أصل وجود الشروح، بل في «تقنين مسار الاجتهاد» وحصره ضمن الإطار الفكري للشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه). فبعد الشيخ، وقعنا ــ على نحوٍ ما ــ في حالة من «الانسداد التاريخي».
4-1. الاحتكار البراديغمي ونسيان المدارس
لقد أدّت هيمنة البراديغم الأنصاري (The Ansarian Paradigm Hegemony) إلى ما يشبه «النسخ العملي» للتراث الأصولي السابق عليه. فمدرسة أصفهان، ومدرسة النجف الوسطى (المقدّس الأردبيلي وصاحبَا المعالم والمدارك)، وسائر المدارس الأصولية الحيوية ــ كمدرسة النراقي، والميرزا القمّي، والسيد المجاهد، وغيرهم ــ أُقصيت تدريجيًا إلى الهامش.
وقد حُذفت جملة من القواعد والأدوات الاستنباطية التي كانت شائعة وفعّالة في تلك المدارس، لا لأنّها أُبطلت جميعًا بدليل قاطع وبرهان نهائي، بل لأنّها لم تنسجم مع «الذائقة الأصولية» التي رسّخها الجهاز المفهومي للشيخ الأنصاري. وهكذا نشأت حالة من الأحادية المنهجية، بحيث لم يعد الطالب يرى الشريعة إلا من خلال «عدسة الشيخ والآخوند»، وحُرم من إمكانات أصولية بديلة.
4-2. دراسة حالة: إقصاء قاعدة «الغلبة»
(Case Study: The Exclusion of the Preponderance Rule)
ولتجسيد هذه الدعوى بصورة ملموسة، يمكن الإشارة إلى مثال واضح من «النسيان البنيوي»، وهو القاعدة العقلائية المعروفة بـ«إلحاق الشيء بالأعمّ الأغلب» (قاعدة الغلبة).
فهذه القاعدة، التي تمثّل أساسًا لكثير من آليات اتخاذ القرار العرفي والحقوقي والعقلائي في تشخيص الموضوعات ورفع التردّد، كانت تتمتّع بمكانة معتبرة في المدارس السابقة على الشيخ الأنصاري. وقد أفرد فقهاء مثل المحقق النراقي في «أنيس المجتهدين»، والمحقق الكلباسي، بحوثًا موسّعة حول «حجّية الظن في الموضوعات» ودور قاعدة الغلبة في معالجة الانسدادات الفقهية.
غير أنّ المدرسة الأنصارية، مع تشدّدها في باب «حجّية الظن»، دفعت بهذه القاعدة إلى الهامش. فالشيخ الأنصاري، من خلال تبنّيه مبدأ «نفي حجّية الظن المطلق» (إلا في الموارد المنصوصة)، وجّه نقدًا صريحًا لهذه القاعدة في «مطارح الأنظار»، ثم جرى إقصاؤها عمليًا من المتون التعليمية الرسمية كـ«الرسائل» و«المكاسب».
فما الذي ترتّب على هذا الإقصاء؟
- أزمة في تشخيص الموضوعات:
ضاقت يد الفقيه في موارد كثيرة من تشخيص الموضوعات الخارجية، حيث يعتمد العقلاء على الغلبة بوصفها أمارة معتبرة. - تضخّم الاحتياط:
اتّجه الفقه نحو «احتياط حدّي» ونزعة تجريدية أصولية، إذ مع إقصاء الأمارات العقلائية كالغلبة، لم يبق أمام الفقيه إلا الالتجاء إلى الأصول العملية (كالاستصحاب والاحتياط).
التحليل الختامي
إنّ إعادة القراءة النقدية لهذا التراث المُهمَل ــ أي المدارس ما قبل الأنصارية ــ يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة لمعالجة القضايا المستحدثة ذات الطابع العرفي والاجتماعي.
فلو انصرف الجهد ــ بدلًا من إعادة إنتاج حواشي «الرسائل» ــ إلى إحياء قواعد من قبيل «الغلبة»، لأصبح علم الأصول أقلّ تضخّمًا وأكثر كفاءة وقدرة على حلّ الإشكالات الواقعية.
ومن هنا، فإنّ إحياء نظرية «حجّية الظن في الموضوعات» كما قرّرها الأستاذ فاضل اللنكراني يمثّل خطوة استراتيجية متقدّمة في مسار إعادة التوازن البنيوي لعلم الأصول، واستعادة طاقاته الاجتهادية الكامنة.
5. استراتيجية الخروج: نحو «معماريةٍ جديدةٍ لعلم الأصول»
في التحليل النهائي للجدالات الدائرة حول «تضخّم علم الأصول»، يتبيّن أنّ تشخيص السيد محسن الأمين لخلل «الصيغة الشكلية» في تراكم الحواشي المتكرّرة والمُرهِقة تشخيصٌ في محلّه؛ غير أنّ الحلول التي طُرحت تاريخيًا ــ من قبيل الاختصارات الميكانيكية أو تأليف متونٍ شديدة الإيجاز ــ لم تُفضِ في الغالب إلى نتيجةٍ ناجعة.
وبناءً على النظرية الشاملة التي قرّرها الأستاذ الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني، فإنّ سبيل الخروج لا يكمن لا في «إيجازٍ مُخلّ» ولا في «حذفٍ مقصيٍّ بالمقصّ» (Reductionism)، بل في «إعادة وزن المباحث» (Re-weighing of Topics) و«الإدارة الذكية للكثافة المعرفية». فعلم الأصول، بوصفه «منطق فهم الدين»، يحتاج بطبيعته إلى دقّةٍ تحليلية عميقة، ولا يمكن الحفاظ على عمق الاجتهاد عبر تبسيطٍ مُفرِط.
وهذه العملية التجديدية ــ التي يمكن تسميتها بـ«المعمارية الجديدة لعلم الأصول» ــ تقوم على ثلاثة أركان أساسية:
5-1. الركن الأول: الهندسة العكسية للتراث
(Reverse Engineering of Heritage)
الخطوة الأولى لكسر قفل التضخّم تتمثّل في تجاوز إعادة إنتاج التكرارات ما بعد الأنصارية، وإحياء «التراث المنسيّ للقدماء». وكما تقدّم، فإنّ عددًا من القواعد الفاعلة (كقاعدة الغلبة، ومباحث تشخيص الموضوعات) أُقصيت في ظلّ البراديغم الأنصاري.
وفي هذا المنهج، لا يكتفي الباحث الأصولي بكتابة الحاشية الثلاثين على «الرسائل»، بل يعود إلى قراءةٍ نقديةٍ لآثار أعلامٍ كالعلاّمة الحلّي، والمقدّس الأردبيلي، والمحقّق النراقي، وصاحب «القوانين». وليس المقصود من هذه العودة نزعةً ارتجاعية، بل البحث عن أدواتٍ فُقدت من «صندوق الأدوات الأصولي» المعاصر.
ومن خلال إعادة إدماج هذه القواعد ضمن الجهاز الاستنباطي، يستعيد الفقيه مرونةً أوسع في معالجة القضايا المستحدثة، ويتحرّر من الانسدادات الناشئة عن «الاحتياط المحض».
5-2. الركن الثاني: التوزيع الذكي لمجالات التركيز
(Smart Distribution of Focus)
إنّ التضخّم غالبًا ما ينشأ من اختلال التناسب بين «الكلفة الزمنية» و«العائد العلمي». وفي المعمارية الجديدة، ينبغي المرور السريع على المباحث ذات الثمرة العملية المحدودة (مثل بعض النزاعات اللفظية في مبحث الصحيح والأعم، أو بعض التفريعات العقلية الدقيقة في اجتماع الأمر والنهي التي قلّ حضورها في الفقه المعاصر).
وفي المقابل، ينبغي توسيع مساحة التركيز التعليمي والبحثي على المباحث المحورية ذات الأثر المباشر، كالسيرة العقلائية، وباب التعادل والتراجيح، ومنهج الفهم العرفي. فهذه المحاور تستحق زمنًا تدريسيًا أوسع مما هو مخصّص لها في المتون الحالية.
وبذلك يتحقق «تحسين إدارة الزمن التعليمي» من دون التضحية بالدقّة العلمية.
5-3. الركن الثالث: التكامل البين-تخصّصي
(Interdisciplinary Integration)
من أسباب امتداد المباحث الأصولية ــ خصوصًا في مباحث الألفاظ ــ محاولة حلّ الإشكالات اللغوية بأدواتٍ تقليدية من المنطق والفلسفة فحسب. ويؤكّد الأستاذ فاضل اللنكراني ضرورة الإفادة من طاقات العلوم اللغوية الحديثة، كعلم اللسانيات (Linguistics)، وعلم الدلالة (Semantics)، والهرمنيوطيقا، في تنقيح مباحث الألفاظ وحجّية الظواهر.
إنّ توظيف هذه المعارف بوصفها أدواتٍ مساعدة يمكن أن يُنهي كثيرًا من النزاعات المطوّلة بسرعةٍ أكبر ودقّةٍ أعمق، وأن يرتقي بعلم الأصول من كونه علمًا تقليديًا منغلقًا على نصوصه، إلى «فلسفة قانون حديثة وفعّالة»، تجمع بين أصالة التراث وقابلية التخاطب مع العالم المعاصر.
6. الخاتمة
إنّ مسألة «تضخّم علم الأصول»، التي شغلت بال أعلامٍ كبار كالسيد محسن الأمين (رحمه الله) وغيرِه، ليست مجرّد معضلةٍ كمّية تُحلّ بتقليص المتون أو حذف الفصول. فقد أثبت تاريخ الحوزات أنّ كل «إيجازٍ مُخلّ» ــ كما في بعض تجارب الاختصار ــ يولّد لاحقًا «شروحًا مطوّلة» تعيد المشكلة في صورة أخرى.
وقد بيّن هذا البحث أنّ الجذر الحقيقي للإطناب وضعف الكفاءة يكمن في «الانسداد البراديغمي» و«نسيان المدارس ما قبل الأنصارية». وإن كان نقد الأمين موجّهًا ظاهرًا إلى حجم «الرسائل»، فإنّه في عمقه تحذيرٌ من تحوّل مسار الاجتهاد.
والاستراتيجية المقترحة لمستقبل علم الأصول تتمثّل في العودة إلى «منهجيةٍ متوازنة»، تقوم على:
- النظر إلى التراث الشيعي ــ من الشيخ الطوسي إلى العصر الحاضر ــ بوصفه كُلًّا مترابطًا، لا يُختزل في «الرسائل» و«الكفاية».
- إحياء القواعد التطبيقية المغفلة (كقاعدة الغلبة).
- تسخير الأدوات المعرفية الحديثة لخدمة الاستنباط.
وعندئذٍ فقط يمكن تقليص تضخّم علم الأصول من غير الوقوع في فخّ السطحية، وتعزيز «الرشاقة المنهجية» و«القدرة على حلّ المشكلات» في الفقه المعاصر. وهذه المنهجية تمثّل بحقّ «الحلقة المفقودة» التي يحتاجها الاجتهاد اليوم لمواكبة تعقيدات الواقع الإنساني الحديث.
الهوامش:
[1] الأمين، السيد محسن، «أعيان الشيعة»، ج4، ص100.
[2] المصدر نفسه.
[3] المصدر نفسه.
[4] المصدر نفسه.
[5] المصدر نفسه.
[6] المصدر نفسه.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





