إنّ البيعة في التعاليم الإسلامية والثقافة الشيعية تمتلك تاريخاً يمتد لأكثر من أربعة عشر قرناً، وقد حظيت بعناية بالغة وأهمية عظيمة، إلى درجة أنّ الله تعالى وصف المبايعين في بيعة الرضوان بأنهم من أهل الجنة، ومنحهم ثلاث عطايا كبرى: رضوانه سبحانه، والسكينة في قلوبهم، والبشارة بفتح قريب، الذي فسّره أكثر المفسرين بفتح خيبر.
كما أنّ بيعة الرجال والنساء للنبي الأكرم ﷺ بعد فتح مكة، والبيعة التي أُخذت لأمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة يوم غدير خم، ثم بيعة الناس لأمير المؤمنين علي عليه السلام بعد مضيّ عشرين عاماً من البيعة السابقة، كلّها شكّلت تراثاً غنياً من الأخبار والتحليلات والعِبر والدروس.
وخلاصة القول: إنّه حيثما كان الحديث عن الوجود والاستمرار، كان الحديث أيضاً عن البيعة والعهد والميثاق.
فالبيعة تعني إعطاء الوعد، والثبات على هذا الوعد حتى آخر رمق. وهي تعني الالتزام بالتعاون والطاعة، وأن يكون المبايعون على استعداد للمرافقة والانقياد من دون تردد ما داموا باقين. كما أنّ البيعة تعني الثقة والاطمئنان إلى النبي أو الولي في قراراته وأوامره، وأبرز علامة للبيعة ومحورها الأساس هو الطاعة.
ومن النقاط اللافتة أنّه ـ استناداً إلى الآية الكريمة:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ـ
فإنّه ما إن يصبح شخصٌ وليَّ أمرٍ حتى تكون البيعة له لازمة؛ لأنّ الله تعالى أوجب طاعة وليّ الأمر كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ومن الواضح أنّ البيعة هي التي تفضي إلى الطاعة وتُجسّدها عملياً.
وبما أنّ البيعة مع الولي تُدخله في ميدان المسؤولية واتخاذ القرار والعمل، فإنّ استمرار هذا الدور يتوقف على مؤازرة المبايعين ومشاركتهم. ومن ثمّ فإنّ التخلّف عن البيعة أو نقضها ليس أمراً عقلائياً ولا مشروعاً؛ كما قال النبي الأكرم ﷺ: إنّ من بين ثلاث فئات «لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم» أولئك الذين يبايعون الإمام ثم لا يوفون بعهدهم إلا ما دامت مصالحهم الدنيوية مؤمَّنة.
وأما مقام نيابة الولي الفقيه فهو مقامٌ عيّنه الأئمة المعصومون عليهم السلام، وهو من حيث الحاجة إلى بيعة الناس وطاعتهم شبيه بمقام الإمام نفسه.
إنّ متابعة الناس وطاعتهم لوليّ الفقيه تتيح له الاستفادة من هذا المقام، وتمنحه ـ بتعبير الفقهاء ـ بسط اليد، ليتمكن من اتخاذ القرارات والإجراءات التي تحقق صلاح المجتمع الإسلامي ومصلحته.
ومن الواضح أيضاً أنّه بصفته نائباً عن الإمام، ولأنّ الفقيه متّصف بالعدالة، ومسلّط على هواه، وعالم بكيفية القيادة وتدبير شؤون المجتمع، فإنّ هذا النموذج من الحكم القائم على محورية ولاية الفقيه يتميز بوضوح عن سائر أنماط الحكم الأخرى.
وما نشهده هذه الأيام في إيران الإسلامية، من حضور الناس في الشوارع والساحات، إنما هو تجلٍّ عينيّ وملموس لبيعة الناس مع وليّ الله. فقد بقي الناس أوفياء لنهج قائدهم الشهيد حتى حدّ التضحية بالنفس، وهم ـ رغم القصف والصواريخ ـ يواصلون دعمهم لقائد الثورة الإسلامية. وهذا يكشف أنّ البيعة لوليّ الله تُنمّي في الإنسان روحاً إلهية تجعله يضع نفسه وماله بإخلاص في سبيل طاعة وليّ الله ونصرته.
وخلاصة الكلام: إنّ البيعة لوليّ الفقيه إنما تكتسب معناها في امتداد البيعة للإمام المعصوم عليه السلام. فهي تعني القبول بولاية الفقيه بوصفه النائب العام للإمام في عصر الغيبة، والالتزام باتباعه في سبيل تحقيق الأهداف السامية للإسلام والمجتمع الإسلامي. وهذه البيعة تحمل بعدين:
بعداً سياسياً يتمثل في الاختيار، وبعداً دينياً يتمثل في الالتزام والتعهد.
مركز الإجابة عن الشبهات – الحوزة العلمية.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





