تتجاوز الرسالة الأولى لسماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، التي ألقاها قبيل ليالي القدر، كونها خطاباً عادياً بحكم الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد؛ إنها نص استراتيجي وإعلان للمعالم الفكريّة-التنفيذية حول كيفية إدارة المسار في ظلّ الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكيّة وكيان الاحتلال الصهيوني الغاصب ضد إيران الإسلاميّة، وكيفية تشكّل مرحلة جديدة.

في أجواء يخيّم عليها الحزن لفقدان القائد الشهيد ويحدوها الأمل بالفيوضات الإلهية، رسم سماحته المحاور الأساسية للحكم. ويمكن القول إن الروح المسيطرة على مجمل كلماته (التي ألقاها في 2026/03/12) هي الآية الكريمة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، مما يشير إلى الاقتداء بسيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الحكم، واستمرار المسار الأصيل للثورة الإسلامية في الجمع بين “الصرامة في مواجهة العدو” و”الرحمة والمودّة بين المؤمنين”.

أولاً: أشدّاء على الكفّار.. لغة الحزم والردع

تجلى في مقاطع متعدّدة من رسالة قائد الثورة الإسلامية مظهر “الشدة على الكفار”، ليس بدافع الغضب أو الانفعال في خضمّ المواجهة مع العدو، بل استناداً إلى حسابات استراتيجية دقيقة، ومستنداً إلى الآيات القرآنية والسيرة النبوية (ص).

١. التحذير للدول المجاورة: حذّر سماحته بصراحة قادة دول المنطقة، ولا سيما الجيران، من أن استخدام العدو لقواعدهم العسكرية للاعتداء على إيران أمر غير محتمل. هذا الموقف هو الترجمة العملية لـ “أشداء على الكفار” في الساحة الدبلوماسية؛ أي إذا ساعدت دولة ما المعتدي، فعليها تقبّل تبعات ذلك. التأكيد على أن الضربات الإيرانية ستستهدف القواعد المتخاصمة وليس الدول نفسها، هو نوع من “الرحمة” مقروناً بـ “الحزم”، وفرصة للجيران لتصحيح سلوكهم. قال قائد الثورة الإسلامية: “على هذه الدول أن توضّح تكليفها مع المعتدين على وطننا العزيز وقاتلي أبناء شعبنا. أنا أوصيها بأن تغلق تلك القواعد في أسرع وقت؛ لأنها لا بدّ وقد أدركت الآن أن ادعاءات أمريكا بتوفير الأمن والسلام كانت كذباً محضاً.” (2026/03/12). إنه بهذا يذكّر زعماء الدول الإسلامية بمعنى الآية 113 من سورة هود المباركة: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

هذا هو منطق الإمام الخميني الكبير (قدس سره) والقائد الشهيد (قدس سره) الذي امتدّ بالمسيرة خلفهما سماحة آية الله مجتبى الخامنئي. لقد أشار القائد الشهيد، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس سره)، في هذا الصدد، في تحذيره لوعّاظ السلاطين (عليهم لعائن الله)، إلى منطق الإمام الخميني (ره) حول “الإسلام الأمريكي”، حيث قال في رسالته إلى حجاج بيت الله الحرام: “هل تضعيف الإسلام والمسلمين، وبث الفرقة، والتصدي للثورة الإسلامية، والتبري من أولياء الله، واتهامهم وتكذيبهم – ولو كان سياسياً – أمر لا بأس به؟! بينما الدفاع عن المظلومين، والبراءة من المشركين، والموالاة للمحرومين والمستضعفين، والاعتراض على هيمنة أمريكا وإسرائيل على الدول الإسلامية، ومعارضة نهب الشركات الأجنبية، وإدانة خيانة الرؤساء والسلاطين المسلمين بالاسم، ودعم نضالات المسلمين الحقيقيين، وأمثال ذلك هو الجريمة؟! هنا يتجلّى كلام إمامنا الراحل، ذلك الداعي إلى الله والفاني فيه، الذي قسّم الإسلام إلى إسلام محمّدي خالص وإسلام أمريكي. الإسلام المحمّدي الخالص هو إسلام العدل والقسط؛ إسلام العزة، إسلام دعم الضعفاء وحفاة الأقدام والمحرومين؛ إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين؛ إسلام الجهاد مع الأعداء وعدم المساومة مع المستكبرين والمفسدين؛ إسلام الأخلاق والفضيلة والمعنوية.” (1990/07/05)

٢. الوعد بالانتقام الحاسم: الوعد بمتابعة دماء جميع الشهداء، مع التأكيد الخاص على أطفال مدرسة “شجره طیبه” المظلومين في مدينة ميناب، يُظهر عزم الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تغيير معادلة الأمن مع العدو. هذا الوعد بالانتقام ليس تلبية للمطلب الشعبي العام في إيران والأحرار في العالم للمطالبة بدم القائد الشهيد السيد علي الخامنئي فحسب، بل هو كما صرّح سماحته: “بل إن كل عضو من أعضاء الأمة يُستشهد على يد العدو، هو بحد ذاته موضوع مستقل في ملف الانتقام.” (2026/03/12)

٣. الأوامر الاستراتيجية للقائد العام للقوات المسلحة للمقاتلين: التأكيد على “مواصلة الدفاع الفعّال والمُندم”، و”استخدام أداة إغلاق مضيق هرمز”، والتهديد بـ “فتح جبهات أخرى ليس للعدو فيها خبرة تذكر وسيكون فيها شديد الضعف” في حال استمرار حالة الحرب ومراعاة للمصالح، يشير إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست جامدة ولا سلبية، بل تتحدث من موقع اقتدار وستواجه أعداء هذه الأرض بقبضة قويّة. هذا النهج مستلهم من الآية 60 من سورة الأنفال، والتي وردت في كلمات القائد الشهيد للثورة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ “عليهم أن يُعدّوا ما استطاعوا من قوّة، ويروا قدرة تهديد العدو، وهذا سيؤمّن حتماً المصالح الوطنية، ويحفظ الكيان الوطني، ويصون الهوية الوطنية.” (2020/10/12)

ثانياً: رحماء بينهم.. الارتباط العميق مع الشعب وجبهة المقاومة

في مقابل الصرامة مع العدو، قدّم قائد الثورة صورة مفعمة بالودّ والتواضع تجاه “الشعب”، وهي ذاتها السيرة النبوية (ص) التي أكد الله تعالى على الاقتداء بها في الآية 21 من سورة الأحزاب المباركة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

١. الخطاب للأمّة: نظرة سماحته إلى الناس هي نظرة إلى نعمة عوضت الفقدان، بعبارة “حضور عمّار-أمثال الأمة الإيرانية” (2026/03/12)، مستشهداً بالآية 106 من سورة البقرة ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، قائلاً: “الهدف من ذكر الآية المباركة هو التنبيه إلى الدور البارز والفاعل لكم أيها الشعب العزيز. إذا سُلبت منا تلك النعمة العظمى، فعوّضها الله مرة أخرى بحضور عمّار-أمثال الأمة الإيرانية لهذا النظام. اعلموا أنّه إذا لم يظهر حضوركم في الساحة، فلن تكون لا القيادة ولا أي من الأجهزة المختلفة – التي شأنها الحقيقي خدمة الشعب – بالكفاءة اللازمة.” (2026/03/12)

هذا التعبير العميق يُظهر إيمان سماحته بمفهوم (رحماء بينهم) على المستوى الوطني الكبير. التأكيد على الاستراتيجيات القرآنية الأربع: “ذكر الله تبارك وتعالى والتوكل عليه والتوسل بالأنوار الطيبة للمعصومين (صلوات الله عليهم)”، و”الوحدة”، و”الحضور الفاعل في الساحة”، و”التعاون والتكاتف”، هو بمثابة ميثاق ديني-اجتماعي لتعزيز التلاحم الداخلي في مواجهة هجمات العدو في هذه الحرب الهجينة المفروضة على إرادة الإيرانيين.

٢. الاهتمام الخاص بالمقاتلين وجبهة المقاومة: تقدير سماحته لـ “اليمن الشجاع المؤمن”، و”حزب الله المضحّي”، و”المقاومة العراقية”، وكون “قضية المقاومة وجبهة المقاومة جزءًا لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية”، هو تجلٍّ لـ “رحماء بينهم” على مستوى الأمة الإسلامية، وهو إعلان صريح باستمرار المسار الذي نصّ عليه دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في البند 16 من الأصل الثالث: “تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس معايير الإسلام، والتزام الأخوّة تجاه جميع المسلمين، والدعم بلا كلل للمستضعفين في العالم”. وهذا يعني أن المقاومة ليست خياراً تكتيكياً أو إجراءً مرحلياً، بل هي جزء من الهوية الاستراتيجية للثورة الإسلامية الإيرانية.

٣. التعاطف مع المتضررين: إن تعاطف قائد الثورة الإسلامية مع أسر الشهداء والجرحى، وأمره الصريح بتعويض الأضرار، سواء من خلال العلاج المجاني أو التعويض المالي، هو تأكيد من سماحته على متابعة هذه الواجبات الحاكمة في هذه الظروف الاستثنائية، وهو تكليف واجب التنفيذ على المسؤولين المحترمين، ويمكن أن يخفف إلى حدّ ما من آلام الأفراد وأسرهم.

الخاتمة: التوكل على الله سرّ استمرار المسيرة

في النهاية، أكد سماحة آية الله مجتبى خامنئي، مثل الإمام الخميني وقائد الشهيد، على دور وأهمية التوكل على الله وهداية الناس إلى الارتباط بالله تعالى. ولا شك أن هذا الأمر العقائدي والإيماني المهم قد استطاع أن يمرّر القادة والشعب، وعلى المستوى الكبير، مسار الثورة الإسلامية من بين آلاف المؤامرات التي حاكها الاستكبار العالمي بسلام. في هذا الصدد، قال القائد الشهيد، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس سره): “[الإمام الخميني] لم يكن ييأس أبداً؛ كل هذه الأحداث التي وقعت في السنوات الأولى للثورة – هذه الشهادات، الشهادات الجماعية، الحوادث المختلفة – [لكن] لم تؤثر أبداً في قلب الإمام لتجعله ييأس… كان أهل توكّل بالمعنى الحقيقي؛ كان يقبل الوعد الإلهي وكان واثقاً بوعد الله. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.” (2022/06/04)

بقلم: عليرزا استاديان خاني – باحث في العلوم الإنسانية

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل