مع السيد عبد الرزاق بيردهقان، الخبير في الصحيفة السجادية.

في المقاطع الأخيرة من دعاء الإمام السجاد (عليه السلام)، نقرأ هذه العبارات العميقة: “اللهم اجعل شهر رمضان هذا لي بحيث يكون ما أديت فيه من العبادات مستمراً معي في سائر الشهور والأيام”. ففي الجلسات السابقة، أوضحنا أن شهر رمضان المبارك هو بمثابة تمرين عملي على العبودية تمتد آثاره طوال العام.

الإمام السجاد (عليه السلام) يسأل الله في هذا المقطع: “اللهم وفقني لأن أتصرف وأعمل بحيث لا ينتهي ما قمت به من أعمال في شهر رمضان بمجرد حلول عيد الفطر، أو دخول شهر شوال. فالتهجد الذي كنت أحييه، والسحر الذي كنت أستيقظ فيه، والقيام الذي داومت عليه، كل هذا يستمر معي طوال العام. إن صيامي في شهر رمضان لم يكن مجرد إمساك عن الطعام، بل كان صياماً للسان، صياماً للعين، صياماً للأذن، صياماً لليد، صياماً للرجل، صياماً للبطن، وكانت جميع جوارحي وأعضائي في مسير طاعتك. اللهم اجعل هذا الطريق مستمراً، فدخولنا إلى عيد الفطر لا يعني نهاية هذه الحال، بل هو بداية الاستعداد لشهر رمضان القادم.”

يذكر الإمام (عليه السلام) حديثاً شريفاً عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) حيث قال: “إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُحَبَّرُ وَ تُزَيِّنُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ” أي أن الجنة تزيَّن وتُجمَّل من عام إلى عام. ومعنى هذا الحديث أن الملائكة تبدأ منذ ظهر يوم عيد الفطر بتوزيع جوائز الصائمين في شهر رمضان والمصلين لعيد الفطر. إن أعمال شهر رمضان تنتهي في الدنيا، لكن ثمراتها لا تنتهي. وطبقاً لهذا الحديث، فبمجرد انتهاء شهر رمضان هذا العام، تشرع الملائكة في تزيين الجنة “من الحول إلى الحول” أي من بعد انتهاء شهر رمضان هذا العام مباشرة.

يُروى عن أحد كبار العلماء أنه قال: يبدأ تزيين الجنة من ظهر يوم عيد الفطر ويستمر حتى اليوم الثلاثين من شهر شعبان من العام القادم. فإذا أقبل ظهر اليوم الثلاثين، وقبيل الغروب، تبدأ نسمة بالهبوب من الجنة. قال رسول الله (ص): “إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُحَبَّرُ وَ تُزَيِّنُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ لِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ” تُزين طوال العام استعداداً لاستقبال شهر رمضان. “فَإِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ” فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان، هبت نسمة تعلن عن بداية الشهر المبارك. إن العام بطوله هو إعداد لشهر رمضان.

هنا يدعو الإمام السجاد (عليه السلام): “اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَ الْأَيَّامِ” اللهم في سائر الشهور والأيام، “كَذَلِكَ مَا عَمَّرْتَنَا” ما دمت أبقيتنا على قيد الحياة، “وَ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ” اللهم اجعلني من عبادك الصالحين. أي اجعل هذا الشهر المبارك تمريناً لي طوال العام، حتى أكون من الصالحين الدائمين.

“عباد صالحين” – ينبغي التنبيه أيها الإخوة والأخوات إلى أن صيغة اسم الفاعل هنا تفيد الثبوت والاستمرار والدوام، بحيث تصبح العبادة ملكة راسخة لا انقطاع فيها. يسأل الإمام (عليه السلام): اللهم اجعل ما أديتُه في هذا الشهر من أعمال صالحة سبباً يبلغني مرتبة عبادك الصالحين، أي أكون ممن تتحول هذه الأعمال إلى ملكة راسخة لديهم: التهجد، الخشوع في جوف الليل، الاستيقاظ عند السحر، مراقبة النفس، حتى أصل إلى ما يصل إليه عبادك الصالحون.

أي عباد صالحين؟ “الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون. معنى وراثة الجنة عميق جداً. في الرواية أن كل إنسان في هذا العالم له بيت في الجنة وبيت في النار. فإذا آمن المؤمن، يرث الكافر بيته في النار، ويرث المؤمن بيت الكافر في الجنة. “الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”.

ثم يختم الإمام السجاد (عليه السلام) بهذه الآية الشريفة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أي أنهم يعطون العطاء ويفعلون الخير، وقلوبهم خائفة ومشرفة على الخوف والوجل، لا من عظمة ما أعطوا، بل من أن يكونوا إلى ربهم راجعين، فيسألهم الله عن أعمالهم، ويخافون ألا يُتقبل منهم.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل